هل كان أبو سهل النوبختيّ جاهلاً بإمامة الإمام المهدي؟

السؤال: ذكر البعض بأنَّ أبا سهلٍ النوبختيّ كان منكراً لإمامة الإمام المهدي (عليه السلام)؛ لأنَّه في كلامه المنقول عنه لم يستدل بحديث الاثني عشر الدالّ على أسماء الأئمَّة عند الشيعة، كما أنَّه لم يذكر أحاديث من رأى الإمام المهدي، بل اكتفى بالحجَّة الأضعف وترك الحجَّة الأقوى، مما يدلُّ على إنكاره أو جهله بإمامة الإمام المهدي؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الملاحَظ في هذا السؤال أنه تضمَّن ثلاث نقاطٍ أساسيةً أوهمت السائل بأنّ النوبختيّ ينكر إمامة الإمام المهدي (عليه السلام)؛ ولذا سنناقش هذه النقاط في جملة أمور، فنقول ومن الله تعالى التوفيق.

الأمر الأوَّل: ما الدليل على أنَّ أبا سهل النوبختيّ لم يذكر حديث الاثني عشر في مجموع كلماته؟ فإنَّ كلامه الذي وصلنا لا يمثِّل جميع ما قاله، وبالتالي من المحتمل أنَّه قد أشار إلى هذا الحديث في أجزاءٍ من كلامه الذي لم يصل إلينا، ولو سلَّمنا بأنَّه لم يذكر حديث الاثني عشر في جميع ما نُقل عنه، فإنَّ عدم الذكر لا يُعد دليلاً على الإنكار، إذْ لا تلازم بين عدم الذكر والإنكار. وعليه، فإنَّ عدم ذكره للحديث لا يعني بالضرورة رفضه له، وهذا من الأمور الواضحة جدَّاً.

الأمر الثاني: إنَّ عدم ذكره الأحاديث التي تروي رؤية الإمام (عليه السلام) لا يُعد دليلاً على الإنكار، إذْ لا تلازم بين الأمرين كما قلنا آنفاً، فكيف يُستدلُّ بسكوته على النفي؟ بل قد ثبت في الروايات أنَّ أبا سهل قد رأى صاحب الزمان (عليه السلام) بعينه في الساعات الأخيرة من حياة الإمام العسكريّ (عليه السلام)، فهل يُعقل أنْ يكون عدم ذكره لتلك الرؤية دليلاً على إنكاره لما عاينه بنفسه؟!

روى الطوسيّ (طاب ثراه) بسنده عن أبي سليمان داد بن غسَّان البحراني، وفيه: (قال إسماعيل بن علي النوبختيّ: دخلت على أبي محمَّد الحسن بن علي (عليهما السلام) في المرضة التي مات فيها وأنا عنده ... إلى قوله: قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلتُ أتحرَّى فإذا أنا بصبيٍّ ساجدٍ رافع سبابته نحو السماء، فسلَّمت عليه فأوجز في صلاته فقلتُ: إنَّ سيدي يأمرك بالخروج إليه، إذا جاءت أمه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن (عليه السلام). قال أبو سهل: فلما مثل الصبي بين يديه سلَّم وإذا هو دريُّ اللون، وفي شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان، فلما رآه الحسن (عليه السلام) بكى وقال: يا سيد أهل بيته، اسقني الماء، فإنّي ذاهبٌ إلى ربي ... إلى قوله: فقال له أبو محمَّد (عليه السلام): ابشر يا بني، فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيي وأنا ولدتك، وأنت محمَّد بن الحسن بن علي بن محمَّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)) [الغيبة ص271].

ويؤيِّد هذا ـ أيضاً ـ ما ذكره الشيخ عبَّاس القمِّي في ترجمة أبي سهل النوبختيّ من رؤيته لصاحب الزمان (عليه السلام) حيث قال: (رأى مولانا الحجة (عليه السلام) عند وفاة أبيه الحسن بن علي) [الكنى والألقاب ج1 ص94].

الأمر الثالث: بعد أنْ تبيَّن انتفاء الملازمة بين الإخبار بذلك والإنكار فلا يصح الادعاء بأنه ترك الحجَّة الأقوى ومال إلى الحجَّة الأضعف، إذْ أنَّ هذا القول مبنيٌّ على وجود الملازمة، ومع عدم تحققها يبطل هذا الادعاء أساساً.

الأمر الرابع: من يتتبع سيرة أبي سهل النوبختيّ يلاحظ بوضوح إيمانه بإمامة صاحب الزمان (عليه السلام) ويتجلَّى ذلك من خلال الأدلَّة الآتية:

الدليل الأوَّل: إنَّ الوارد في كلام أبي سهل الذي نقله الشيخ الصدوق عنه أنه يُشير بشكلٍ واضحٍ إلى اعتقاده بإمامة الإمام الحجَّة وغيبته بإذن الله تعالى، منها:

1ـ قوله: (وقد ذكر بعض الشيعة ممن كان في خدمة الحسن بن علي (عليهما السلام) وأحد ثقاته أنَّ السبب بينه وبين ابن الحسن بن علي (عليهما السلام) متصلٌ، وكان يخرج من كتبه وأمره ونهيه على يده إلى شيعته إلى أنْ توفِّي وأوصى إلى رجل من الشيعة مستور فقام مقامه في هذا الأمر) [كمال الدين ص ٨٨ـ٩٤].

