هل كان آزر والد إبراهيم (ع)؟
السؤال: ورد في كتاب [التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج1 ص87]: (قد عرفت أنَّ القول بإسلام آبائه وإيمانهم كلِّهم لم يثبت. ولا محذور فيه عقلاً ولا شرعاً، بل المحذورات في ذلك القول، مضافاً إلى نصوص الكتاب الكريم والروايات السابقة. ولكنَّ مقتضى التقوى والأدب وحفظ الحرمة هو السكوت عن البحث والقول في أمثال هذه الموارد، والاعتقاد الإجماليّ بطهارتهم ونزاهتهم)، هل يصح هذا الكلام؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
بداية ينبغي التنبيه على أمر، وهو أنّه لا شكّ ولا ريب في طهارة آباء النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) من الشرك والكفر وما أشبه ذلك، وكذلك طهارة الأرحام التي تقلَّب فيها (صلَّى الله عليه وآله)، وقد أثبتنا ذلك بالأدلَّة المعتبرة في جوابٍ مستقلٍ تحت عنوان (طهارة آباء النبيِّ)، فراجع تفصيله إنْ شئت ذلك.
إذا عرفت هذا، فاعلم أنّه بعد الرجوع إلى كتاب (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) في مفردة (آزر)، والتأمُّل فيها، ظهر أنه يستدلُّ على مرامه بالآيات والروايات، وهي:
1ـ قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ لأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ﴾ [مريم: 42]، وقوله سبحانه: ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ [مريم: 44]، وقوله تعالى: ﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ﴾ [مريم: 45]، فقال ما نصُّه: (فيظهر من هذه الآيات الكريمة: أنَّ آزر كان أبا إبراهيم، وكان من الضالين المخالفين له قطعاً، سواء قلنا بأنَّ اسمه آزر أو غيره، فإنَّ موضوع الحكم في أكثر الآيات هو عنوان الأب) [التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج1 ص76].
2ـ كما استدلَّ على ذلك أيضاً بقوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ * قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ * قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: 52 ـ 54]. حيث قال: (والآيات مصرِّحة بأنَّ آباء أبيه وآباء قومه كانوا في ضلالٍ مبينٍ) [التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج1 ص77].
3ـ وبما روي في البحار ـ باب قصص ولادة إبراهيم ـ عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ آزر أبا إبراهيم كان منجِّماً لنمرود بن كنعان، فقال له: إنِّي أرى في حساب النجوم أنَّ هذا الزمان يحدث رجلاً فينسخ هذا الدين». ويروى أيضاً عنه (عليه السلام): «وكان آزر صاحب أمر نمرود ووزيره، وكان يتَّخذ الأصنام له وللناس ويدفعها إلى ولده» [التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج1 ص77].
نقول: لا يخفى أنّ أقوال العلماء لا تكون حجَّةً بذاتها، وإنما المدار على ما يسوقونه من براهين لإثبات مقاصدهم، ومن هنا يتعيَّن النظر فيما استند إليه من الأدلَّة المذكورة، لنعرف مدى تماميتها وإمكان الاعتماد عليها، ولتفصيل ذلك نقول:
الظاهر من مجموع كلماته أنَّه يستدلُّ على مرامه بظاهر الآيات التي تصرِّح بأنَّ (آزر) كان والده، وأنَّه وقومه كانوا في ضلالٍ مبينٍ في عبادتهم للتماثيل والأصنام، وعين ذلك في الروايات المذكورة.
ويُمكن مناقشة ما قاله: بأنَّ (ظاهر الكلام) يُمكن الخروج عنه مع وجود دليلٍ مُعتبرٍ على خلافه، وهو ما يجري في هذا المقام، حيث صرَّح أكثر العلماء بأنَّ (آزر) لم يكن والد إبراهيم (عليه السلام) وإنما كان عمَّه أو جدَّه لأمِّه، منهم:
1ـ الشيخ أبو جعفر الطوسيّ، قال: (والذي قاله الزجاج يقوِّي ما قاله أصحابنا أنَّ آزر كان جدَّه لأمِّه أو كان عمَّه، لأنَّ أباه كان مؤمناً من حيث ثبت عندهم أنَّ آباء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى آدم كلَّهم كانوا موحِّدين لم يكن فيهم كافر، وحجَّتهم في ذلك إجماع الفرقة المحقَّة، وقد ثبت أنَّ إجماعها حُجَّةٌ لدخول المعصوم فيها، ولا خلاف بينهم في هذه المسألة) [التبيان ج4 ص175].
