إمامة الإمام الحسن المجتبى (ع)

السؤال: ما هو الدليل على إمامة الإمام أبي محمَّدٍ الحسن بن عليٍّ (عليه السلام)؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرنا في جوابٍ سابقٍ تحت عنوان (تواتر الأخبار في النصِّ على الأطهار) أنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين، وقد أشرنا إلى ذكر جملةٍ كبيرةٍ من كتب الأعلام والمحقّقين الناقلة لتلك الأخبار ممَّا تجعل الباحث المنصِف على درجةٍ عاليةٍ من التصديق والاطمئنان بذلك.

إذا اتَّضح هذا فنقول:

إنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الإمام الحسن (عليه السلام) على أقسامٍ عدَّةٍ يتجاوز مجموعها رتبة التواتر المفيد للعلم واليقين، كما سوف يتَّضح، نذكر شطراً منها، حذراً من التطويل.

القسم الأوَّل: النصوص العامَّة:

وهي ما رُوي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حقِّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) جميعاً، ومنهم الإمام الحسن (عليه السلام)، وهي كثيرةٌ أيضاً نذكر بعضاً منها.

1ـ ما رواه شيخنا الخزَّاز (طاب ثراه) بسنده إلى واثلة بن الأسقع، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: «دخل جندل بن جنادة اليهوديّ من خيبر على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فقال... يا رسول الله، إنّي رأيتُ البارحة في النوم موسى بن عمران (عليه السلام) فقال لي: يا جندل، أسلِمْ على يدِ محمَّدٍ واستمسك بالأوصياء من بعده، فقد أسلمتُ ورزقني [الله] ذلك، فأخبرني بالأوصياء بعدك لأتمسَّك بهم؟ فقال: يا جندل، أوصيائي من بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل. فقال: يا رسول الله، إنَّهم كانوا اثني عشر، هكذا وجدنا في التوراة. قال: نعم، الأئمَّة بعدي اثنا عشر. فقال: يا رسول الله، كلُّهم في زمنٍ واحدٍ؟ قال: لا، ولكنَّهم خلفٌ بعد خلفٍ، فإنَّك لن تُدرك منهم إلَّا ثلاثةً. قال: فسمِّهم لي يا رسول الله؟ قال: نعم، إنَّك تدرك سيد الأوصياء ووارث الأنبياء وأبا الأئمَّة عليّ بن أبي طالبٍ بعدي، ثمَّ ابنه الحسن، ثمَّ الحسين، فاستمسك بهم من بعدي، ولا يغرنَّك جهل الجاهلين، فإذا كانت وقت ولادة ابنه عليّ بن الحسين سيد العابدين يقضي الله عليك، ويكون آخر زادك من الدنيا شربةً من لبنٍ تشربه. فقال: يا رسول الله... فكم بعد الحسين من الأوصياء وما أساميهم؟ فقال: تسعةٌ من صلب الحسين والمهديّ منهم، فإذا انقضت مدَّة الحسين قام بالأمر بعده ابنه عليٌّ ويلقَّب بزين العابدين، فإذا انقضت مدَّة عليٍّ قام بالأمر بعده محمَّدٌ ابنه يُدعى بالباقر، فإذا انقضت مدَّة محمَّدٍ قام بالأمر بعده ابنه جعفرٌ يُدعى بالصادق، فإذا انقضت مدَّة جعفرٍ قام بالأمر بعده ابنه موسى يُدعى بالكاظم، ثمَّ إذا انتهت مدَّة موسى قام بالأمر بعده ابنه عليٌّ يُدعى بالرضا، فإذا انقضت مدَّة عليٍّ قام بالأمر بعده محمَّدٌ ابنه يُدعي بالزكيّ، فإذا انقضت مدَّة محمَّدٍ قام بالأمر بعده عليٌّ ابنه يُدعى بالنقيّ، فإذا انقضت مدَّة عليٍّ قام بالأمر بعده الحسن ابنه يُدعى بالأمين، ثمَّ يغيب عنهم إمامهم. قال: يا رسول الله، هو الحسن يغيب عنهم؟ قال: لا، ولكن ابنه الحجَّة. قال: يا رسول الله، فما اسمه؟ قال: لا يسمَّى حتَّى يظهره الله. قال جندل: يا رسول الله، قد وجدنا ذكرهم في التوراة، وقد بشَّرنا موسى بن عمران بك وبالأوصياء بعدك من ذريَّتك» [كفاية الأثر ص119].

