أهل بيت النبوة ص في يوم المباهلة يعتبرون حجج الله ام انهم ذو قربى فقط ؟

: سيد رعد

السلام عليكم ورحمة الله : إنَّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآلِه باهلَ وفدَ نجرانَ بأهلِ بيتِه عليهم السّلام, لأنّهم حججُ اللهِ تعالى على بريّتِه, ويدلُّ على ذلكَ بعضُ الرّواياتِ في هذا الصّددِ, وقد اخترنا منها ما أوردَه شيخُنا المُفيدُ (أعلى اللهُ تعالى مقامَه) في كتابِه (الإرشادِ) في الصّفحةِ (170) في هذهِ الرّوايةِ التي تُشيرُ إلى ذلكَ, والتي جاءَ فيها ما يلي: ولـمّا انتشرَ الإسلامُ بعدَ الفتحِ وما وليهُ منَ الغزواتِ المذكورةِ, وقويَ سُلطانُه ، وفدَ إلى النبيّ صلّى اللهُ عليه وآله الوفودُ ، فمنهُم مَن أسلمَ ومنهُم مَن استأمنَ ليعودَ إلى قومِه برأيه عليه السّلام فيهم . وكانَ في مَن وفدَ عليه أبو حارثةَ أسقفُ نجرانَ في ثلاثينَ رجُلاً منَ النّصارى ، منهُم العاقبُ والسّيّدُ وعبدُ المسيحِ ، فقدموا المدينةَ وقتَ صلاةِ العصرِ ، وعليهم لباسُ الدّيباجِ والصّلبِ ، فصارَ إليهم اليهودُ وتساءلوا بينَهم, فقالَتِ النّصارى لهُم : لستُم على شيءٍ ، وقالَت لهُم اليهودُ . لستُم على شيءٍ ، وفي ذلكَ أنزلَ اللهُ سُبحانَه : ( وقالَت اليهودُ ليسَت النّصارى على شئٍ وقالَت النّصارى ليسَت اليهودُ على شئٍ . . . ) ( 1 ) إلى آخرِ الآيةِ .فلمّا صلّى النّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وآله العصرَ توجّهوا إليهِ يقدمُهم الأسقفُ ، فقالَ لهُ : يا مُحمّدُ ، ما تقولُ في السّيّدِ المسيحِ ؟ فقالَ النّبيُّ عليه وآله السّلام : ( عبدٌ للهِ اصطفاهُ وانتجبَه). فقالَ الأسقفُ : أتعرفُ لهُ - يا محمّدُ - أباً ولدهُ ؟ فقالَ النّبيُّ عليهِ وآله السّلام . ( لم يكُن عَن نكاحٍ فيكونُ لهُ والدٌ ) قالَ : فكيفَ قلتَ إنَّهُ عبدٌ مخلوقٌ ، وأنتَ لَم ترَ عبداً مخلوقاً إلّا عَن نكاحٍ ولهُ والدٌ ؟ فأنزلَ اللهُ تعالى الآياتِ مِن سورةِ آلِ عمرانَ إلى قولِه : ( إنَّ مثَلَ عيسى عندَ اللهِ كمثَلِ آدمَ خلقَه من تُرابٍ ثمَّ قالَ لهُ كُن فيكون * الحقُّ مِن ربّكَ فلا تكُن منَ المُمترينَ * فمَن حاجّكَ فيهِ مِن بعدِ ما جاءكَ منَ العلمِ فقُل تعالوا ندعُ أبناءَنا وأبناءَكم ونساءَنا ونساءَكم وأنفسَنا وأنفسَكُم ثمَّ نبتهِلْ فنجعلْ لعنةَ اللهِ على الكاذبينَ ). فتلاها النّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وآله على النّصارى ، ودعاهُم إلى المُباهلةِ ، وقالَ : ( إنَّ اللهَ عزَّ اسمُه أخبرَني أنّ العذابَ ينزلُ على المُبطلِ عقيبَ المُباهلةِ ، ويبيّنُ الحقَّ منَ الباطلِ بذلكَ ), فاجتمعَ الأسقفُ معَ عبدِ المسيحِ والعاقبِ على المشورةِ ، فاتّفقَ رأيُهم على استنظارِه إلى صبيحةِ غدٍ مِن يومِهم ذلكَ . فلمّا رجعوا إلى رحالِهم قالَ لهُم الأسقفُ: أنظروا مُحمّداً في غدٍ ، فإنْ غدا بولدِه وأهلِه فاحذروا مُباهلتَه ، وإن غدا بأصحابِه فباهلوهُ فإنَّهُ على غيرِ شئٍ . فلمّا كانَ منَ الغدِ جاءَ النّبيّ عليهِ وآلهِ السّلام آخِذاً بيدِ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ بنِ أبي طالب والحسنُ والحُسينُ بينَ يديهِ يمشيانِ وفاطمةُ - صلواتُ اللهِ عليهم - تمشي خلفَه ، وخرجَ النّصارى يقدمُهم أسقفُهم . فلمّا رأى النّبيُّ صلّى اللهُ عليه وآله قَد أقبلَ بمَن معهُ ، سألَ عنهُم ، فقيلَ لهُ : هذا ابنُ عمِّه عليٌّ بنُ أبي طالبٍ, وهوَ صهرُه , وأبو ولدِه, وأحبُّ الخلقِ إليه ، وهذانِ الطّفلانِ ابنا بنتِه مِن عليٍّ, وهُما مِن أحبِّ الخلقِ إليهِ ، وهذهِ الجاريةُ بنتُه فاطمةُ أعزُّ النّاسِ عليهِ وأقربُهم إلى قلبِه . فنظرَ الأسقفُ إلى العاقبِ والسّيّدِ وعبدِ المسيحِ وقالَ لهُم : انظروا إليهِ قَد جاءَ بخاصّتِه مِن ولدِه وأهلِه ليُباهلَ بهم واثِقاً بحقّهِ ، واللهِ ما جاءَ بهِم وهوَ يتخوّفُ الحُجّةَ عليه ، فاحذروا مُباهلتَه ، واللهِ لولا مكانُ قيصرَ لأسلمتُ له ، ولكِن صالحوهُ على ما يتّفقُ بينَكُم وبينَه ، وارجعوا إلى بلادِكم وارتؤوا لأنفسِكُم ، فقالوا لهُ : رأيُنا لرأيكَ تبعٌ ، فقالَ الأسقفُ : يا أبا القاسمِ إنّا لا نُباهلُكَ ولكنّا نُصالحُكَ ، فصالحَنا على ما ننهضُ به .

