هل يقتضي العدل الإلهيّ توحيد الاختبار بين البشر؟

السؤال: لو كان الله عادلاً لكان اختبر كلّ إنسانٍ لوحده بنفس التفاصيل ونفس الحياة ونفس المشقات، إذ هو يملك الوقت الكافي أو نفس الاختبار للجميع في نفس الوقت.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا المقترح قائمٌ على تصورٍ مختلٍّ لمعنى العدل، وعلى إسقاط مقاييس آليةٍ وبشريةٍ على فعلٍ إلهيٍّ يتجاوز منطق القوالب الجاهزة. فالعدالة ليست معادلةً رياضيةً بسيطةً تُطبّق بمعيارٍ واحدٍ على الجميع، والإنسان ليس آلةً تستجيب بنفس الطريقة لنفس المدخلات.

فلو كانت العدالة تعني أنْ يعيش جميع البشر (نفس الحياة) وبكلّ تفاصيلها النفسيَّة والوجوديَّة، لكان ذلك إلغاءً للكلّ واستبدالهم بواحدٍ، فالتساوي في كلّ شيءٍ وإلغاء جميع الخصوصيات وحذف جميع الفوارق الوجوديَّة يعني تحويل الإنسان لنسخةٍ مكررةٍ، وهذا ليس عدلاً، بل هو تسويةٌ قسريةٌ تلغي معنى الإنسان ذاته.

فلو تأملنا التطبيق العمليّ لهذا الادعاء لوجدناه يؤدي إلى مفارقاتٍ مستحيلةٍ. فكيف يمكن تحقيق (نفس الحياة) لثمانية مليارات إنسانٍ؟ 

إما أن يعيش كلّ فردٍ في كونٍ منعزلٍ ومطابقٍ تماماً للآخر، وإما أنْ يختبر البشر بشكلٍ متسلسلٍ واحدٍ تلو الآخر بنفس التفاصيل. وكلا السيناريوهينِ يفضي إلى نتائج عبثيَّةٍ تناقض الحكمة والغاية من الخلق.

فالعدل لا يقتضي تكرار العالم بعدد البشر، ولا عزل كلّ إنسانٍ في كونٍ خاصٍّ به، بل يقتضي أنْ يكون هذا العالم ميداناً تتفاعل فيه الإرادات، وتتشابك فيه الاختيارات، وتُختبر فيه القيم في الواقع لا في الفراغ، فكثيرٌ من القيم التي يُحاسَب عليها الإنسان لا يمكن أنْ تظهر إلا بوجود الآخرين: العدل، الظلم، الرحمة، القسوة، الأمانة، الخيانة، الصبر، التضحية، فلو عُزل كلّ إنسانٍ في (اختبارٍ منفصلٍ)، لفقدت هذه القيم معناها، ولسقط جوهر الامتحان الأخلاقيّ من أساسه.

وفي مقابل ذلك نرى أنَّ منطق الامتحان الإلهيّ قائمٌ على شيءٍ أعمق، وهو امتحان الإرادة ضمن الممكنات المتاحة لكلّ شخصٍ، لا على تكرار السيناريوهات، فالمعيار ليس (بماذا ابتُليت؟) بل (كيف تصرّفت فيما ابتُليت به؟).

ولذا نجد القرآن لا يربط العدل بتطابق الظروف، بل بميزان القدرة والاستطاعة:﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾[البقرة: 286]. هذه الآية وحدها تنسف فكرة (الاختبار الواحد للجميع)؛ لأنّها تقرّر أنّ العدل الإلهيّ لا يقوم على مساواة النتائج ولا تشابه الظروف، بل على مراعاة الوسع الفرديّ لكلّ نفسٍ، فالذي وُلِد في بيئةٍ قاسيةٍ ليس مطالباً بما يُطالب به من وُلِد في بيئةٍ ميسورةٍ، ومن حُرم من الفرص ليس كمن فُتحت له الأبواب.

والأهمّ من ذلك أنَّ العدالة الإلهيَّة لا تُقاس بمقارنة حياتك بحياة غيرك، بل بمقارنة فعلك بما أُعطيت، فالخطأ الجذريّ في هذا الاعتراض أنَّه ينقل مركز العدالة من (المسؤولية الشخصيَّة) إلى (الحسد والمقارنة)، أيْ: بدل أن يسأل الإنسان: ماذا فعلت أنا بما كان بين يدي؟ يسأل: لماذا لم أُعطَ ما أُعطي غيري؟ وهذا منطقٌ يهرب من المحاسبة ولا يبحث عن العدل.

وفي المحصلة، العدل الإلهيّ لا يعني أنْ نعيش جميعاً القصّة نفسها، بل أنْ يُحاسَب كلّ واحدٍ على قصّته هو، ضمن شروطها وحدودها وإمكاناتها. ومَن يطلب عدلاً يقوم على التماثل الكامل، فهو في الحقيقة لا يطلب عدلاً، بل يطلب إلغاء معنى الابتلاء، وإلغاء معنى الاختيار، وإلغاء معنى الإنسان نفسه.