هل توجد ملازمة بين صدور الخوارق وصحة المعتقد؟
السؤال: هناك بعض الكرامات يدّعي أهل الملل والنحل المخالفة حدوثها عندهم، ويروونها بنحوٍ من التواتر ويشهدون عليها الشهود، هل وجودها دليلٌ على صحة معتقدهم، كما يحدث لمارشربل بلبنان مثلاً من شفاء بعض المرضى عنده؟
الجواب: نوجز الجواب في نقاطٍ ثلاثةٍ:
أوَّلاً: رحمة الله الواسعة:
لقد أمر الله سبحانه وتعالى عبادَه بالدعاء ووعدهم الإجابة، فقال عزَّ من قائلٍ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، ثمَّ بيَّن النبيُّ (ص) وأهل بيته (ع) لنا آدابَ الدعاء وشروط استجابته وموانعه، فليس كلُّ دعاءٍ مستجاباً، وليست كلُّ استغاثةٍ تحقق مطلوب المستغيث، بل يخضع ذلك لحكمة الله سبحانه وتعالى وما اذخره لعباده.
إنَّ مسألة استجابة الدعاء تخضع لضوابط إلهيَّةٍ لا نعلم كثيراً منها، فقد تتعلق حكمة الله سبحانه وتعالى بعدم استجابة دعاء المؤمن المخلص له، كما قد تتعلَّق حكمته باستجابة دعاء الفاسق أو الكافر، إذ ليست استجابة الدعاء حكراً على المؤمنين على ما لهم من كرامةٍ خاصَّةٍ عند الله سبحانه وتعالى، وقد جاء في رواياتٍ عديدةٍ هذا المضمون، ففي الرواية عن النبيِّ (ص): «دعوة المظلوم مستجابةٌ، وإن كانت من فاجرٍ..» [الأمالي للطوسيّ ص311]، وكما جاء في الرواية عن صحف إبراهيم (ع): «أيُّها الملك المسلَّط المبتلى، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعضٍ، ولكن بعثتك لتردَّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافرٍ أو فاجرٍ فجوره على نفسه» [الأمالي للطوسيّ ص540].
كما جاء هذا المضمون في كتاب الله العزيز، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [يونس: 22-23]
وهكذا حصول الكرامات، فإنَّها قد تكون إحدى مصاديق استجابة الدعاء أحياناً، وتخضع للموازين الإلهيَّة التي نجهلها، لكنَّنا نعلم بحكمة الله تعالى البالغة التي تقتضي ذلك.
وعلى هذا يتضح أنّ مجرَّد حصول الكرامة لا يعني تأييد المعتقَد؛ فإنَّ الكرامة أو استجابة دعاء السائل لا تحمل طاقةً دلاليَّةً أو مكنةً إثباتيَّةً على صحَّة المعتقَد، بل غاية ما تدل عليه هو التدخل الإلهيّ في هذا الشأن خصوصاً، ورحمة الله الواسعة من الممكن جدّاً أن تشمل عباده الكفار أو المشركين، قال تعالى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105].
وقد ادعيت في مختلف الديانات كراماتٌ متواترةٌ، والحال أنّ هذه الديانات متناقضةٌ في واقعها يكذب أحدها الآخر، ولا يمكن بأيِّ شكلٍ من الأشكال أن تكون كلُّ تلك الديانات على حقٍّ.
ثانياً: الخوارق غير المؤيِّدة:
ثمَّ إنّ الأمور الخارقة للعادة ليست كلها بمنزلةٍ واحدةٍ، إذ إنّ الخارق إن كان كاشفاً عن التأييد الإلهيّ لمن جرى على يده هذا الخارق سُميَّ معجزةً، وكان حينئذٍ دليلاً على صحة الدعوى والاتصال بالله سبحانه، ولكنّ هناك فروضاً أخرى تحصل الخوارق فيها من دون أن تكون تلك الخوارق دليلاً على صحَّة مدّعى أيِّ أحدٍ.
منها: الخارق المكذِّب، كما رُوي ذلك في حال مسيلمة الكذّاب، إذ ظهرت الخوارق على يده، إلّا أنها لم تزد دعواه إلّا تكذّيباً، فإنّه كان يتفل في البئر ليزيد ماؤه فينضب البئر وييبس [قرب الإسناد ص329، والمناقب ج1 ص117]؛ كما رُوي أنّه كان يؤتى له بالصبيان ليمسح على رؤوسهم، وما مسح على رأس أحدهم إلا وتساقط شعر رأسه وقرع [تاريخ الطبريّ ج2 ص507]، فهذه الأفعال وإن كانت خارقةً في حدِّ ذاتها، إلا أنّ أحداً لا يدعي كونها معاجز تؤيّد دعوة مسيلمة.