2ـ وما رواه (طاب ثراه) أيضاً بسنده إلى جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) للحسين بن عليٍّ (عليهما السلام): «يا حسين، يخرج من صُلبك تسعةٌ من الأئمَّة، منهم مهديّ هذه الأمَّة، فإذا اُستشهد أبوك فالحسن بعده، فإذا سُمَّ الحسن فأنت، فإذا اُستشهدت فعليٌّ ابنك، فإذا مضى عليٌّ فمحمَّدٌ ابنه، فإذا مضى محمَّدٌ فجعفرٌ ابنه، فإذا مضى جعفرٌ فموسى ابنه، فإذا مضى موسى فعليٌّ ابنه، فإذا مضى عليٌّ فمحمَّدٌ ابنه، فإذا مضى محمَّدٌ فعليٌّ ابنه، فإذا مضى عليٌّ فالحسن ابنه، ثمَّ الحجَّة بعد الحسن، يملأ الأرض قِسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً» [كفاية الأثر ص124].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى، كما لا يخفى على المطالِع.

القسم الثاني: النصوص الخاصَّة:

وهي ما رُوي من نصِّ جدِّه الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) أو أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه بالخصوص، نذكر جملةً منها:

1ـ ما رواه الكلينيّ (طاب ثراه) بسنده إلى سُليم بن قيسٍ قال: «شهدت وصيَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أوصى إلى ابنه الحسن (عليه السلام) وأشهد على وصيَّته الحسين (عليه السلام) ومحمَّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثمَّ دفع إليه الكتاب والسلاح وقال لابنه الحسن (عليه السلام): يا بنيّ، أمرني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنْ أوصي إليك وأنْ أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إليَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ودفع إلى كتبي وسلاحه، وأمرني أنْ آمرك إذا حضرك الموت أنْ تدفعها إلى أخيك الحسين (عليه السلام)» [الكافي ج1 ص297].

2ـ وما رواه (طاب ثراه) أيضاً بسنده إلى الأجلح، وسلمة بن كهيلٍ، وداود بن أبي يزيد، وزيد اليماميّ قالوا: حدَّثنا شهر بن حوشبٍ: «أنَّ علياً (عليه السلام) حين سار إلى الكوفة استودع أم سلمة كتبه والوصيَّة، فلمَّا رجع الحسن (عليه السلام) دفعتها إليه» [الكافي ج1 ص298].

3ـ وما رواه الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده إلى عبد الرحمن بن سمرة، قال: «قلت: يا رسول الله، أرشدني إلى النجاة. فقال: يا ابن سمرة، إذا اختلفت الأهواء، وتفرَّقت الآراء، فعليك بعليّ بن أبي طالبٍ، فإنَّه إمام أمتي، وخليفتي عليهم من بعدي... يا بن سمرة، إنَّ علياً منّي، روحه من روحي، وطينته من طينتي، وهو أخي وأنا أخوه، وهو زوج ابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين من الأوَّلين والآخرين، إنَّ منه إمامي أمتي، وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين» [الأمالي ص78، كمال الدين ج1 ص285].

4ـ وما رواه (طاب ثراه) أيضاً بسنده إلى سالمٍ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أوصى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى عليٍّ (عليه السلام) وحده، وأوصى عليٌّ إلى الحسن والحسين جميعاً» [علل الشرائع ج2 ص386].

5ـ وما رواه الشيخ الخزَّاز (طاب ثراه) بسنده إلى طارق بن شهابٍ قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) للحسن والحسين: أنتما إمامان بعدي، سيِّدا شباب أهل الجنة، والمعصومان، حفظكما الله ولعنة الله على من عاداكما» [كفاية الأثر ص221].

6ـ وما رواه قطب الدين الراونديّ (طاب ثراه) عن أبي الجارود، عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) قال: «جمع أمير المؤمنين (عليه السلام) بنيه ـ وهم اثنا عشر ذكراً ـ فقال لهم: إنَّ الله أحبَّ أنْ يجعل فيَّ سنَّةً من يعقوب إذْ جمع بنيه ـ وهم اثنا عشر ذكراً ـ فقال لهم: إنّي أوصي إلى يوسف، فاسمعوا له، وأطيعوا. وأنا أوصي إلى الحسن والحسين، فاسمعوا لهما وأطيعوا» [الخرائج والجرائح ج1 ص183].

7ـ وما رواه المحدِّث يوسف بن حاتمٍ الشاميّ عن الأصبغ بن نباتة قال: «دعا أمير المؤمنين (عليه السلام) الحسن والحسين (عليهما السلام) لما ضربه ابن ملجمٍ لعنه الله فقال لهما: إنّي مقبوضٌ في ليلتي هذه ولا حقٌ برسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فاسمعا قولي وعياه. أنت يا حسن وصيي والقائم بالأمر بعدي، وأنت يا حسين شريكه في الوصيَّة فأنصت ما نطق، وكن لأمره تابعاً ما بقي، فإذا خرج من الدنيا فأنت الناطق بعده والقائم بالأمر» [الدر النظيم ص٣٧٧، الصراط المستقيم ج2 ص194].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.

القسم الثالث: المعاجز والكرامات:

وهي النصوص التي تتضمَّن نقل (المعاجز والكرامات) التي صدرت من الإمام الحسن (عليه السلام) والتي تكشف عن كونه حُجَّةً لله تعالى وإماماً للخلق، نذكر بعضاً منها:

1ـ ما رواه شيخنا الصفَّار (طاب ثراه) بسنده إلى عبد الله الكناسيّ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «خرج الحسن بن عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) في بعض عمره ومعه رجلٌ من ولد الزبير ـ كان يقول بإمامته ـ قال: فنزلوا في منهلٍ من تلك المناهل، قال: نزلوا تحت نخلٍ يابسٍ فقد يبس من العطش، قال: ففرش الحسن تحت نخلةٍ وللزبيري بحذائه تحت نخلةٍ أخرى، قال: فقال الزبيريّ ورفع رأسه: لو كان في هذا النخل رطبٌ لأكلنا منه، قال: فقال له الحسن: وإنَّك لتشتهي الرطب؟ قال: نعم، فرفع الحسن (عليه السلام) يده إلى السماء فدعا بكلامٍ لم يفهمه الزبيريّ، فاخضرَّت النخلة ثمَّ صارت إلى حالها، وفارقت وحملت رطباً، قال: فقال له الجمَّال الذي اكتروا منه: سحرٌ والله، قال: فقال له الحسن: ويلك، ليس بسحرٍ ولكن دعوة ابن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) مجابةٌ، قال: فصعدوا إلى النخلة حتَّى يصرموا ممَّا كان فيها، فاكفاهم» [بصائر الدرجات ص276].

2ـ وما رواه (طاب ثراه) أيضاً بسنده إلى سماعة قال: «دخلتُ على أبي عبد الله (عليه السلام) وأنا أحدِّث نفسي فرآني فقال: مالك تحدِّث نفسك تشتهي أنْ ترى أبا جعفرٍ (عليه السلام)؟ قلت: نعم، قال: قم فادخل البيت، فإذا هو أبو جعفرٍ (عليه السلام) قال: أتى قومٌ من الشيعة الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) بعد قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) فسألوه، قال: تعرفون أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا رأيتموه؟ قالوا: نعم، قال: فارفعوا الستر، فرفعوه فإذا هم بأمير المؤمنين (عليه السلام) لا ينكرونه، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يموت من مات منّا وليس بميتٍ، ويبقى من بقي منّا حُجَّةً عليكم» [بصائر الدرجات ص295].

3ـ وما رواه شيخنا الطبريّ (طاب ثراه) بسنده إلى قبيصة بن إياسٍ، قال: «كنت مع الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) وهو صائمٌ، ونحن نسير معه إلى الشام، وليس معه زادٌ ولا ماءٌ ولا شيءٌ، إلَّا ما هو عليه راكبٌ. فلمَّا أنْ غاب الشفق وصلَّى العشاء، فُتِحت أبواب السماء، وعُلِّق فيها القناديل، ونزلت الملائكة ومعهم الموائد والفواكه وطسوتٌ وأباريق، فنصبت الموائد، ونحن سبعون رجلاً، فأكلنا من كلّ حارٍ وباردٍ حتَّى امتلأنا وامتلأ، ثمَّ رُفعت على هيئتها لم تنقص» [دلائل الإمامة ص167].

4ـ وما رواه (طاب ثراه) أيضاً بسنده إلى أبي أسامة زيد الشحَّام، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «خرج الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) إلى مكَّة سنةً من السنين حاجاً حافياً، فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك بعض هذا الورم الذي برجليك. قال: كلَّا، ولكن إذا أتيت المنزل فإنَّه يستقبلك أسود، معه دهنٌ لهذا الداء، فاشتره منه ولا تماكسه. فقال مولاه: بأبي أنت وأمي، ليس أمامنا منزلٌ فيه أحدٌ يبيع هذا الدواء! قال: بلى، إنَّه أمامك دون المنزل. فسار أميالاً فإذا الأسود قد استقبلهم، فقال الحسن لمولاه: دونك الرجل، فخذ منه الدهن واعطه ثمنه. فقال الأسود للمولى: ويحك يا غلام، لمن أردت هذا الدهن؟! قال: للحسن بن عليٍّ. فقال: انطلق بي إليه. فأخذه بيده حتَّى أدخله عليه، فقال: بأبي وأمي، لم أعلم أنَّك تحتاج إليه، ولا أنَّه دواءٌ لك، ولست آخذ له ثمناً إنَّما أنا مولاك، ولكن ادع الله أنْ يرزقني ذكراً سوياً يحبكم أهل البيت، فإنّي خلَّفتُ امرأتي وقد أخذها الطلق تمخض. قال: انطلِق إلى منزلك، فإنَّ الله (تبارك وتعالى) قد وهب لك ذكراً سوياً، وهو لنا شيعةٌ. فرجع الأسود من فوره، فإذا أهله قد وضعت غلاماً سوياً، فرجع إلى الحسن (عليه السلام) فأخبره بذلك، ودعا له، وقال له خيراً. ومسح الحسن (عليه السلام) رجليه بذلك الدهن، فما برح من مجلسه حتَّى سكن ما به ومشى على قدميه» [دلائل الإمامة ص172].

5ـ وما رواه (طاب ثراه) أيضاً بسنده إلى مورقٍ، عن جابرٍ، قال: «قلت للحسن بن عليٍّ (عليهما السلام): أحب أنْ تريني معجزةً نتحدَّث بها عنك، ونحن في مسجد رسول الله. فضرب برجله الأرض حتَّى أراني البحور وما يجري فيها من السفن، ثمَّ أخرج من سمكها فأعطانيه، فقلت لابني محمَّدٍ: احمل إلى المنزل، فحمل فأكلنا منه ثلاثاً» [دلائل الإمامة ص169].

6ـ وما رواه ابن حمزة الطوسيّ (طاب ثراه) بسنده إلى جابر بن يزيد الجعفيّ، عن أبي جعفرٍ (عليه السلام)، قال: «جاء أناسٌ إلى الحسن (عليه السلام) فقالوا له: أرنا من عجائب أبيك التي كان يُرينها. قال: أفتؤمنون بذلك؟ فقالوا كلّهم: نعم، نؤمن بالله تعالى. قال: فأحيا لهم ميتاً بإذن الله، فقالوا بأجمعهم، نشهد أنَّك ابن أمير المؤمنين (عليه السلام) حقاً، إنَّه كان يُرينا مثل هذا كثيراً» [الثاقب في المناقب ص305].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.

فتحصَّل من جميع ذلك، أنَّ الروايات الدالَّة على إمامة الإمام الحسن (عليه السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين.

والنتيجة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ هذه النصوص ـ وغيرها ـ من أوضح الدلائل على إمامة الإمام المجتبى (عليه السلام) .. والحمد لله ربِّ العالمين.