إمامة الإمام علي السجاد (ع)

السؤال: ما هو الدليل على إمامة الإمام أبي محمَّد علي بن الحسين السجَّاد (عليه السلام)؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرنا في جوابٍ سابقٍ تحت عنوان (تواتر النصوص على الأئمَّة الاثني عشر) أنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين، وقد أشرنا إلى ذكر جملةٍ كبيرةٍ من كتب الأعلام والمحققين الناقلة لتلك الأخبار مما تجعل الباحث المنصِف على درجةٍ عاليةٍ من التصديق والاطمئنان بذلك.

إذا اتَّضح هذا فنقول:

إنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الإمام السجَّاد (عليه السلام) على أقسامٍ عدَّةٍ يتجاوز مجموعها رتبة التواتر المفيد للعلم واليقين، كما سوف يتَّضح، نذكر شطراً منها، حذراً من التطويل.

القسم الأوَّل: النصوص عامَّة:

وهي ما رُوي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حقِّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) جميعاً، ومنهم الإمام السجَّاد (عليه السلام)، وهي كثيرةٌ أيضاً نذكر منها:

ما رواه شيخنا الخزَّاز (طاب ثراه) بسنده إلى أنس بن مالك قال: «كنتُ أنا، وأبو ذرٍّ، وسلمان، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم عند النبي (صلَّى الله عليه وآله)، ودخل الحسن والحسين (عليهما السلام) فقبَّلهما رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).. إلى قوله: فأوحى الله إليَّ: يا محمَّد، إني اطلعت إلى الأرض اطلاعاً فاخترتك منها فجعلتك نبيَّاً، ثمَّ اطلعتُ ثانياً فاخترتُ منها عليَّاً فجعلته وصيَّك ووارث علمك والإمام بعدك، وأخرج من أصلابكما الذرية الطاهرة والأئمَّة المعصومين، خزَّان علمي، فلولاكم ما خلقتُ الدنيا ولا الآخرة ولا الجنَّة ولا النار. يا محمَّد، أتحبُّ أنْ تراهم؟ قلتُ: نعم يا ربِّ. فنوديت: يا محمَّد، ارفع رأسك، فرفعتُ رأسي فإذا بأنوار علي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمَّد بن علي، وجعفر بن محمَّد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمَّد بن علي، وعلي بن محمَّد، والحسن بن علي، والحجَّة يتلألأ من بينهم، كأنَّه كوكبٌ درِّيٌّ. فقلتُ: يا ربِّ، من هؤلاء ومن هذا؟ قال: يا محمَّد، هم الأئمَّة بعدك، المطهَّرون من صلبك، وهو الحجَّة الذي يملأ الأرض قِسطاً وعدلاً ويشفي صدور قومٍ مؤمنين» [كفاية الأثر ص135].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى، كما لا يخفى على المطالِع.

القسم الثاني: النصوص الدالَّة على أنَّ الإمامة في أبناء الحسين (عليه السلام):

إذْ ينحصر ذلك بالإمام السجَّاد (عليه السلام)؛ لكونه الوحيد في اتصال سلسلة النسب الشريف، كما هو واضحٌ. نذكر بعضاً منها:

1ـ روى الشيخ النعمانيُّ بسنده إلى سُليم بن قيس، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وفيه: «نظر الله سبحانه إلى أهل الأرض نظرةً واختارني منهم، ثمَّ نظر نظرةً فاختار عليَّاً أخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في أمتي، وولي كلِّ مؤمنٍ بعدي.. ثمَّ إنَّ الله نظر نظرةً ثالثةً فاختار من أهل بيتي بعدي ـ وهم خيار أمتي ـ أحد عشر إماماً بعد أخي، واحداً بعد واحدٍ.. وأوَّل الأئمَّة أخي علي خيرهم، ثمَّ ابني حسن، ثمَّ ابني حسين، ثمَّ تسعة من ولد الحسين» [الغيبة ص٨٥].

2ـ وروى الشيخ الصدوق بسنده إلى سلمان الفارسيِّ (رحمه الله) قال: «دخلتُ على النبي (صلَّى الله عليه وآله) وإذا الحسين (عليه السلام) على فخذيه، وهو يقبِّل عينيه ويلثم فاه، وهو يقول: أنت سيدٌ ابن سيدٍ، أنت إمامٌ ابن إمامٍ أبو الأئمَّة، أنت حُجَّةٌ ابن حُجَّةٍ، أبو حُججٍ تسعةٍ من صلبك، تاسعهم قائمهم» [الخِصال ص٤٧٥].

