امتناع علي (ع) عن محو وصف النبي (ص) يوم الحديبية

السؤال: روايات الشيعة متفقةٌ على أنَّ النبيَّ (ص) قد محا عبارة «رسول الله» بيده يوم الحديبية من وثيقة الصلح بعد امتناع عليٍّ (ع) عن ذلك؛ فهل يعدُّ امتناعه (ع) عن محوها خطأً أو عصياناً عن أمر النبيّ (ص)؟

: الشيخ حسين العابد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يقع الكلام حول قضيَّة محو وصف النبيّ الأكرم (ص) بالرسالة والنبوَّة، وامتناع أمير المؤمنين (ع) من مباشرة ذلك، في مقامين:

المقام الأول: الروايات الواردة عند المسلمين:

إنّ روايات المسلمين – شيعةً وسنَّةً – مختلفةٌ في قضيَّة المحو من وجهين:

الوجه الأول: الاختلاف بالنسبة لأصل تفصيل المحو:

فإنَّ روايات الشيعة وروايات السنَّة مختلفةٌ في ذلك على طائفتين:

1ـ تذكر أنَّ النبيَّ (ص) قام بمحو عبارة «رسول الله» من وثيقة الصلح بعد إصرار المشركين وعناد ممثلهم يومئذٍ (سهيل بن عمرو).

2ـ أنه لم تكن العبارة قد كُتبت حتَّى تُمحى، وإنَّما طلب النبيُّ (ص) من الإمام (ع) وقبل الشروع بالكتابة أنْ يعدل عن صيغة «محمّد رسول الله» إلى صيغة «محمّد بن عبد الله»؛ لتعنّت المشركين وعناد سهيلٍ؛ فقام الإمام (ع) بالكتابة دون تمهّلٍ يذكر.

روى الشيخ المفيد بسنده إلى الإمام الصادق (ع) أنَّه قال: «.. فقال له النبيّ (ص): اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. فقال سهيل: لو أجبتُك في الكتاب الذي بيننا إلى هذا؛ لأقررت لك بالنبوَّة؛ فسواء شهدتُ على نفسي بالرضا بذلك أو أطلقته من لساني، امحُ هذا الاسم واكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله! فقال له أمير المؤمنين (ع): إنّه – والله -لرسول الله على رغم أنفك! فقال سهيل: اكتب اسمه يمضي الشرط. فقال له أمير المؤمنين (ع): ويلك يا سهيل، كفَّ عن عنادك. فقال له النبيُّ (ص): امحها يا عليّ. فقال: يا رسول الله، إنَّ يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوَّة. قال له: فضع يدي عليها فمحاها رسول الله (ص) بيده، وقال لأمير المؤمنين (ع): ستدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضضٍ. ثمَّ تمَّم أمير المؤمنين (ع) الكتاب..» [الإرشاد ج1 ص120]. وفي روايةٍ أخرى: قال (ع) لرسول الله (ص): «ما أمحو اسمك من النبوَّة أبداً» [تفسير القمّيّ ج2 ص312]. وقريبٌ منه ما في مصادر العامَّة [ينظر: مصنَّف ابن أبي شيبة ج20 ص521، سنن النسائيّ ج7 ص479].

وروى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى الإمام الصادق (ع) أنَّه قال: «.. قال (ص) لعليٍّ (ع): اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: ما أدري ما الرحمن الرحيم؟ إلَّا أّني أظنُّ هذا الذي باليمامة، ولكن اكتب كما نكتب: باسمك اللهم. قال (ص): واكتب: هذا ما قاضى عليه رسول الله سهيل بن عمرو. فقال: سهيل: فعلى ما نقاتلك يا محمد؟! فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله. فقال الناس: أنت رسول الله. قال: اكتب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله» [الكافي ج8 ص326]. وقريبٌ منه ما في مصادر العامَّة. [ينظر: صحيح البخاريّ ص671، صحيح مسلم ص1411، مسند أحمد ج2 ص85، وج27 ص354، الثقات لابن حبَّان ج1 ص300].

