إمامة الإمام المهدي (ع)
السؤال: ما هو الدليل على إمامة الإمام المهديّ (عليه السلام)؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرنا في جوابٍ سابقٍ تحت عنوان (تواتر النصوص على الأئمَّة الاثني عشر) أنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين، وقد أشرنا إلى ذكر جملةٍ كبيرةٍ من كتب الأعلام والمحقّقين الناقلة لتلك الأخبار ممَّا تجعل الباحث المنصِف على درجةٍ عاليةٍ من التصديق والاطمئنان بذلك.
إذا اتَّضح هذا فنقول:
إنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الإمام المهديّ (عليه السلام) على أقسامٍ عدَّةٍ يتجاوز مجموعها رتبة التواتر المفيد للعلم واليقين، كما سوف يتَّضح، نذكر شطراً منها، حذراً من التطويل.
القسم الأوَّل: النصوص العامَّة:
وهي ما رُوي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حقِّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) جميعاً، ومنهم الإمام المهديّ (عليه السلام)، وهي كثيرةٌ أيضاً نذكر منها:
ما رواه الشيخ الخزَّاز بسنده إلى عبد الله بن سعد، عن الحسين بن عليّ (عليه السلام)، عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) قال: أخبرني جبرئيل (عليه السلام): «لما أثبت الله (عزَّ وجلَّ) اسم محمَّدٍ في ساق العرش، قلتُ: يا ربِّ هذا الاسم المكتوب في سرادق العرش أرى أعزّ خلقك عليك؟ قال: فأراه الله (عزَّ وجلَّ) اثني عشر أشباحاً أبداناً بلا أرواحٍ بين السماء والأرض. فقال: يا ربِّ بحقِّهم عليك إلَّا أخبرتني من هم؟ قال: هذا نور عليّ بن أبي طالبٍ، وهذا نور الحسن، وهذا نور الحسين، وهذا نور عليّ بن الحسين، وهذا نور محمَّد بن عليّ، وهذا نور جعفر بن محمَّدٍ، وهذا نور موسى بن جعفرٍ، وهذا نور عليّ بن موسى، وهذا نور محمَّد بن عليّ، وهذا نور عليّ بن محمَّدٍ، وهذا نور الحسن بن عليّ، وهذا نور الحجَّة القائم المنتظر» [كفاية الأثر ص265].
إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى، كما لا يخفى.
القسم الثاني: الروايات الدالَّة على أنَّه الإمام التاسع من ولد الحسين (عليه السلام):
حيث ينحصر ذلك به (عليه السلام) كما هو واضحٌ، نذكر بعضاً منها:
1ـ روى الشيخ الصدوق بسنده إلى عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «لعن المجادلون في دين الله على لسان سبعين نبياً... يا بن سمرة، إنَّ علياً منّي، روحه من روحي، وطينته من طينتي، وهو أخي وأنا أخوه، وهو زوج ابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين من الأوَّلين والآخرين، وإنَّ منه إمامي أمتي وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين، وتسعةً من ولد الحسين تاسعهم قائم أمتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً» [كمال الدين ص٢٥٦].
2ـ وروى أيضاً بسنده إلى عبد الله بن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «إنَّ الله (تبارك وتعالى) اطّلع إلى الأرض اطّلاعةً فاختارني منها فجعلني نبياً، ثمَّ اطّلع الثانية فاختار منها علياً فجعله إماماً... إلى قوله: وجعل من صلب الحسين أئمَّةً يقومون بأمري، ويحفظون وصيَّتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي، ومهدي أمتي» [كمال الدين ص٢٥٧].
3ـ وروى أيضاً بسنده إلى عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «من أحبَّ أنْ يتمسَّك بديني، ويركب سفينة النجاة بعدي فليقتدِ بعليّ بن أبي طالبٍ... ثمَّ قال: الحسن والحسين إماما أمتي بعد أبيهما، وسيدا شباب أهل الجنة، وأمهما سيدة نساء العالمين، وأبوهما سيد الوصيين. ومن ولد الحسين تسعة أئمَّةٍ، تاسعهم القائم من ولدي» [كمال الدين ص٢٦٠].
4ـ وروى الشيخ الخزَّاز بسنده إلى عبد الله بن مسعودٍ قال: «سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: الأئمَّة بعدي اثنا عشر، تسعةٌ من صلب الحسين، والتاسع مهديهم» [كفاية الأثر ص٢٣].
5ـ وروى الشيخ الطوسيّ بسنده إلى أبي بصيرٍ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حديثٍ له: «إنَّ الله اختار من الناس الأنبياء، واختار من الأنبياء الرسل، واختارني من الرسل، واختار منّي علياً، واختار من عليّ الحسن والحسين، واختار من الحسين الأوصياء، تاسعهم قائمهم» [الغيبة ص١٤٢].
إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.