ومنها: السحر والشعبذة، ففي عدّةٍ من الأخبار إشارةٌ إلى حصول بعض الخوارق على يد بعض المنحرفين، مع ذلك لم تكن دليلاً صحيحاً على دعواهم؛ ذلك لأنّها لم تكن بتأييدٍ إلهيّ، بل كانت عن طريق بعض الممارسات المختلفة التي توهم الناس بالتدخّل الإلهيّ من غير تدخّلٍ إلهيّ فعلاً.
من ذلك ما جاء في الرواية عن الجاثليق عندما خرج للاستسقاء ورفع يده فهطلت السماء بالمطر، حتى استغاث الخليفة بإمامنا العسكريّ (عليه السلام) وأخرجه من سجنه: «.. فخرج الجاثليق في اليوم الثالث والرهبان معه، وخرج الحسن (ع) في نفرٍ من أصحابه، فلمّا بصر بالراهب وقد مدَّ يده أمر بعضَ مماليكه أن يقبض على يده اليمنى ويأخذ ما بين إصبعيه ففعل، وأخذ من بين سبابته والوسطى عظماً أسود، فأخذه الحسن (ع) بيده ثم قال له: استسق الآن، فاستسقى وكانت السماء متغيمةً فتقشعت وطلعت الشمس بيضاء. فقال الخليفة: ما هذا العظم يا أبا محمد؟ قال (عليه السلام): هذا رجلٌ مرَّ بقبر نبيٍّ من الأنبياء فوقع إلى يده هذا العظم، وما كشف عن عظم نبيٍّ إلا وهطلت السماء بالمطر» [الخرائج والجرائح ج1 ص442].
فهطول المطر أوّلاً على يد الجاثليق لا دلالة له على شيءٍ؛ لأنّه وإن كان خارقاً إلّا أنه لم يكن بتأييدٍ إلهيّ لدعواه، بل كان بافتعالٍ منه عن طريق تلك الممارسة التي قام بها من استغلال عظم النبيِّ؛ وهكذا لو فرضنا حصول بعض الخوارق على يد بعض المدّعين عن طريق السحر، أو الشعبذة، أو تسخير الجنِّ، أو غيره، كلُّ ذلك لا قيمة له ما لم يثبت تأييد الله لصاحب هذه الدعوى.
والفرقُ بين المعجزة التي تحدث عن طريق التأييد الإلهيّ وبين السحر ونحوه، واضحٌ؛ إذ أنّ المعجزة أو الكرامة ليست بحاجةٍ لشيءٍ من الأدوات أو التعلّم أو الطقوس المُعدِّة ليحصل أثرها، بخلاف السحر والشعبذة التي يحتاج فيها الساحر إلى شروطٍ خاصَّةٍ لتحقّق سحره، كما في مثال الجاثليق الذي كان محتاجاً لعظم النبيِّ الذي لولاه لما هطل المطر، هذا بخلاف الكرامة الإلهيَّة التي لا تحتاج لشيءٍ من هذه الأدوات، بل يجري المعجِز على يد الإمام مباشرةً من دون توسط أيِّ شيءٍ من ذلك.
ثالثاً: الكرامات الزائفة:
ويجب التنبيه هنا على أمرٍ مهمٍّ للغاية، وهو أنّ كثيراً من دعاوى الكرامات أو الأعاجيب -على حدِّ تعبيرهم -إنّما هي دعاوى زائفةٌ لا حظَّ لها من الواقع. والمتثبّت يجدُ أنّ الأعمَّ الأغلب من تلك الكرامات المدّعاة عند سائر الأمم إذا ما خضعت للميزان العلميِّ المنصف تبيَّن زيفها وعدم صحّتها، أو إمكان تكذيبها بسهولةٍ على أقل التقديرات.
ولذا لا نجد ديانةً تخلو من دعاوى الكرامات والمعجزات، وكلّما زاد تديّن بعضهم واعتقادهم بديانتهم الخاطئة ازدادت سرعة تصديقهم لتلك الدعاوى بلا تثبتٍ، وكثر تناقلها على ألسن أهل تلك الديانة، حتى يظن الناس تواترها، مع أنّه لا قيمة لحدثٍ أكثر الناسُ من نقله مع تغيّره شيئاً فشيئاً حتى صار كرامةً، أو كان أصل الحدث مما يمكن تفسيره بشكلٍ غير إعجازيّ.