الوجه الثاني: الاختلاف بالنسبة لقيام النبيّ (ص) بالمحو:

فإنَّ روايات العامَّة التي تذكر تصدّي النبيّ (ص) بالمحو على طائفتين:

1ـ تذكر أنَّ الذي طلب المحو من الإمام هو (سهيل بن عمرو) ممثّل المشركين يومئذٍ؛ فألجمه (ع) بغضبٍ: «هو – والله – رسول الله، وإنْ رغم أنفك، ولا والله، لا أمحوها»، فبادر النبيُّ (ص) إلى محوها بنفسه ابتداءً؛ إذ قال للإمام: «أرينه، فأريته، فمحاها وقال: أما إنَّ لك مثلَها، وستأتيها وأنت مضطّرٌ» [ينظر: مصنَّف ابن أبي شيبة ج20 ص520، صحيح مسلم ص1410، سنن النسائيّ ج7 ص482، صحيح ابن حبان ج11 ص212].

2ـ تذكر أنَّ الذي طلب المحو من الإمام هو النبيُّ (ص) بعد تعنّت المشركين وسهيلٍ - ومرَّت الإشارة إلى بعضها -؛ إذ يقول فيها (ص) لعليٍّ (ع): «امحُ: رسولَ الله»، فلم يتجرَّأ (ع)، وقال: «لا والله، لا أمحوك أبداً»، وفي روايةٍ ثانيةٍ: «ما أنا بالذي أمحاه»، فمحاه النبيُّ (ص) بيده. [ينظر: صحيح البخاريّ ص659، وص1042، صحيح مسلم ص1409، مسند أحمد ج30 ص594].

المقام الثاني: الكلام حول مفاد الروايات:

يقع الكلام حول مفاد هذه الروايات بخصوص امتناع أمير المؤمنين (ع) عن ذلك في نقاطٍ:

1ـ أصل دعوى أنَّ الإمام (ع) قد امتنع عن المحو بحاجةٍ لإثباتٍ، ولا يمكن الجزم بها؛ إذ إنَّ بعض رواياتنا وروايات العامَّة واضحةٌ في أنّه لم تكن العبارة قد كُتبَت حتَّى تُمحى، وإنَّما طلب النبيُّ (ص) من الإمام (ع) تعديل صيغة ما سيكتبه من: «محمّد رسول الله» إلى «محمّد بن عبد الله»، فكتب ذلك دون تمهّلٍ يذكر.

وعلى التسليم بأنَّ العبارة كانت قد كُتبت بالفعل، يبقى من المحتمل جدّاً أن يكون امتناع الإمام (ع) عن محوها إنَّما كان متوجّهاً لأمر سهيل بن عمرو، لا لأمر النبيّ (ص). وأمَّا قيام النبيّ (ص) بالمحو فإنَّما جاء بابتداءٍ منه؛ برّاً لقسمه (ع) في وجه سهيلٍ، وحفظاً لعنفوانه أمام القوم المشركين. والمؤيّد لهذا الاحتمال: التفصيل الذي سلَّطت الضوء عليه روايات العامَّة والتي تقدَّمت الإشارة إليها مع اشتراكها مع رواياتنا في غالب تفاصيلها.

2ـ مع غضِّ العين عن جميع ما قدَّمنا، فإنَّه لا يفهم من هذه الحادثة مخالفة الإمام (ع) لأمر النبيّ (ص)؛ إذ من الواضح أنَّه (ع) فهم من قوله (ص): «امحها يا عليّ» الإباحة وجواز المحو، لا الأمر المولويّ الإلزاميّ؛ فإنَّه (ص) لم يطلب ذلك من نفسه وعن طيب خاطرٍ، وإنَّما قُهر عليه فطلبه على مضضٍ، وشبَّهه بما سيجري على الإمام (ع) يوم التحكيم مع معاوية. ولفهمه (ع) هذا المعنى من حال النبيّ (ص) أبت نفسه مباشرة المحو وإنْ أباحه له (ص)؛ وذلك تأدُّباً منه وتعظيماً لمقامه (ص) واستشعاره بأنَّ فيه نوعاً من الجرأة، فأبى أنْ يمدَّ يده إلى ذلك. ومنه يتّضح أنَّ قيام النبيّ (ص) بعد ذلك بالمحو بنفسه هو مراعاةٌ منه لتأدُّب الإمام (ع) بين يديه. فهذه الحادثة دليل منقبةٍ وشاهد فضيلةٍ كما ترى، لا العكس؛ كما يحاول بعضهم تصوير المشهد.