3ـ وروى الشيخ الخزَّاز بسنده إلى أبي ذرٍّ (رضي الله عنه)، قال: سمعتُ فاطمة (عليها السلام) تقول: «سألت أبي (عليه السلام) عن قول الله (تبارك وتعالى): ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّاً بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: 46]، قال: هم الأئمَّة بعدي، عليٌّ وسبطاي، وتسعةٌ من صُلب الحسين» [كفاية الأثر ص١٩٤].

4ـ وروى أيضاً بسنده إلى أبي ذرٍّ (رضي الله عنه)، قال: سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: «من أحبَّني وأهل بيتي كنَّا نحن وهو كهاتين ـ وأشار بالسبابة والوسطى ـ ثمَّ قال (عليه السلام): أخي خير الأوصياء، وسبطي خير الأسباط، وسوف يخرج الله (تبارك وتعالى) من صُلب الحسين أئمَّةً أبراراً، ومنَّا مهدي هذه الأمة. قلتُ: يا رسول الله، وكم الأئمَّة بعدك؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل» [كفاية الأثر ص ٣٥].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.

القسم الثالث: النصوص الخاصَّة:

وهي ما رُوي من نصِّ آبائه أو أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) عليه بالخصوص، نذكر جملةً منها:

1ـ روى التابعي سُليم بن قيس، وفيه: «شهدتُ وصيَّة علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) حين أوصى إلى ابنه الحسن (عليه السلام)، وأشهد على وصيَّته الحسين (عليه السلام) ومحمَّداً وجميع ولده وأهل بيته ورؤساء شيعته. ثمَّ دفع (عليه السلام) الكتب والسلاح إليه، ثمَّ قال: يا بنيَّ، أمرني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنْ أوصي إليك وأدفع كتبي وسلاحي إليك، كما أوصى إليَّ رسول الله ودفع كتبه وسلاحه إليَّ، وأمرني أنْ آمرك إذا حضرك الموت أنْ تدفعها إلى أخيك الحسين. ثمَّ أقبل على الحسين (عليه السلام) فقال له: وأمرك رسول الله أنْ تدفعها إلى ابنك هذا، وأخذ بيد ابن ابنه علي بن الحسين (عليه السلام) وهو صغيرٌ» [كتاب سُليم ص444، الكافي ج1 ص297].

2ـ وروى الشيخ العيَّاشي عن سُليم بن قيس عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفيه: «فقلت: يا رسول الله، ومن شركائي من بعدي؟ قال: الذين قرنهم الله بنفسه وبي فقال: ﴿أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]، الأئمَّة. فقلتُ: يا رسول الله، ومن هم؟ فقال الأوصياء مني إلى أنْ يردوا عليَّ الحوض، كلُّهم هادٍ مهتدٍ لا يضرُّهم من خذلهم، هم مع القرآن والقرآن معهم، لا يفارقهم ولا يفارقونه، بهم تنصر أمتي، وبهم يمطرون، وبهم يدفع عنهم، وبهم يستجاب دعاؤهم. فقلتُ: يا رسول الله، سمِّهم لي؟ فقال لي: ابني هذا ووضع يده على رأس الحسن، ثمَّ ابني هذا ووضع يده على رأس الحسين، ثمَّ ابنٌ له يُقال له علي، وسيولد في حياتك فأقرئه مني السلام» [تفسير العيَّاشي ج1 ص٢٥٣].

3ـ وروى الشيخ الخزَّاز بسنده إلى عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: «كنت عند الحسين بن علي (عليهما السلام) إذْ دخل علي بن الحسين الأصغر، فدعاه الحسين (عليه السلام) وضمَّه إليه ضمَّاً وقبَّل ما بين عينيه ثمَّ قال: بأبي أنت، ما أطيب ريحك وأحسن خلفك. فتداخلني من ذلك، فقلتُ: بأبي وأمي يا بن رسول الله، إنْ كان ما نعوذ بالله أنْ نراه فيك فإلى من؟ قال: إلى عليٍّ ابني هذا، هو الإمام وأبو الأئمَّة. قلتُ: يا مولاي، هو صغير السنِّ؟ قال: نعم، إنَّ ابنه محمَّداً يؤتمُّ به وهو ابن تسع سنين» [كفاية الأثر ص٢٣٤].

