هل أخطأ النبي (ص) أم أخطأنا نحن في فهم وظيفة النبوة؟
السؤال: النبيّ محمَّد ارتكب أربعة أخطاءٍ قاتلةً كارثيَّةً، تسببت بحروبٍ أهليةٍ وتمزُّق الأمَّة لمذاهب وفرقٍ وجماعاتٍ شتَّى وهي: 1-أنه لم يجمع القرآن في مصحفٍ واحدٍ بترتيبٍ وتشكيلٍ وتنقيطٍ وتهميزٍ بإشرافٍ منه. 2-عدم تفسيره للقرآن بشكلٍ كاملٍ. 3-أنه لم يحدد آليَّة انتقال السلطة. 4-عدم تدوين السنَّة النبويَّة في كتابٍ واحدٍ. ونحن الآن ندفع ثمنها غالياً بتفرّقنا وتشتّتنا واختلاف مذاهبنا.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
المشكلة في هذا الطرح ليست كثرة الأسئلة المتحاملة، بل في العقليَّة التي صاغتها بشكلٍ مخالفٍ للتسلسل المنطقيّ للتفكير، فهو يبدأ من نتيجةٍ جاهزةٍ وهي تمزق الأمَّة واختلافها ثم يبني عليها نتيجة: نحن متفرقون اليوم، إذن النبيّ أخطأ، ثم يعود ليبحث عن مبرراتٍ تاريخيَّةٍ تُسند هذا الحكم المسبق. وهذا قلبٌ كاملٌ لمسار التفكير السليم.
القضيَّة الأولى التي يجب أن تُحسم قبل الدخول في التفصيل هي هذه: هل وظيفة النبيّ صناعة مجتمعٍ بلا اختلافٍ بينهم إلى الأبد، أو إقامة الحجة وبيان الطريق وترك الإنسان مسؤولاً عن خياره؟
إذا لم تُحسم هذه النقطة، فكلّ ما بعدها سيكون عبثاً.
النبوَّة في منطق القرآن ليست مشروع تحصينٍ تاريخيّ يمنع الانقسام إلى يوم القيامة، بل هي مشروع إقامة الحجَّة وبيان الطريق؛ ولهذا يقول القرآن بوضوحٍ:﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118]. فالاختلاف ليس خللاً طارئاً، بل جزءٌ من طبيعة الاجتماع البشريّ، والامتحان ليس في وقوعه، بل في كيفية إدارته والمرجعيَّة التي يُحتكم إليها فيه.
من هنا، تصبح فكرة أنَّ النبيّ "أخطأ"؛ لأنَّه لم يمنع الاختلاف فكرةً ساذجةً معرفياً؛ لأنَّها تفترض أنَّ الاختلاف دليل فشلٍ، بينما القرآن يجعله ساحة اختبارٍ.
نأتي الآن إلى الشبهات الأربع واحدةً واحدةً، ولكن بعد أن نُعيد ضبط زاوية النظر.
أولاً: لماذا لم يجمع النبيّ (ص) القرآن في مصحفٍ واحدٍ مضبوط الترتيب والتشكيل؟
هذا السؤال يفترض أنَّ القرآن كان مهدداً بالضياع في حياة النبيّ (ص)، وهذا غير صحيحٍ. القرآن كان محفوظاً بثلاثة مستوياتٍ متراكبةٍ: في الصدور، وفي الكتابة، وفي الحضور اليوميّ في العبادة، فالجمع في مصحفٍ واحدٍ ليس شرط الحفظ، بل إجراءٌ إداريٌّ لاحقٌ اقتضته توسّع الدولة ودخول أممٍ جديدةٍ لا تتقن العربية.
أما التشكيل والتنقيط، فهذه أدواتٌ لغويَّةٌ لم تكن موجودةً أصلاً في اللسان العربيّ آنذاك، ولم تظهر إلَّا عندما تغيّر اللسان واختلط بالعجم؛ فمطالبة النبيّ بها تشبه مطالبة شخصٍ في القرن الأول الهجريّ بوضع قواعد للطباعة أو علامات الترقيم الحديثة، هذا ليس "تقصيراً"، بل عدم افتراضٍ لمشكلةٍ لم تكن موجودةً.