3ـ ولوضوح دلالة هذه الحادثة على فضيلة الإمام (ع) أقرَّ بذلك أيضاً جملةٌ من علماء العامَّة ممَّن تطرَّقوا للحادثة؛ كالنوويّ، وابن حجرٍ العسقلانيّ، والعينيّ، والقسطلانيّ [ينظر: شرح صحيح مسلم ج12 ص135، فتح الباري ج7 ص574، عمدة القاري ج12 ص189، المواهب اللدنيَّة ج1 ص497]. نعم، هناك من يسعى أنْ يقدّم المشهد بشكلٍ مجتزئٍ محاولةً منه الإشكال على عصمة الإمام (ع) سواءً بنسبة المعصية أو الخطأ له؛ علماً أنَّ قراءة أيّ أمرٍ بمعزلٍ عن قرائنه وملابساته هي قراءةٌ فاسدةٌ وبداية ضلالٍ، وتقديم أيّ أمرٍ بشكلٍ مجتزئٍ مشروع إضلالٍ.

4ـ ويمكن إضافة شيءٍ: أنه حتَّى لو افترضنا بأنَّ روايات الحادثة خاليةٌ عن أيّ قرائن أو ذكر لملابساتٍ توضح الموقف، مع ذلك لا يمكن حمل الحادثة على معنى المعصية والخطأ؛ لأنَّها دلالةٌ ظنيَّةٌ يعارضها ما دلَّ بالقطع على عصمته (ع) عن الذنوب والأخطاء وطهارته من الرجس.

5ـ ختاماً: للأسف هناك من يحاول - مستغلاً خلو كثيرٍ من الأذهان عن كثيرٍ من تفاصيل التاريخ الإسلاميّ – أنْ يثير بعض الشبه الواهية في عصمة أمير المؤمنين (ع) ومدى طاعته النبيّ (ص)؛ ليشوش أو يعمّي على بعض الحقائق التاريخيَّة في قضيَّة الحديبية، من أنَّ بعض الصحابة يومئذٍ قد بدر منهم عصيانٌ، بل تمرُّدٌ على أصل الصلح فضلاً عن تفاصيله وبنوده، منهم الحاكم الثاني؛ إذ صرَّح بنفسه بأنَّه قد أبى على رسول الله (ص) الصلح، وأكثر من مراجعته فيه، وارتاب يومئذٍ بالنبيّ (ص)، وأنه لو كان له يومئذٍ فئةٌ تقوم معه لما رضي بالصلح، لكنه خضع للأمر الواقع؛ فقد روى الواقديّ عن ابن عبّاسٍ أنه قال: «قال لي عمر في خلافته، وذكر القضية – قضية الحديبية -: ارتبتُ ارتياباً لم أرتبه منذ أسلمت إلَّا يومئذٍ، ولو وجدت ذلك اليوم شيعةً تخرج عنهم رغبةً عن القضية لخرجت»، وروى أيضاً عن أبي سعيدٍ الخدريّ أنَّه قال: «جلستُ عند عمر يوماً، فذكر القضيَّة – قضيَّة الحديبية – فقال: لقد دخلني يومئذٍ من الشك، وراجعت النبيَّ (ص) يومئذٍ مراجعةً ما راجعته مثلها قطّ، ولقد عتقت فيما دخلني يومئذٍ رقاباً، وصمت دهراً، وإنّي لأذكر ما صنعت خالياً فيكون أكبر همّي». 

وفي المقام كلامٌ طويل الذيل أعرضنا عنه مخافة التطويل، يمكن فيه – مثلاً – مراجعة كتاب الاجتهاد في قبال النص لشرف الدين. [ينظر: تاريخ الواقديّ ج2 ص606، صحيح البخاريّ ص669، صحيح مسلم ص1411، مجمع الزوائد ج6 ص154، السيرة الحلبية ج3 ص28، الاجتهاد في قبال النص ص163].

كما يمكن للوقوف على حادثة المحو بمزيدٍ من التفصيل مراجعة كتاب: [موقف علي (ع) في الحديبية] للسيّد جعفر مرتضى العامليّ، وهامش كتاب [جمع القرآن ج1 ص37] للسيّد عليّ الشهرستانيّ، وغيرهما.