2ـ وقال الفخر الرازيّ: (فثبت بهذه الوجوه أنَّ آزر ما كان والد إبراهيم (عليه السلام) بل كان عمَّاً له، فأمَّا والده فهو تارح، والعم قد يُسمَّى بالأب على ما ذكرنا أنَّ أولاد يعقوب سموا إسماعيل بكونه أباً ليعقوب مع أنه كان عمَّاً له. وقال (عليه السلام): «ردُّوا عليَّ أبي». يعني العم، العبَّاس. وأيضاً يحتمل أنَّ آزر كان والد أم إبراهيم (عليه السلام)، وهذا قد يقال له الأب. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام : 84 ] إلى قوله: ﴿عِيسَى﴾. فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أنَّ إبراهيم (عليه السلام) كان جدَّاً لعيسى من قبل الأم) [تفسير الرازيّ ج ١٣ ص40].
3ـ وقال المولى المازندرانيّ: (قال الفاضل الأمين الاسترآباديّ ... إلى قوله: وفي كتب الشافعية كالقاموس وكشرح الهمزيَّة لابن حجر المكِّيّ تصريحٌ بأنَّ آزر كان عم إبراهيم (عليه السلام) وكان أبوه تارخ) [شرح أصول الكافي ج12 ص529].
4ـ وقال السيد الطباطبائيّ: (تقدَّم أنَّ الآيات دالَّة على أنَّ آزر المشرك الذي يذكره الله تعالى في هذه الآيات من سورة الأنعام لم يكن والداً حقيقياً لإبراهيم (عليه السلام). فالروايات الدالَّة على كون آزر أباه الحقيقيّ على ما فيها من الاختلاف في سرد القصة رواياتٌ مخالفة للكتاب لا يُعبأ بها، ولا حاجة مع ذلك إلى حملها على التقية ـ إنْ صحَّ الحمل ـ مع هذا الاختلاف بين القوم) [الميزان ج7 ص208].
5ـ وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ: (تطلق كلمة «الأب» في العربية على الوالد غالباً، ولكنَّها قد تطلق أيضاً على الجدِّ من جهة الأم وعلى العم، وكذلك على المربِّي والمعلِّم والذين يساهمون بشكلٍ ما في تربية الإنسان، ولكنَّها إذا جاءت مطلقةً فإنها تعني الوالد ما لم تكن هناك قرينة تدلُّ على غير ذلك. فهل الرجل الذي تشير إليه الآية «آزر» هو والد إبراهيم؟ أيجوز أنْ يكون عابد الأصنام وصانعها والد نبيٍّ من أولي العزم؟ ألا يكون للوراثة من هذا الوالد تأثير سيء في أبنائه؟ بعض مفسِّري أهل السنة يجيب بالإيجاب عن السؤال الأوَّل، ويعتبر آزر والد إبراهيم الحقيقيّ. أمَّا المفسِّرون الشيعة فيجمعون على أنَّ آزر ليس والد إبراهيم، بل قال بعضهم: إنه كان جدَّه لأمِّه، وقال أكثرهم: إنه كان عمَّه) [الأمثل ج4 ص346].
هذا، مضافاً إلى اتفاق أهل النسب على أنَّ اسم والده هو (تارخ) وليس آزر مما يُبعِّد كونه والده الحقيقيّ. [يُنظر: تهذيب اللغة للأزهريّ ج13 ص170، لسان العرب لابن منظور ج4 ص19]، وغيرهما.
وبالجملة: إنَّ ما استند إليه من الظهور غير تامٍّ ولا يُمكن الأخذ به؛ لكونه مُعارضاً بتصريح أكثر العلماء من أنَّ (آزر) لم يكن والد إبراهيم (عليه السلام) وإنما كان عمَّه أو جدَّه لأمِّه.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ ما ورد في السؤال المتقدِّم لا يُمكن القبول به، لمخالفته لكلماتهم الناصَّة على كون (آزر) عماً لإبراهيم (عليه السلام)، ولطهارة آباء النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، كما أشرنا .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق