اعتقاد الشريف المرتضى في العصمة

السؤال: ما هو اعتقاد الشريف المرتضى (رض) بعصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين؟ هل يصحّ ما ينقل عنه أنّه جوّز النسيان عليهم عدا التبليغ عن الله تعالى؟ ففي [تنزيه الأنبياء ص121]: (وإذا حملناها على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيه أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله إنّما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤدّيه عن الله تعالى، أو في شرعه، أو في أمر يقتضي التنفير عنه . فأما فيما هو خارج عمّا ذكرناه فلا مانع من النسيان).

: الشيخ محمد مبيريك

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

قبل الشروع في الإجابة عن هذا التساؤل لا بدّ من بيان أنّ السؤال عن العصمة يُنظر فيه عادةً إلى أمورٍ أربعة: (الأول): العصمة من الذنوب. (الثاني): العصمة في التبليغ. (الثالث): العصمة في العبادة. (الرابع): العصمة في الأمور الدنيويّة.

والسائل يسأل أوّلاً عن معتقد الشريف المرتضى (رحمه الله) في العصمة، بالتالي هو سؤالٌ عن هذه الأمور الأربعة، ومن ثمّ يخصّص السؤال عن جزئيّةٍ في الأمر الرابع مع النظر إلى عبارة كتاب (تنزيه الأنبياء).

وللإجابة عن هذا التساؤل أجعل الكلام في مقامين:

المقام الأول: في ذكر كلام الشريف المرتضى (رحمه الله) في العصمة:

العلماء في مقام الاستدلال على المعارف العقائديّة يقومون بالاستدلال عليها تارةً ببيان الدليل العقليّ، وأخرى بالدليل الشرعيّ اليقينيّ، وثالثةً بكليهما. ومن هنا، فإنّ الشريف في بياناته المنثورة في كتبه ورسائله حول العصمة يبيّن الدليل العقليّ، فمثلاً:

1ـ في العصمة من الذنوب:

عقد الشريف في كتابه (الذخيرة في علم الكلام) فصلاً بعنوان: (أنّ الأنبياء (ع) لا يجوز شيءٌ من المعاصي قبل النبوّة ولا بعدها)، وقد جاء فيه: (عندنا أنّه لا يجوز على الأنبياء (ع) فعل قبيح في حال النبوة ولا فيما تقدّمها، ولا يجوز عليهم كبير الذنوب ولا صغيرها) [الذخيرة في علم الكلام ص337].

هذا أصل الاعتقاد، أمّا دليله فقد بيّنه بقوله: (والذي يدلّ على أنّ الكذب لا يجوز عليهم فيما يؤدّونه عن الله تعالى: هو العلم المعجز؛ لأنّه ادّعى الرسالة، وأنّه صادقٌ فيما يؤدّيه، فصدّق على هذه الدعوى بالمعجز، أُمِن بهذا التصديق كونه كاذباً فيما يؤدّيه؛ لأنّ تصديق الكذّاب لا يجوز عليه تعالى. فأمّا الكذب فيما لا يؤدّيه وباقي الذنوب: فالذي يؤمن من وقوعها أنّ تجويزه عليهم صارفٌ عن قبول أقوالهم ومنفّرٌ عنهم. ولا يجوز أن يبعث مَن يوجب علينا اتّباعه وتصديقه وهو على صفةٍ تنفّر عنهم، وقد جُنّب الأنبياء (ع) الفظاظة والغلظة والخلق‏ الشنيعة، وكثيراً من الأمراض مع حسن ذلك؛ لأجل التنفير، فأولى أن يُجنّبوا لذلك) [الذخيرة في علم الكلام ص337].

