لماذا ركّزَ القرآنُ الكريم على السّمع والبصرِ والفؤادِ في كثيرٍ منَ الآياتِ، ولم يذكُر العقل؟  

: سيد رعد

السلامُ عليكم ورحمة الله، 

نعتقد أنّ السائل كان مشتبهاً جدّاً حين قال: إنّ القرآن الكريم لم يذكر العقل!!، إذ نظرةٌ عجلى في كتابِ اللهِ العزيز يتبيّنُ أنّ الآياتِ التي تخاطبُ العقلَ قد بلغَت حدّ التواتر، فعلى سبيلِ المثال: هناكَ منَ الآياتِ ما جاءَت بعبارةِ (لعلّكُم تعقلون)، إذ وردَت في ثمانيةِ مواضع، وهيَ قوله تعالى: {فَقُلنَا اضرِبُوهُ بِبَعضِهَا كَذَلِكَ يُحيِي اللَّهُ المَوتَى وَيُرِيكُم آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ} [البقرةُ : 73]، وانظُر بقيّةَ المواضعِ على حسبِ ورودِها في القرآن، [البقرةُ: 242]، [الأنعامُ: 151]، [يوسف: 2]، [النورُ: 61]، [غافر: 67]، [الزخرف: 3:]، [[الحديد: 17].  

وأمّا الآياتُ التي وردَت بعبارةِ (أفلا تعقلون)، فقد جاءَت في ثلاثةَ عشرَ موضعاً، وهيَ قوله تعالى: {أَتَأمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنسَونَ أَنفُسَكُم وَأَنتُم تَتلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا تَعقِلُونَ} [البقرةُ : 44]، وانظُر بقيّةَ المواضعِ على حسبِ ورودِها في القرآن، في [البقرةِ: 76]، [آلِ عمران: 65]، [الأنعامِ: 32]، [الأعرافِ: 169]، [يونس: 16]، [هود: 51]، [يوسف: 109]، [الأنبياءِ: 10]، [الأنبياء: 67]، [المؤمنونَ: 80]، [القصصِ: 60]، [الصافّات: 138].  

ثُمَّ إنّ القرآنَ العظيمَ لم يكتفِ ببيانِ فضلِ العقلِ والتفكّرِ إيجاباً، وإنّما بيّنَ هذا الفضلَ مِن خلالِ ذمِّ حالِ الذينَ يُعطّلونَ ملكاتِهم العقليّة، ولا يتدبّرونَ ولا يتفكّرونَ، كما في قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا نَادَيتُم إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لَا يَعقِلُونَ ﴾ [المائدة: 58]، إذ لو عقلَ هؤلاءِ الذينَ اتّخذوا الصلاةَ هزواً ولعباً لما فعلوا ذلك. ولأدركوا فضلَها وسارعوا إلى إقامتِها. ولكنّهم قومٌ لا يعقلون، وكفى بهِ ذمّاً وتوبيخاً.  

وكذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُم جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَو مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأسُهُم بَينَهُم شَدِيدٌ تَحسَبُهُم جَمِيعًا وَقُلُوبُهُم شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لَا يَعقِلُونَ ﴾ [الحشر: 14]، وصفَ اللهُ عزَّ وجلَّ حالَ اليهودِ الذينَ حاربوا الدعوةَ الإسلاميّةَ بالجُبنِ، والقتالِ فيما بينهم، وتفرّقِ قلوبِهم لتعاديهم، وذلكَ لأنّهم غيرُ عقلاء، إذ إنّ هذهِ الصفاتَ المذمومةَ لا يتّصفُ بها إلّا الجاهلونَ، وهذه الأفعالُ القبيحةُ لا تصدرُ إلا عن الحمقى.  

