معنى: (هو منَّا أهل البيت)

السؤال: روي عن المعصوم: «الفضيل بن يسار هو منَّا أهل البيت»، فكيف تخرجون زوجاته وبناته وغيرهم، وتدخلون رواة الكوفة أصحاب الأئمَّة الروافض في مصطلح أهل البيت؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

بدايةً ينبغي أنْ يُعلم بأنَّ عبارة: «منَّا أهل البيت» قد وردت في عدَّة أشخاص، ولا يختصّ بالفضيل بن يسار (رضوان الله عليه)، بل يشمل غيره أيضاً. ويُستفاد من الروايات الشريفة أنَّ المقصود من هذا الوصف هو الجهة المعنويَّة، أي تحلِّي الشخص ببعض الصفات فعلاً، وبذلك يدخل فيه مَن اتصف بتلك الصفات ـ ابتداءً وبقاءً ـ ولو كان بعيد النسب، كما يخرج عنه مَن خلا منها وإنْ كان قريب النسب.

إذا بان هذا فلنعقد الكلام في ذكر مقامين:

المقام الأوَّل: في ذكر الروايات الواردة في وصفِ جمعٍٍ من الأشخاص بأنهم «منا أهل البيت»، نذكر طرفاً منها:

1ـ روى عاصم بن حميد الحنَّاط (طاب ثراه) عن أبي بصير قال: سمعتُ أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «ما زال الزبير منَّا أهل البيت حتَّى نشأ ابنه عبد الله بن الزبير، ولقد حلق رأسه وهو يقول: لا نبايع إلَّا علياً» [الأصول الستة عشر ص23]. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «مازال الزبير رجلاً منَّا أهل البيت حتَّى نشأ ابنه المشؤوم عبد الله» [نهج البلاغة ص555].

2ـ وروى أحمد الأشعريُّ (طاب ثراه) عن الصادق (عليه السلام) أنه قال ليونس بن يعقوب: «اذهب يا يونس، فإنَّ بالباب رجلٌ منا أهل البيت، قال: فجئتُ إلى الباب، فإذا عيسى بن عبد الله القمِّيّ جالس - إلى أنْ قال (عليه السلام) - يا يونس، عيسى بن عبد الله هو منا حيٌّ، وهو منا ميتٌّ». وروي أنه (عليه السلام) قال له: «يا عيسى بن عبد الله، إنك منا أهل البيت» [النوادر ص5].

3ـ وروى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بالإسناد عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه قال: «قال النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله): سلمان منَّا أهل البيت» [عيون أخبار الرضا ج2 ص70].

4ـ وروى الكشيّ (طاب ثراه) بالإسناد عن يونس بن يعقوب، قال: «ذكر لي أبو عبد الله (عليه السلام) ـ أو أبو الحسن ـ شيئاً أسترُّ به، قال: فقال لي: لا والله ما أنت عندنا متَّهم، إنما أنت رجلٌ منَّا أهل البيت، فجعلك الله مع رسوله وأهل بيته، والله فاعل ذلك إنْ شاء الله» [اختيار معرفة الرجال ج2 ص685].

5ـ وروى الطوسيّ (طاب ثراه) بسنده عن أبي الأسود الدؤليّ، قال: «قدمتُ الربذة، فدخلتُ على أبي ذر جندب بن جنادة، فحدَّثني أبو ذر، قال: دخلتُ ذات يومٍ في صدر نهاره على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في مسجده، فلم أر في المسجد أحداً من الناس إلَّا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وعليٌّ (عليه السلام) إلى جانبه جالسٌ، فاغتنمتُ خلوة المسجد، فقلتُ: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي أوصني بوصيةٍ ينفعني الله بها؟ فقال: نعم وأكرم بك يا أبا ذر، إنَّك منَّا أهل البيت» [الأمالي ص525].

6ـ وروى الكشيّ (طاب ثراه) بسنده عن ربعي بن عبد الله، قال: «حدَّثني غاسل الفضيل بن يسار، قال: إني لأغسلُ الفضيل بن يسار وأنَّ يده لتسبقني إلى عورته، فخبَّرتُ بذلك أبا عبد الله (عليه السلام) فقال لي: رحم الله الفضيل بن يسار، وهو منّا أهل البيت» [اختيار معرفة الرجال ج2 ص473].

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا المعنى.