فالشريف المرتضى يبيّن أنّ العقل يمنع أن يكون النبيّ غير معصومٍ من الذنوب؛ ولذا، فإنّه لو ثبتت عقيدةٌ بدليلٍ عقليّ وجاء ما يظهر خلافه من النصوص الشرعيّة فإنّ النصّ يُؤوَّل باعتبار أنّ هذه الدلالة ليست يقينيّة، وهذا ما صرّح به في موضعٍ آخر بقوله: (اعلم أنّ الأدلّة العقليّة إذا كانت دالّة على أنّ الأنبياء (ع) لا يجوز أن يواقعوا شيئاً من الذنوب صغيراً وكبيراً، فالواجب القطع على ذلك، ولا يُرجع عنه بظواهر الكتاب؛ لأنّها إمّا أن تكون محتملةً مشتركةً، أو تكون ظاهراً خالصاً لِـمَا دلّت العقول على خلافه؛ لأنّها إذا كانت محتملةً حملناها على الوجه المطابق للحقّ الذي هو أحد محتملاتها، وإنْ كانت غير محتملةٍ عدلنا عن ظواهرها وقطعنا على أنّه تعالى أراد غير ما يقتضيه الظاهر ممّا يوافق الحق) [رسائل الشريف المرتضى ج1 ص122].

ومن أجل هذا تصدّى للمبطلين الذين يتعلّقون ببعض الآيات التي توهّموا فيها أنّها تجوّز المعاصي على الأنبياء (عليهم السلام)، وقد بيّنها في كتابه (تنزيه الأنبياء) [ينظر: الذخيرة في علم الكلام ص 340].

2ـ وأمّا العصمة في التبليغ:

فهو أوضح من أنْ يخفى، كما تقدّم، وأيضاً فإنّه قال: (لا يجوز عليه النسيان فيما يؤدّيه عن الله تعالى أو في شرعه) [تنزيه الأنبياء ص121].

3ـ وأمّا العصمة في العبادة:

فإنّ الشريف المرتضى (رحمه الله) ممّن يمنع القول بسهو النبيّ (ص).

نعم، قد يظهر من مسألتين في رسالته الموسومة بـ (الناصريات) أنّه يقول بسهو النبيّ (ص)، فقد ذكر الخبر المعروف بـ (خبر ذي اليدين)، والذي جاء فيه: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سها وقصّر الصلاة، إلّا أنّ الشريف المرتضى (رحمه الله) كان بصدد الحديث عن هذه المسألة وهي: (مَن تكلّم في صلاته ناسياً أو متعمّداً بطلت صلاته)‏، فذكر ما ذهب إليه القوم ودليلهم عليه، خصوصاً أنّه قال بعد ذلك: ( دليلنا على أنّ كلام الناسي لا يبطل الصلاة بعد الإجماع المتقدّم: ما روي عنه عليه السلام‏... )، فعرض روايتين، ثمّ بعد أن انتهى من ذلك قال: (و قد استدلّ الشافعيُّ بخبر ذي‏ اليدين‏...)، ثمّ صار يبيّن الخبر، وذكر بعض الأمور التي يمكن أن ترد على الخبر وهو لا يراها ترد وأجاب عنها، وذكر ما يلزم منه كذلك في المسألة التي بعدها، فكلُّ هذا قد يظهر بدواً أنّ الشريف المرتضى (رحمه الله) يجوّز السهو اعتماداً على خبر ذي اليدين.

ولكنْ، هذا غير مقبولٍ عليه (رضوان الله تعالى عليه)، وذلك لأمور:

أوّلاً: أنّ الأعلام الذين جاؤوا بعد الشريف المرتضى (رحمه الله) نصّوا بأنّه لم يخالف في مسألة السهو إلّا الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) وشيخه ابن الوليد. ومن تلك الكلمات: ما قاله الشهيد الأوّل: (وهو [أي خبر ذي اليدين] متروكٌ بين الإماميّة؛ لقيام الدليل العقليّ على عصمة النبيّ‌ (صلى الله عليه وآله) عن السهو، ولم يصر إلى ذلك غير ابن بابويه (رحمه الله)، ونقل عن شيخه محمّد بن الحسن بن الوليد أنّه قال: أوّل درجةٍ‌ من الغلوّ نفي السهو عن النبيّ‌ (صلى الله عليه وآله). وهذا حقيقٌ بالإعراض عنه؛ لأنّ‌ الأخبار معارضةٌ بمثلها، فيُرجع إلى قضيّة العقل. ولو صحّ‌ النقل وجب تأويله. على أنّ‌ إجماع الإماميّة في الأعصار السابقة على هذين الشيخين واللاحقة لهما على نفي سهو الأنبياء والأئمّة (عليهم الصلاة والسلام)) [موسوعة الشهيد الأول (الذكرى) ج7 ص390]

وثانياً: أنّ هذا الخبر يُعدّ من أخبار الآحاد، والشريف المرتضى (رحمه الله) لا يعمل بخبر الواحد، فبالتالي لا يصحّ العمل بهذا الخبر على رأيه كما هو معروفٌ عنه، وإلّا لزم أنْ يكون ممّن يعمل بالظنّ.

وثالثاً: أنّ الشريف المرتضى صرّح بعدم قبول الخبر، ونصّ على كذبه وخبثه، إذْ قال: (وأمّا خبر ذي‏ اليدين‏ فخبرٌ خبيثٌ باطلٌ مقطوعٌ على فساده؛ لأنّه يتضمّن أنّ ذا اليدين قال له (عليه السلام): «أقصّرت الصلاة يا رسول اللّه أم نسيت؟»، وأنّه قال (عليه السلام): «كلّ ذلك لم يكن»، وهذا كذبٌ لا محالة؛ لأنّ أحدهما قد كان على قولهم، والكذب بالعقول لا يجوز عليه، وكذلك السهو في الصلاة) [الذريعة إلى أصول الشريعة ج‏2 ص140].

ورابعاً: أنّ في تراث الشريف المرتضى (رحمه الله) رسالةً بعنوان (الرمليات)، وقد تضمّنت سبع مسائل، ومن ضمن مسائلها: (في عصمة الرسول عليه الصلاة والسلام من السهو).

4ـ وأمّا العصمة في الأمور الدنيويّة:

فإنّه ما كان موجباً للنفرة، إذْ إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يكون معصوماً منه، وقد قال الشريف: (ولا يجوز أن يبعث مَن يوجب علينا اتّباعه وتصديقه وهو على صفةٍ تنفر عنهم، وقد جُنّب الأنبياء (ع) الفظاظة والغلظة والخلق‏ الشنيعة وكثيراً من الأمراض مع حسن ذلك؛ لأجل التنفير، فأولى أن يُجنّبوا لذلك) [الذخيرة في علم الكلام ص338].

وقال أيضاً: (على أنّ مَن يجيز السهو على الأنبياء (ع) يجب أنْ لا يجيز ما تضمّنته هذه الرواية المنكرة؛ لِـما فيها من غاية التنفير عن النبيّ (ص)؛ لأن الله تعالى قد جنّب نبيّه (ص) من الأمور الخارجة عن باب المعاصي كالغلطة والفظاظة وقول الشعر وغير ذلك ممّا هو دون مدح الأصنام المعبودة دون الله تعالى) [تنزيه الأنبياء ص108].

إذن: فهذه الأمور الأربعة يرى الشريف المرتضى (رحمه الله) أنّ الأنبياء معصومون فيها.

المقام الثاني: مع عبارة الشريف المرتضى: (فأمّا فيما هو خارج عمّا ذكرناه فلا مانع من النسيان).