القسم الثالث: الروايات الدالَّة على أنَّ للإمام الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) غيبةً يطول أمدها:
حيث ينحصر ذلك به (عليه السلام) فقط، كما هو واضحٌ، نذكر بعضاً منها:
1ـ روى الشيخ الصدوق بسنده إلى حيّان السرَّاج، عن السيّد بن محمَّدٍ الحميريّ، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) وفيه: «قلت له: يا بن رسول الله قد رُوي لنا أخبارٌ عن آبائك (عليهم السلام) في الغيبة وصحَّة كونها فأخبرني بمن تقع؟ فقال (عليه السلام): إنَّ الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمَّة الهداة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوَّلهم: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ وآخرهم القائم بالحقّ بقيَّة الله في الأرض وصاحب الزمان» [كمال الدين ص٣٣].
2ـ وروى أيضاً بسنده إلى عبد الرحمن بن سليطٍ قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالبٍ (عليهما السلام): «منّا اثنا عشر مهديّاً أوَّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحقّ، يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحقّ على الدين كلّه ولو كره المشركون، له غيبةٌ يرتدّ فيها أقوامٌ ويثبت فيها على الدين آخرون» [كمال الدين ص٣١٧].
3ـ وروى أيضاً بسنده إلى ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنَّ عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) إمام أمتي وخليفتي عليها من بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقّ بشيراً إنَّ الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر. فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاريّ فقال: يا رسول الله، وللقائم من ولدك غيبةٌ؟ قال: إي وربي، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين» [كمال الدين ص٢٨٨].
إلى غيرها من الروايات الكثيرة الدالَّة على تحقّق الغيبة في الإمام المهديّ (عليه السلام).
القسم الرابع: النصوص الخاصَّة:
وهي ما رُوي من نصِّ آبائه أو أبيه الإمام العسكريّ (عليه السلام) عليه بالخصوص، نذكر جملةً منها:
1ـ روى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى داوود بن القاسم قال: «سمعتُ أبا الحسن (عليه السلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ فقلتُ: ولمَ جعلني الله فداك؟ فقال: إنَّكم لا ترون شخصه، ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه، فقلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا: الحجَّة من آل محمَّدٍ (عليهم السلام)» [الكافي ج1 ص ٣٢٨].
2ـ وروى أيضاً بسنده إلى عمروٍ الأهوازيّ قال: «أراني أبو محمَّدٍ ابنه وقال: هذا صاحبكم من بعدي» [الكافي ج1 ص ٣٢٨].
3ـ وروى الشيخ الصدوق بسنده إلى عبد السلام بن صالحٍ الهرويّ قال: «سمعتُ دعبل بن عليّ الخزاعيّ يقول: لما أنشدتُ مولاي الرضا (عليه السلام) قصيدتي... فقال: يا دعبل، الإمام بعدي محمَّدٌ ابني، وبعد محمَّدٍ ابنه عليّ، وبعد عليّ ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجَّة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره» [عيون أخبار الرضا ج2 ص٢٩٧].
4ـ وروى أيضاً بسنده إلى أحمد بن إسحاق بن سعدٍ الأشعريّ، عن إمامنا العسكريّ (عليه السلام)، وفيه: «فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعاً فدخل البيت، ثمَّ خرج وعلى عاتقه غلامٌ كأنَّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله (عزَّ وجلَّ) وعلى حججه ما عرضتُ عليك ابني هذا، إنَّه سمِيُّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وكنيُّه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً» [كمال الدين ص٣٨٤].
5ـ وروى أيضاً بسنده إلى جعفر بن محمَّد بن مالكٍ الفزاريّ قال: حدَّثني معاوية بن حكيمٍ ومحمَّد بن أيوب بن نوحٍ ومحمَّد بن عثمان العمريّ (رضي الله عنه) قالوا: «عرض علينا أبو محمَّدٍ الحسن بن عليّ (عليهما السلام) ونحن في منزله، وكنَّا أربعين رجلاً فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرَّقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنَّكم لا ترونه بعد يومكم هذا، قالوا: فخرجنا من عنده فما مضت إلَّا أيامٌ قلائل حتَّى مضى أبو محمَّدٍ (عليه السلام)» [كمال الدين ص٤٣٥].
6ـ وروى أيضاً بسنده إلى الصقر بن أبي دلفٍ قال: «سمعتُ أبا جعفرٍ محمَّد بن عليّ الرضا (عليهما السلام) يقول: «إنَّ الإمام بعدي ابني عليّ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي. والإمام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه، ثمَّ سكت. فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكى (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثمَّ قال: إنَّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحقّ المنتظر» [كمال الدين ص٣٧٨].
7ـ وروى أيضاً بسنده إلى أبي غانمٍ الخادم قال: «وُلِد لأبي محمَّدٍ (عليه السلام) ولدٌ فسمَّاه محمَّداً، فعرضه على أصحابه يوم الثالث، وقال: هذا صاحبكم من بعدي، وخليفتي عليكم» [كمال الدين ص٤٣١].