فصالحَهُم النّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وآله على ألفيّ حلّةٍ مِن حللِ الأواقي قيمةُ كلِّ حلّةٍ أربعونَ درهماً جياداً ، فما زادَ أو نقصَ كانَ بحسابِ ذلكَ ، وكتبَ لهُم النّبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآله كتاباً بما صالحَهُم عليهِ ، وكانَ الكتابُ : بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ هذا كتابٌ مِن عندِ مُحمّدٍ النّبيّ رسولِ اللهِ لنجرانَ وحاشيتِها ، في كلِّ صفراءَ وبيضاءَ وثمرةٍ ورقيقٍ ، لا يؤخذُ منهُ شيئٌ منهُم غيرُ ألفي حلّةٍ مِن حُللِ الأواقيّ ثمنُ كلِّ حلّةٍ أربعونَ درهماً ، فما زادَ أو نقصَ فعلى حسابِ ذلكَ ، يؤدّونَ ألفا منها في صفرَ ، وألفاً منها في رجبَ ، وعليهم أربعونَ ديناراً مثواةَ رسولي مـمّا فوقَ ذلكَ ، وعليهم في كلِّ حدثٍ يكونُ باليمنِ مِن كلِّ ذي عدنٍ عاريةٌ مضمونةٌ ثلاثونَ درعاً وثلاثونَ فرساً وثلاثونَ جملاً عاريةٌ مضمونة ، لهُم بذلكَ جوارُ اللهِ وذمّةُ مُحمّدٍ بنِ عبدِ اللهِ ، فمَن أكلَ الرّبا منهُم بعدَ عامِهم هذا, فذمّتي منهُ بريئةٌ . وأخذَ القومُ الكتابَ وانصرفوا . قالَ الشّيخُ المُفيدُ (قدّس): وفي قصّةِ أهلِ نجرانَ بيانٌ عَن فضلِ أميرِ المؤمنينَ عليهِ السّلام معَ ما فيهِ منَ الآيةِ للنّبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ والمعجزُ الدّالُّ على نبوّتِه . ألا ترى إلى إعترافِ النّصارى لهُ بالنّبوّةِ ، وقطعِه عليه السّلام على امتناعِهم منَ المُباهلةِ، وعلمِهم بأنّهُم لو باهلوهُ لحلَّ بهم العذابُ ، وثقتُه عليهِ وآله السّلام بالظّفرِ بهم والفلجِ بالحُجّةِ عليهم وأنَّ اللهَ تعالى حكمَ في آيةِ المُباهلةِ لأميرِ المؤمنينَ عليه السّلام بأنّهُ نفسُ رسولِ اللهِ صلىّ اللهُ عليهِ وآله ، كاشفاً بذلكَ عَن بلوغِه نهايةَ

الفضلِ ، ومساواتِه للنّبيّ عليهِ وآلهِ السّلام في الكمالِ والعصمةِ منَ الآثامِ ، وأنّ اللهَ جلّ ذكرُه جعلَه وزوجتَه وولديهِ - معَ تقاربِ سنِّهما – حجّةً لنبيّهِ عليه وآله السّلام وبُرهاناً على دينِه ، ونصَّ على الحُكمِ بأنَّ الحسنَ والحسينَ أبناؤه ، وأنَّ فاطمةَ عليها السّلام نساؤه المُتوجَّه إليهم الذّكرُ والخطابُ في الدّعاءِ إلى المُباهلةِ والإحتجاجِ ، وهذا فضلٌ لم يشرَكهُم فيهِ أحدٌ منَ الأمّةِ ، ولا قاربَهُم فيهِ ولا ماثلَهُم في معناهُ. ودُمتم سالِمين.