وفي مواردَ أخرى منَ القرآنِ فإنّ اللهَ سُبحانه وتعالى بيّنَ أنّ أولي العقولِ وحدَهم المؤهَّلونَ لإدراكِ الحقِّ وللتذكّر، وقد سمّاهُم المولى عزّ وجلّ بأولي الألباب، وخصّهم بأجلِّ العلومِ وأنفعِها فقالَ ﴿ يُؤتِي الحِكمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلبَابِ ﴾ [البقرة: 269][7]، فدلّت الآيةُ على عظمِ قدرِ الحكمة، وعلى أنّ الذينَ خصّهم اللهُ بنورِها هُم أصحابُ العقول. وقالَ تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ * الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آلُ عمران: 190، 191][8] فختمَ تعالى هذهِ السورةَ بالأمرِ بالنظرِ والاستدلالِ في آياتِه، إذ لا تصدرُ إلّا عن حيٍّ قيومٍ قديرٍ قدّوسٍ سلامٍ غنيٍّ عن العالمين، حتّى يكونَ إيمانُهم مُستنداً إلى اليقينِ لا إلى التقليد. ﴿ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ ﴾ الذينَ يستعملونَ عقولَهم في تأمّلِ الدلائلِ. وكذلكَ قوله عزَّ وجل: ﴿ لَقَد كَانَ فِي قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولِي الأَلبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفتَرَى وَلَكِن تَصدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصِيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111]، ففي هذهِ الآيةِ الكريمة، إعلامٌ بأنَّ في قصصِ الأنبياءِ التي ذكرَ اللهُ في القرآنِ عبرةً وموعظةً ودروساً ينتفعُ بها أولو العقولِ النيّرة، ويستدلّونَ بها على صدقِ الرسولِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) في ما بلّغَ عن ربِّه من رسالات.

وقولُ اللهِ تعالى: ﴿ أَفَمَن يَعلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هُوَ أَعمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلبَابِ ﴾ [الرعدُ: 19]، ففيهِ تنصيصٌ على أنَّ الذينَ يتذكّرون، إنّما هُم أولو الألباب، و"إنّما" - كما هوَ معلومٌ - أداةُ حصرٍ، فأصحابُ العقلِ وحدُهم يعلمونَ أنَّ الذي يعلَمُ الحقَّ ليسَ كمَن هوَ أعمى لا يُبصر - ثمَّ ذكرَ اللهُ صفاتٍ أخرى لأولي الألبابِ الذينَ لا يعطّلونَ عقولهم عن التفكّرِ والتدبّر، وهيَ الوفاءُ بالعهد، وعدمُ نقضِ الميثاقِ، ووصلُ ما أمرَ اللهُ بهِ أن يُوصل، والخشيةُ والخوفُ، والصبرُ احتساباً وإخلاصاً، وإقامةُ الصلاةِ، والإنفاقُ سرّاً وعلانيةً والدفعُ بالتي هيَ أحسن، ثمَّ ذكرَ جزاءهم يومَ القيامة: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابتِغَاءَ وَجهِ رَبِّهِم وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقنَاهُم سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُم عُقبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدنٍ يَدخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِن آبَائِهِم وَأَزوَاجِهِم وَذُرِّيَّاتِهِم وَالمَلَائِكَةُ يَدخُلُونَ عَلَيهِم مِن كُلِّ بَابٍ ﴾ [الرعدُ: 22، 23]، وغيرها منَ الآياتِ. هذا فضلاً عن مواردَ أخرى كانَ يُعبّرُ فيها عن أصحابِ العقولِ بأولي النهى، كما في قوله سبحانه: ﴿ أَفَلَم يَهدِ لَهُم كَم أَهلَكنَا قَبلَهُم مِنَ القُرُونِ يَمشُونَ فِي مَسَاكِنِهِم إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴾ [طه: 128]، وأولو النّهى هُم أولو العقولِ التي تنهاهُم عن القبائحِ، وهُم الذينَ يستفيدونَ مِن عبرِ التاريخِ ودروسِ القصصِ القرآني. ودمتُم سالِمين.