مؤمن آل ياسين

هل من الممكن ان تعطونا نبذة تعريفية بمؤمن آل يس المذكور في الروايات، واسمه حبيب النجار؟

: السيد عبدالهادي العلوي

 الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنّ مؤمن آل ياسين هو حبيب بن مري النجّار. وقيل: هو حبيب بن إسرائيل، وقيل: كان قصّاراً، وقيل: كان إسكافاً.

كان في زمن الفترة في أمّة النبي عيسى (عليه السلام)، يعيش في أطراف مدينة أنطاكية، منعزلاً عن الناس، يتعبّد الله تعالى في غار، فلمّا سمع بالرسل الذين جاؤوا للمدينة نصح قومه بالإيمان بالله ورسله، وهو المقصود بقوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ..}[سورة يس: 20-29]، فنصح القوم بالإيمان بالله الواحد، واتّباع الرسل، فقتلوه، فأنزل الله العذاب، وهو قوله: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}.

وفي وسط مدينة أنطاكية مسجد قديم يعود تاريخ بنائه لأوائل الهجرة، يُعرف بـ(مسجد حبيب النجّار)، قيل: قبره فيه، وقال الحمويّ: (وبأنطاكية قبر حبيب النجّار، يُقصَد من المواضع البعيدة، وقبره يُزار) [معجم البلدان ج1 ص269].

وهو أحد السابقين إلى الإيمان، ممّن لم يكفروا بالله طرفة عين، رُوي عن جابر الأنصاريّ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « سبّاق الأمم ثلاثة، لم يكفروا بالوحي طرفة عين: مؤمن آل ياسين، وعليّ بن أبي طالب – عليه السلام –، وآسية امرأة فرعون » [الخصال ص174، تاريخ بغداد ج14 ص160، تاريخ دمشق ج42 ص313، وغيرها].

وروي عن أبي ليلى الأنصاريّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: « إن سبّاق هذه الأمم ثلاثة، لم يكفروا بالله طرفة عين: عليّ بن أبي طالب ، وصاحب ياسين، ومؤمن آل فرعون، فهم الصديقون، وعليّ أفضلهم » [تفسير الثعلبي ج22 ص269، نهج الإيمان ص515، وغيرها].

وهو مصداق للثلّة من الأوّلين في الآية: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} [سورة الواقعة: 10-14].

رُوي عن محمّد بن فرات، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: سألته عن قول الله تعالى: {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}، قال: « {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ}: ابن آدم المقتول، ومؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار صاحب ياسين، {وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ‹ صفحة 466 - عليه السلام - » [تفسير الفرات ص465، تأويل الآيات ج2 ص2، روضة الواعظين ص105].

وهو أحد الصدّيقين الثلاثة في حديث الصدّيقين المعروف.

روى علماء الفريقين بأسانيدهم عن أبي ليلى الأنصاريّ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « الصدّيقون ثلاثة: حبيب بن مري النجّار مؤمن آل ياسين، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعليّ بن أبي طالب، وهو أفضلهم » [الأمالي ص563، الخصال ص184، ألقاب النبي وعترته ص32، التعجب ص99، الأربعون حديثاً ص50، فضائل الصحابة ج2 ص627، مناقب ابن المغازلي ص293، الفردوس بمأثور الخطاب ج2 ص421، أمالي الشجري ج1 ص139، تاريخ دمشق ج42 ص43، شواهد التنزيل ج2 ص306،

ورواه البخاريّ عن عبد الله بن العباس [ينظر الدر المنثور ج5 ص262]، ورواه فرات الكوفي عن أبي أيّوب الأنصاريّ [تفسير فرات ص354].

قال المناويّ في شرح الحديث: (قال القاضي: الصدّيقون الذين صعدت نفوسهم تارةً بمراقي النظر في الحجج والآيات، وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان حتّى اطّلعوا على الأشياء، وأخبروا عنها على ما هي عليه) [فيض القدير ج4 ص313]

كانت له مرتبة سامية من العلم والمعرفة والإيمان، حتّى إنّه آمن بالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأوصيائه المعصومين (عليهم السلام) قبل بعثة النبيّ الأكرم بعدّة قرون، كما هو حال سلمان الفارسيّ وقس بن ساعدة وغيرهم.

ذكر جملة من المفسّرين: أنّه آمن بالنبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل ولادته، وذلك أنّه سمع نعته من الكتب والعلماء، قال إسماعيل حقي: (وقد قالوا: إنّه ممّن آمن برسول الله - صلى الله عليه [وآله] وسلم - وبينهما ستمائة سنة. وكان سبب إيمانه به أنّه كان من العلماء بكتاب الله، ورأى فيه نعته، ووقت بعثته، فآمن به) [ينظر روح البيان ج7 ص383، تفسير النيسابوري ج5 ص529، تفسير الآلوسي ج22 ص225، وغيرها].

وقال الشيخ الطبرسيّ – في تفسير قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ..} –: (اختُلف في هؤلاء المؤمنين مَن هم، فقال قوم: هم الذين آمنوا بعيسى، ثمّ لم يتهوّدوا، ولم يتنصّروا، ولم يصبأوا، وانتظروا خروج محمّد - صلى الله عليه وآله وسلم –. وقيل: هم طلّاب الدين منهم: حبيب النجّار، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء الشني، وأبو ذر الغفاريّ، وسلمان الفارسيّ، وبحير الراهب، ووفد النجاشيّ، آمنوا بالنبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم – قبل مبعثه، فمنهم مَن أدركه وتابعه، ومنهم مَن لم يدركه...) [مجمع البيان ج1 ص243].

وجاء توصيفه في الحديث بـ: « شيعتنا الخلّص » في مصافّ سلمان وأبي ذر والمقداد وغيرهم.

ففي [تفسير الإمام العسكري ص315]: « دخل رجلٌ على محمّد بن عليّ بن موسى الرضا – عليه السلام -... فقال الرجل: .. وأنا من شيعتكم الخلّص، قال – عليه السلام -: .. ويحك، أتدري مَن شيعتنا الخلّص؟ قال: لا، قال: شيعتنا الخلّص حزقيل المؤمن – مؤمن آل فرعون –، وصاحب ياسين – الذي قال الله تعالى فيه: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} –، وسلمان، وأبو ذرّ، والمقداد، وعمّار، أسوّيت نفسك بهؤلاء؟ أما آذيتَ بهذا الملائكة وآذيتنا؟! فقال الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه، فكيف أقول؟ قال: قل: أنا من مواليكم، ومحبّيكم، ومعادي أعدائكم، وموالي أوليائكم، فقال: كذلك أقول.. ».

وبهذا يظهر أنّ ما نقله بعض المخالفين - من أنّه كان يعبد الأصنام، فآمن على يد الرسل الذين دخلوا المدينة - فممّا لا ينسجم مع النصوص المتقدّمة الواضحة الدالّة على علوّ مقامه ورفعة شأنه، فإنّ مثل قوله (صلى الله عليه وآله): أنّه ممّن « لم يكفروا بالله طرفة عين » واضح في عدم كفره، وقد تنبّهوا لهذا التعارض، فحاولوا توجيه ذلك، وذكر بعضهم: بأنّه كان موحّداً، وكان يخفي إيمانه، فلمّا جاءت الرسل إلى المدينة وسمع بهم أظهر إيمانه وتوحيده.

والحمد لله رب العالمين