المقام الثاني: في ذكر جملةٍ من الروايات الحاكية لبيان السبب والحِكمة في توصيف هؤلاء الأشخاص بأنهم «من أهل البيت»، نذكر طرفاً منها:

1ـ روى الصفَّار (طاب ثراه) بسنده عن الفضل بن عيسى الهاشميّ قال: «دخلتُ على أبي عبد الله (عليه السلام) أنا وأبي عيسى، فقال له: أمن قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): سلمان رجلٌ منَّا أهل البيت؟ فقال نعم. فقال: أي من ولد عبد المطَّلب؟ فقال: منَّا أهل البيت. فقال له: أي من ولد أبي طالب؟ فقال: منَّا أهل البيت. فقال له: إنّي لا أعرفه. فقال: فاعرفه يا عيسى، فإنَّه منَّا أهل البيت، ثمَّ أومأ بيده إلى صدره، ثمَّ قال: ليس حيث تذهب، إنَّ الله خلق طينتنا من عليين، وخلق طينة شيعتنا من دون ذلك فهم منا، وخلق طينة عدونا من سجين وخلق طينة شيعتهم من دون ذلك وهم منهم، وسلمان خير من لقمان» [بصائر الدرجات ص37].

2ـ وروى فرات بن إبراهيم الكوفي عن خيثمة الجعفيّ قال: «دخلتُ على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا خيثمة، أبلغ موالينا منَّا السلام وأعلمهم أنهم لم ينالوا [لا ينالون] ما عند الله إلَّا بالعمل، وقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): سلمان منَّا أهل البيت، إنما عنى بمعرفتنا وإقراره بولايتنا» [تفسير فرات ص170].

3ـ وروى شيخنا العيَّاشيُّ (طاب ثراه) عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «مَن أحبّنا فهو منّا أهل البيت، قلت: جعلت فداك، منكم؟ قال: منّا والله، أما سمعت قول إبراهيم (عليه السلام): ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾» [تفسير العيَّاشي ج2 ص231].

4ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) عن محمَّد الحلبيّ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «مَن اتقى الله منكم وأصلح فهو منّا أهل البيت، قال: منكم أهل البيت؟ قال: منَّا أهل البيت، قال فيها إبراهيم: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، قال عمر بن يزيد: قلت له من آل محمَّد؟ قال: أي والله من آل محمَّد، أي والله من أنفسهم، أما تسمع الله يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، وقول إبراهيم: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾» [تفسير العيَّاشيّ ج2 ص231].

5ـ وروى المفيد (طاب ثراه) بسنده عن أبي حمزة، قال: «دخل سعد بن عبد الملك ـ وكان أبو جعفر (عليه السلام) يسمِّيه سعد الخير، وهو من ولد عبد العزيز بن مروان ـ على أبي جعفر (عليه السلام)، فبينا ينشج كما تنشج النساء، قال: فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ما يبكيك يا سعد؟ قال: وكيف لا أبكي وأنا من الشجرة الملعونة في القرآن، فقال له: لستَ منهم، أنت أمويٌّ منَّا أهل البيت، أما سمعتَ قول الله (عزَّ وجلَّ) يحكي عن إبراهيم: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾» [ الاختصاص ص85].

6ـ وروى الكشيّ (طاب ثراه) بالإسناد عن عمر بن يزيد، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «يا ابن يزيد، أنت - والله - منا أهل البيت، قلت له: جعلتُ فداك من آل محمَّد؟ قال: أي والله من أنفسهم، قلت: من أنفسهم؟ قال: أي والله من أنفسهم يا عمر، أما تقرأ كتاب الله (عزَّ وجلًّ): ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَالله وَلِيُّ الْمؤْمِنِينَ﴾» [اختيار معرفة الرجال ج2 ص623]، ورواه الطبريّ من طريقه مع زيادة في آخره: «أما تقرأ قوله : ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾» [بشارة المصطفى ص115].

والنتيجة من كلِّ ذلك، أنَّ توصيف بعض الأشخاص بهذا الوصف لم يكن لذواتهم بما هي، وإنما لامتيازهم بصفاتٍ مخصوصةٍ، من أهمّها إيمانهم وإقرارهم بولاية محمّدٍ وآله الطاهرين واتّباعهم لهم في كلّ صغيرةٍ وكبيرة؛ ولذا نلاحظ أنَّ الزبير بن العوَّام لما فقد تلك الصفات زال عنه ذلك الوصف.

ومن هذا يتبيَّن أنَّ دخول بعض الأفراد في تلك الأوصاف وخروج آخرين منها إنّما كان لحِكَمٍ وأسباب، وليس كما يتصوَّره السائل.. والحمد لله ربِّ العالمين.