نعم، إنّنا ندّعي عدم شمول هذا التشكيك لما رواه علماؤنا الثقات عن أهل بيت العصمة (ع)؛ لتشدّد علمائنا في الرواية، وعدم اعتمادهم على الفهم والسمع في نقل المرويات، وضبطهم إياها بالكتابة، وأخذهم الإجازة في روايتها بعد التثبت من صحَّة ذلك النقل المكتوب عالماً عن عالمٍ.
وأضرب لتساهل سائر الأمم في نقل الكرامات وادعائها مثالاً أورده السائل بنفسه، وهي الكرامات الكثيرة المنقولة عن القديس شربل في لبنان، فإنّ أشهر قصص الكرامات المنسوبة لهذا القديس قد خضعت للتشكيك الواسع من قبل النقاد، كقصة شفاء نهاد الشامي التي اشتهرت على نحوٍ واسعٍ، إذ أشار بعض النقاد إلى غياب التوثيق الطبيِّ للمرض ودرجته قبل وبعد حالة الشفاء المزعومة، كما أشاروا إلى إمكان هذا التحسن طبيّاً وعدم كون هذا النوع من التشافي خارقاً للعادة.
وهذا في الواقع حال أغلب دعاوى الكرامات عندهم وعند غيرهم، حيث يصعب الوثوق والاطمئنان بصحتها وإن كان ذلك ممكناً في حدِّ ذاته، بل تشكيك النقاد في هذه الكرامات المختلفة قد طال حتى الأعاجيب المعتمدة من قبل الكنيسة الكاثوليكيَّة نفسها، خصوصاً مع تحفّظ الكنيسة الشديد على نشر الملفات الطبيَّة لدعاوى الشفاء الإعجازيّ الكثيرة، وهذا ما تؤكده المصادر المسيحيَّة نفسها، مثل ما جاء في ديكاستيرية دعاوى القديسين، جاء ما ترجمته: (تبقى محاضرُ التحقيق في الأعجوبة، والملخّص (Summarium)، وملفُّ الدعوى اللاحق (Positio) خاضعةً للسريَّة مدةً قد تصل إلى خمسين سنةً من تاريخ انتهاء التحقيق نفسه؛ ولا يجوز لأيّ طرفٍ ثالثٍ الاطلاع عليها إلا بإذنٍ كتابيٍّ من الديكاستيرية) [الموقع الرسمي لديكاستيرية دعاوى القديسين، المادة 69]
كما جاء في مجمع دعاوى القديسين ما ترجمته: (بعد أن يُؤدّي [الخبير] اليمينَ على أنْ ينجز مهمّته بأمانةٍ ويحفظ سرَّ الوظيفة، يُعِيْن الخبيرُ مناصِرَ العدالة في إعداد أسئلة الاستجواب للشهود) [الموقع الرسمي للفاتيكان، مجمع دعاوى القديسين، تعليمات في إجراء التحقيقات الأبرشيَّة في دعاوى القديسين، الفصل الرابع، الخبير الطبيّ، المادة 60، الفقرة 3].
هذا وغيره من النصوص المختلفة التي يرفض فيها الفاتيكان إطلاع أيِّ أحدٍ على الملفات الطبيَّة وإفادات الشهود الرسميَّة لمختلف الكرامات ودعاوى الشفاء الإعجازيّ، وهو ما يوجب الريب في عموم تلك الدعاوى الكثيرة للغاية؛ فما هو سبب هذه السريَّة التامَّة والتكتم الشديد على كل هذه الملفات؟ مع أنّ نشر هذه التقارير الطبيَّة المعتمدة بإمكانه أن يكون خير دليلٍ على صحة الكرامة ووقوعها، كما قد يساعدهم بشكلٍ واسعٍ في دعوتهم التبشيريَّة.
ولذلك نقول: ينبغي التعامل بحذرٍ شديدٍ مع دعاوى الكرامات من الأديان المختلفة؛ فإنَّها تقع محلّاً للتحيّز في الاستنتاج، والتساهل في القبول، والتحريف في النقل المستمر، خصوصاً مع مرور الأجيال وكثرة الرواة والنقال، حتى يصبح الحدث الطبيعي معجزةً أسطوريَّةً يتناقلها الناس جيلاً بعد جيلٍ، ويتوهم القارئ تواترَها وهي عن ذلك بعد المشرق عن المغرب.
ولو سلّمنا جدلاً بصحة بعض هذه الكرامات، فإنّ هذا البعض إنْ دلَّ على شيءٍ، فلا يدل على صحَّة أيِّ معتقَدٍ، بل يدلُّ على اللّطف الإلهيّ والرحمة الربانيَّة التي تسع كلَّ شيءٍ.
اترك تعليق