2ـ وقوله: (وعلمنا بالأخبار المتواترة عن الأئمَّة الصادقين (عليهم السلام) أنَّ الإمامة لا تكون بعد كونها في الحسن والحسين إلَّا في ولد الإمام ... إلى قوله: فلما صحَّت إمامة الحسن (عليه السلام) وصحَّت وفاته ثبت أنه قد خلف من ولده إماماً) [كمال الدين ص ٨٨ـ٩٤].

3ـ وقوله: (إنَّ الحسن (عليه السلام) خلَّف جماعة من ثقاته ممن يروي عنه الحلال والحرام ويؤدِّي كتب شيعته وأموالهم ويخرجون الجوابات وكانوا بموضع من الستر والعدالة بتعديله إياهم في حياته، فلما مضى أجمعوا جميعاً على أنه قد خلَّف ولداً هو الإمام وأمروا الناس أنْ لا يسألوا عن اسمه وأنْ يستروا ذلك من أعدائه، وطلبه السلطان أشد طلب ووكَّل بالدور والحبالى من جواري الحسن (عليه السلام)، ثمَّ كانت كتب ابنه الخلف بعده تخرج إلى الشيعة بالأمر والنهي على أيدي رجال أبيه الثقات أكثر من عشرين سنة) [كمال الدين ص ٨٨ـ٩٤].

4ـ وقوله: (فالتصديق بالأخبار يوجب اعتقاد إمامة ابن الحسن (عليه السلام) على ما شرحت، وأنه قد غاب كما جاءت الأخبار في الغيبة، فإنها جاءت مشهورة متواترة، وكانت الشيعة تتوقعها وتترجاها، كما ترجون بعد هذا من قيام القائم (عليه السلام) بالحق وإظهار العدل) [كمال الدين ص ٨٨ـ٩٤]. وغيرها من كلماته الدالَّة على ما قلناه.

الدليل الثاني: ما ذكره الشيخ الطوسيّ في شأن السفير الثالث يشير بشكلٍ واضحٍ إلى أنه كان معتقداً بإمامة الإمام وغيبته، وإلَّا فكيف يعتقد بسفارة السفراء وهو يجهل أو ينكر صاحب الزمان؟!

قال (طاب ثراه): (قال ابن نوح: وسمعت جماعة من أصحابنا بمصر يذكرون أنَّ أبا سهل النوبختيّ سئل فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقي الخصوم وأناظرهم، ولو علمتُ بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجَّة على مكانه لعلِّي كنت أدلُّ على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجَّة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه) [الغيبة ص391].

الدليل الثالث: ما رواه الشيخ الطوسيّ من أنه كان يعتقد بولادته، وأنه ابن الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام).

روى (طاب ثراه) بسنده عن أبي سليمان داد بن غسَّان البحرانيّ قال: (قرأت على أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختيّ قال: مولد محمَّد بن الحسن بن علي بن محمَّد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق بن محمَّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم أجمعين). ولد (عليه السلام) بسامراء سنة ست وخمسين ومائتين، أمه صقيل، ويكنى أبا القاسم، بهذه الكنية أوصى النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنه قال: اسمه كاسمي وكنيته كنيتي، لقبه المهدي، وهو الحجَّة، وهو المنتظر، وهو صاحب الزمان (عليه السلام)) [الغيبة ص271].

مضافاً لما تقدَّم من رؤيته له في أواخر حياة الإمام العسكريّ (عليه السلام).

جلالة أبي سهل النوبختيّ:

لا يخفى أنَّ جميع من ترجم لابي سهل النوبختيّ قد أثنوا على جلالته ووثاقته وعلو مكانته، من غير أنْ يوردوا أدنى إشارة إلى شكِّه أو جهله بأمر الإمامة، وإلَّا لكان المدح والثناء عليه بلا معنى إذا كان يجهل إمام زمانه.

وعليه، فإنَّ ثناء العلماء عليه ورفعهم من شأنه من دون أي طعن أو قدح يُعدُّ دليلاً واضحاً على سلامة عقيدته، ومن جملتها إيمانه بإمامة صاحب الزمان (عليه السلام).

فقد كان شيخ المتكلِّمين من أصحابنا ببغداد ووجههم، ومتقدِّم النوبختيّين في زمانه، وكانت له جلالة في الدنيا والدين ويجري مجرى الوزراء في جلالة الكتاب، بل كان له من الجلالة ما كان يُترقب فيه أنْ يكون سفيراً [يُنظر: فهرست الطوسيّ ص٤٩، رجال النجاشيّ ص٣١، مُعجم رجال الحديث ج4 ص ٧١].

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ دعوى جهالة أبي سهل النوبختيّ بإمامة الإمام المهدي (عليه السلام) مخالفةٌ للأدلَّة الواضحة، كما بينا .. والحمد لله ربِّ العالمين.