والأهمّ من ذلك: لو كان الخلاف سببه عدم التشكيل، لما اختلف الناس في السياسة، ولا في السلطة، ولا في المصالح، بل في الحركات الإعرابيَّة فقط. لكن الواقع يكشف أنَّ جوهر الانقسام لم يكن لغوياً أصلاً.
ثانياً: لماذا لم يفسر النبيّ (ص) القرآن كاملاً؟
لأنَّ القرآن لم يُنزل ليكون كتاب شروحٍ مغلقةٍ، بل كتاب هدايةٍ حيّ، والنبيّ (ص) بيّن ما يحتاج إلى بيانٍ، وترك مساحةً للعقل والاجتهاد في المتغيّرات، ولو فُسِّر كلّ شيءٍ تفسيراً نهائيَّاً مغلقاً، لتحوّل الدين إلى نصٍّ جامدٍ لا يتحرّك مع الزمن، وانتهت وظيفة العقل، وهو ما يناقض فلسفة الابتلاء نفسها.
ثم إنَّ السؤال الحقيقيّ هنا ليس: لماذا لم يفسر النبيّ (ص) كلّ القرآن؟ بل: هل اختلاف التفسير سببه نقص البيان، أو سببه اختلاف الأهواء والمناهج والمصالح؟ لأنَّ التاريخ والواقع يخبرانا أنَّ الناس اختلفوا حتَّى في النصوص الواضحة، لا لقصورٍ في البيان، بل لرفض الالتزام.
ثالثاً: لماذا لم يحدّد (ص) آلية انتقال السلطة؟
هنا تظهر الشبهة في أكثر صورها تضليلاً؛ لأنَّ هذا السؤال يُطرح وكأنَّ النبيّ (ص) ترك فراغاً سياسياً متعمداً، بينما الحقيقة أنَّ المشكلة لم تكن في "غياب النصّ"، بل في عدم الالتزام به.
بل حتَّى لو قلنا أنَّ النبيّ (ص) لم ينصّ على قيادةٍ بعينها، وإنما وضع معايير عامَّة كما يقول المخالفون للشيعة، فالتاريخ يشهد بأنَّ الصراع الذي حصل لم ينشأ من الجهل، بل من التزاحم على السلطة، والدليل بسيطٌ: لو كانت المشكلة مجرد "آليةٍ"، فلماذا تحولت الخلافات إلى صراعٍ دمويٍّ؟ ولماذا لم تمنع أيّ آليةٍ لاحقةٍ هذا النزيف؟
السلطة هي أكثر منطقةٍ يكشف فيها الإنسان عن حقيقته، والنبيّ (ص) لم يُبعث ليصادر حرية الاختيار، بل ليُقيم الحجة. والفرق كبيرٌ بين ألا تُعطى الهداية، وبين أن تُعطى ثم تُرفض.
رابعاً: لماذا لم تُدوَّن السنَّة في كتابٍ واحدٍ؟
لأنَّ السنَّة في حياة النبيّ (ص) كانت ممارسةً حيَّةً، لا مادةً أرشيفيةً، تدوينها لاحقاً كان ضرورةً علميَّةً بعد اتساع الزمان والمكان، ثم إنَّ السؤال الأهمّ: هل الخلاف المذهبيّ سببه عدم التدوين، أم اختلاف المنهج في فهم النصّ وانتقائه وتوظيفه؟ لأنَّ التدوين لم يمنع الخلاف في أيّ حضارةٍ ولا في أيّ علمٍ. الكتب لا تصنع الوحدة، بل المنهج الأخلاقيّ في التعامل معها.
وفي المحصلة، تحميل النبيّ (ص) مسؤولية انقسامات الأمَّة هو هروبٌ غير أخلاقيّ من مواجهة الحقيقة المرّة: أنَّ المشكلة ليست في نقص النصّ، ولا في غياب البيان، ولا في ضعف التشريع، بل في الإنسان حين يتحوّل الدين عنده من هدايةٍ إلى أداةٍ.
فنحن لا ندفع اليوم ثمن "أخطاءٍ نبويَّةٍ" كما يزعم المغرضون، بل ندفع ثمن اختياراتٍ بشريةٍ رفضت أنْ تتحمّل مسؤوليتها، فبحثت عن شماعةٍ لتعلّق عليها فشلها.
اترك تعليق