إلى غيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.

القسم الرابع: المعاجز والكرامات:

وهي النصوص التي تتضمَّن نقل (المعاجز والكرامات) التي صدرت من الإمام السجَّاد (عليه السلام) والتي تكشف عن كونه حُجَّةً لله تعالى وإماماً للخلق، نذكر بعضاً منها:

1ـ روى الشيخ الصفَّار بسنده إلى عبد الله بن عطاء التميمي قال: «كنت مع علي بن الحسين في المسجد، فمرَّ عمر بن عبد العزيز عليه شراكاً فضَّةً ـ وكان من أحسن الناس وهو شابٌّ ـ فنظر إليه علي بن الحسين فقال: يا عبد الله بن عطاء، ترى هذا المترف، إنَّه لنْ يموت حتَّى يلي الناس، قال: قلت: هذا الفاسق؟ قال: نعم، لا يلبث فيهم إلَّا يسيراً حتَّى يموت، فإذا مات لعنه أهل السماء، واستغفر له أهل الأرض» [بصائر الدرجات ص١٩٠].

2ـ وروى الشيخ الكليني بسنده إلى حبابة الوالبيَّة، وفيه: «فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما دلالة الإمامة يرحمك الله؟ قالت: فقال: ائتيني بتلك الحصاة، وأشار بيده إلى حصاة، فأتيته بها فطبع لي فيها بخاتمه، ثمَّ قال لي: يا حبابة، إذا ادَّعى مدَّعٍ الإمامة، فقدر أنْ يطبع كما رأيتِ فاعلمي أنَّه إمامٌ مفترض الطاعة... قالتْ: ثمَّ أتيتُ علي بن الحسين (عليهما السلام) وقد بلغ بي الكبر إلى أنْ أرعشتُ ـ وأنا أعدُّ يومئذٍ مائةً وثلاثَ عشرةَ سنةً ـ فرأيته راكعاً وساجداً ومشغولاً بالعبادة، فيئستُ من الدلالة، فأومأ إليَّ بالسبابة فعاد إليَّ شبابي، قالت: فقلتُ: يا سيدي، كم مضى من الدنيا وكم بقي؟ فقال: أمَّا ما مضى فنعم، وأمَّا ما بقي فلا، قالت: ثمَّ قال لي: هاتي ما معكِ فأعطيته الحصاة فطبع لي فيها» [الكافي ج1 ص٣٤٦].

3ـ وروى قطب الدِّين الراوندي، وفيه: «أنَّ علي بن الحسين (عليه السلام) حجَّ في السنة التي حجَّ فيها هشام بن عبد الملك ـ وهو خليفةٌ ـ فاستجهر الناس منه (عليه السلام) وتشوفوا له وقالوا لهشام: من هو؟ قال هشام: لا أعرف، لئلَّا يرغب فيه. فقال الفرزدق، وكان حاضراً: بل أنا أعرفه، (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحلُّ والحرم) إلى آخرها. فبعثه هشام وحبسه ومحا اسمه من الديوان، فبعث إليه علي بن الحسين (عليهما السلام) بصلةٍ، فردَّها وقال: ما قلتُ ذلك إلَّا ديانةً. فبعث بها إليه أيضاً، وقال: شكر الله لك ذلك. فلما طال الحبس عليه ـ وكان يوعده بالقتل ـ شكى إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) فدعا له فخلَّصه الله، فجاء إليه وقال: يا بن رسول الله، إنَّه محا اسمي من الديوان. فقال: كم كان عطاؤك؟ قال: كذا. فأعطاه لأربعين سنةً، وقال (عليه السلام): لو علمتُ أنَّك تحتاج إلى أكثر من هذا لأعطيتك، فمات الفرزدق بعد أنْ مضى أربعون سنةً» [الخرائج والجرائح ج1 ص267].

إلى غيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.

فتحصَّل من جميع ذلك، أنَّ الروايات الدالَّة على إمامة الإمام السجَّاد (عليه السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين.

والنتيجة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ هذه النصوص ـ وغيرها ـ من أوضح الدلائل على إمامة الإمام السجَّاد (عليه السلام).. والحمد لله ربِّ العالمين.