فحتّى يتّضح المراد من هذه العبارة التي ذكرها الشريف المرتضى في أحد الوجوه لقوله تعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيت﴾ [الكهف: 73]، فإنّه لا بدّ من بيان أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ الشريف المرتضى (رحمه الله) لَـمّا لجأ إلى بيان الوجوه المحتملة فيما يتعلّق بـ (النسيان) وتأويلها في الآية المباركة، فمعنى ذلك: أنّه لا يُلجأ إلى تأويل النصّ إلّا بعد أنْ يقوم الدليل العقليّ المانع من قبول النصّ بظاهره كما هو المقرّر. ومن هنا، فإنّ تصدّي الشريف المرتضى ذاته لبيان الوجوه يكشف أنّه قد تقرَّر سابقاً بأنّ نسبة النسيان على الأنبياء يمنع منها العقل، فمن أجل تنزيه النبيّ موسى (عليه السلام) فإنّه يذكر تأويلاتٍ مختلفةً للنصّ من أجل أن يرفع هذا المحذور.

الأمر الثاني: أنّ الشريف المرتضى (رحمه الله) ذكرَ وجهين، وجاء إلى الوجه الثالث – الذي هو محلّ الكلام – فقال فيه: (إذا حملنا هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقيّ فلا سؤال فيها)؛ باعتبار أنّ الإشكاليّة هي نسبة النسيان الحقيقيّ الذي نمنعه على النبيّ، فأمّا مع تأويلها وحملها على معنى آخر فلا كلام، ثمّ قال: (وإنْ حملناها على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيها...)، وهنا بدأ أوّلاً بذكر المحتملات العقليّة الممكنة بالنسبة إلى ما يصدر من النبيّ، وهو لا يخلو:

(1) إمّا أن يكون هذا ممّا يؤدّيه عن الله عزّ وجلّ.

(2) وإمّا أن يكون هذا ممّا يؤدّيه في شرع الله عزّ وجلّ.

(3) وإمّا أن يكون في أمرٍ يقتضي التنفير عنه‏.

(4) وإمّا أن يكون خارجاً عمّا ذكرناه، بشرط عدم الاستمرار.

فنلاحظ أنّ الشريف المرتضى (رحمه الله) من خلال بيان هذه المحتملات الممكنة يقول: إنّ العقل يمنع من الأمور الثلاثة الأُوَل في حقّ النبيّ، وأمّا الأمر الرابع فإنّ الدليل العقليّ غير قادرٍ على منعه في حقّ النبيّ، فهنا لا بُدّ من اللجوء إلى النصوص الثابتة التي تفيد العلم – لا خبر واحدٍ – حتّى يستطيع الحكم على أنّ النبيّ يجوز عليه النسيان في هذا القسم أو لا يجوز، وهذا لم يتعرّض له الشريف في المقام. فالقسم الرابع يبقى كمحتملٍ عقليٍّ.

وقد يُقال: إنّ الشريف طرح هذا المحتمل وهو يعلم أنّه لا مصداق له؛ لأنّه لو صدر مثل هذا من النبيّ فإنّه سيسري بما يرجع إلى الأقسام الثلاثة الأُوَل، أو يستوجب التنفير، فيكون ممنوعاً على كلّ حالٍ.

وهذا الأسلوب يستعمله الشريف المرتضى في كتابه التنزيه، حتّى أنّ بعض الأعلام علّق على منهج الشيخ في التنزيه، كسماحة المرجع الدينيّ الشيخ لطف الله الصافي الگلبيگانيّ (قدّس سرّه)، حيث قال: (إنّ الشريف المرتضى وأمثاله أوردوا هذا الكلام – محل الكلام هو نهضة الحسين (عليه السلام) - بنحو الاحتمال في كتابه «تنزيه الأنبياء»، حيث كان غرضه الوحيد من ذلك رفع الاعتراض الوارد. فالسيّد أراد إقناع أهل السنّة ومَن سار على نهجهم الفكريّ وأنس به بأيِّ نحوٍ من الأنحاء، والإدلاء بجوابٍ يمكنهم استساغةُ وجهة نظره) [النهضة الحسينية وعلم الإمام الحسين (ع) ص87].

والحمد لله رب العالمين