8ـ وروى أيضاً بسنده إلى المفضَّل بن عمر قال: «دخلتُ على سيدي جعفر بن محمَّدٍ (عليهما السلام) فقلت: يا سيدي، لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك؟ فقال لي: يا مفضَّل، الإمام من بعدي ابني موسى، والخلف المأمول المنتظر (محمَّد) ابن الحسن بن عليّ بن محمَّد بن عليّ بن موسى» [كمال الدين ص٣٣٤].
إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.
القسم الخامس: المعاجز والكرامات:
وهي النصوص التي تتضمَّن نقل (المعاجز والكرامات) التي صدرت من الإمام المهديّ (عليه السلام) والتي تكشف عن كونه حُجَّةً لله تعالى وإماماً للخلق، نذكر بعضاً منها:
1ـ روى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى محمَّد بن إبراهيم بن مهزيار قال: «شككتُ عند مضي أبي محمَّدٍ (عليه السلام) واجتمع عند أبي مالٌ جليلٌ، فحمله وركب السفينة وخرجتُ معه مشيِّعاً، فوعك وعكاً شديداً، فقال: يا بني ردني فهو الموت، وقال لي: اتقِ الله في هذا المال وأوصى إليَّ فمات، فقلتُ في نفسي: لم يكن أبي ليوصي بشيءٍ غير صحيحٍ، أحمل هذا المال إلى العراق وأكتري داراً على الشط ولا أخبر أحداً بشيءٍ، وإن وضح لي شيءٌ كوضوحه في أيام أبي محمَّدٍ (عليه السلام) أنفذته وإلَّا قصفت به، فقدمتُ العراق واكتريت داراً على الشط وبقيت أياماً، فإذا أنا برقعةٍ مع رسولٍ فيها: يا محمَّد، معك كذا وكذا في جوف كذا وكذا، حتَّى قصَّ عليَّ جميع ما معي ممَّا لم أحط به علماً، فسلَّمته إلى الرسول، وبقيت أياماً لا يرفع لي رأسٌ واغتممت، فخرج إليَّ: قد أقمناك مكان أبيك فاحمد الله» [الكافي ج1 ص٥١٨].
2ـ وروى الشيخ الطوسيّ عن محمَّد بن يعقوب، رفعه عن نسيمٍ الخادم، خادم أبي محمَّدٍ (عليه السلام) قال: «دخلتُ على صاحب الزمان (عليه السلام) بعد مولده بعشر ليالٍ فعطستُ عنده. فقال: يرحمك الله، ففرحتُ بذلك، فقال: ألا أبشِّرك في العطاس؟ هو أمانٌ من الموت ثلاث أيامٍ» [الغيبة ص٢٣٢].
3ـ وروى قطب الدين الراونديّ عن علَّان، عن ظريفٍ أبي نصرٍ الخادم قال: «دخلتُ على صاحب الزمان (عليه السلام) وهو في المهد فقال لي: عليَّ بالصندل الأحمر. فأتيته به، فقال: أتعرفني؟ قلت: نعم، أنت سيدي وابن سيدي. فقال: ليس عن هذا سألتك. فقلت: فسِّر لي. فقال: أنا خاتم الأوصياء، وبي يرفع الله البلاء عن أهلي وشيعتي» [الخرائج والجرائح ج1 ص٤٥٨].
4ـ وروى أيضاً عن حكيمة قالت: «دخلتُ على أبي محمَّدٍ (عليه السلام) بعد أربعين يوماً من ولادة نرجس، فإذا مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) يمشي في الدار، فلم أرَ لغةً أفصح من لغته، فتبسَّم أبو محمَّدٍ (عليه السلام) فقال: إنَّا معاشر الأئمَّة ننشأ في يومٍ كما ينشأ غيرنا في السنة، قالت: ثمَّ كنتُ بعد ذلك أسأل أبا محمَّدٍ (عليه السلام) عنه. فقال: استودعناه الذي استودعت أم موسى ولدها» [الخرائج والجرائح ج1 ص466].
إلى غيرها من الكرامات الكثيرة لمولانا الصاحب (عليه السلام).
فتحصَّل من جميع ذلك، أنَّ الروايات الدالَّة على إمامة الإمام المهديّ (عليه السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين، ويُمكن للراغب بالتوسُّع أكثر مراجعة النصوص الكثيرة الدالَّة على إمامته (عليه السلام) في كتاب (منتخب الأثر في أحوال الإمام الثاني عشر) للمرجع الديني الراحل الشيخ لطف الله الصافي (رحمه الله تعالى).
النتيجة النهائيَّة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ هذه النصوص ـ وغيرها ـ من أوضح الدلائل على إمامة الإمام الحجَّة (عليه السلام).. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق