هل كان سعد الأشعريّ جاهلاً بإمامة الإمام المهدي؟
السؤال: ذكر البعض بأنَّ سعد بن عبد الله الأشعريّ القميّ كان منكراً لإمامة الإمام المهدي (عليه السلام)؛ لأنَّه في كتابه (المقالات والفرق) يستدلُّ على وجود الإمام المهدي من دون التطرُّق لحديث الاثني عشر. كما أنَّه لم يتطرَّق للأحاديث التي تنصُّ على رقم المهدي بالنسبة لغيره من الأئمَّة كالرابع من ولد الرضا، كما أنَّه لم يذكر الأحاديث التي تذكر من رآه حين الولادة، كما أنَّه قال بأنَّ الحجَّة في عقب الحسن العسكريّ وإنّها مستمرةٌ في عقبه ما اتَّصلت أمور الله تعالى من دون أنْ يفصِّل أكثر من ذلك، كما أنَّه لم يتطرَّق إلى ذكر اسم الإمام المهدي، بل وتحريمه ذلك. فإنَّ هذه الأمور المذكورة تدلُّ على إنكاره أو جهله بإمامة الإمام المهدي؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الملاحَظ في هذا السؤال أنه تضمَّن خمس نقاطٍ أساسيةً أوهمت السائل بأنّ الأشعريّ ينكر إمامة الإمام المهدي (عليه السلام)، ونحن هنا سنكتفي بمناقشة ثلاث نقاطٍ منها، لتداخل بعضها في البعض الآخر، كما سيتَّضح إنْ شاء الله تعالى.
النقطة الأوَّلى: يزعم صاحب السؤال بأنَّ سعد بن عبد الله من المنكرين لإمامة الإمام المهدي (عليه السلام) بدعوى عدم ذكره لحديث الاثني عشر. وكذلك بعدم ذكر الأحاديث الناصَّة على تسلسله المبارك في الإمامة، كالرابع من ولد الرضا، وبعدم ذكر الأحاديث الدالَّة على من رآه وشاهده.
ولكنَّ السائل غفل ـ أو تغافل ـ عن أنَّ كتابه المذكور ليس مصنَّفاً لجمع الأحاديث الشريفة، ولا لنقل السِّير والتراجم، وإنما هو كتابٌ يُعنى بالملل والنحل كما هو واضح؛ ولذلك فعدم ذكره هذه الأمور المذكورة لا يدلُّ على عدم اعتقاده بإمامة الإمام المهدي (عليه السلام) أصلاً؛ لكون الموضوع الذي يبحث فيه الكتاب لا يتعلَّق بعلم الحديث أو السِّير والتراجم، وإنما هو خاصٌّ بعلم الملل والنحل.
والمتحصَّل: أنَّ عدم ذكره (طاب ثراه) لتلك الروايات لا يدلُّ على عدم تبنيه لها، كما لا يدلُّ على إنكاره أو جهله بالإمام (عليه السلام)، كما هو واضحٌ لأهل الفهم والإنصاف.
النقطة الثانية: يدَّعي صاحب السؤال بأنَّ سعد بن عبد الله الأشعريّ يرى استمرار الإمامة وعدم انقطاعها؛ لقوله بأنَّ الحجَّة ستستمر في عقب الحسن العسكريّ (عليه السلام) ما اتَّصلت أمور الله تعالى.
والحال أنَّه فهمٌ مغلوطٌ وغير صحيح؛ لأنَّ مراده (طاب ثراه) أنَّ الحجَّة الإلهية بعد الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) في ولده الإمام المهدي (عليه السلام)، وهي مستمرةٌ بوجوده الشريف؛ لعدم خلو الأرض من الحجَّة وإلَّا لساخت بأهلها كما في جملةٍ من الأخبار. وهذا من الأمور الضرورية في عقيدة الشيعة، بل من يقرأ كلام الأشعريّ نفسه يفهم حجم التقوُّل الذي طاله منهم.
قال (طاب ثراه): (...ففرقة منها وهي المعروفة بالإماميَّة قالت: لله في أرضه بعد مضيّ الحسن بن علي حجَّةٌ على عباده وخليفة في بلاده، قائمٌ بأمره، من ولد الحسن بن علي بن محمَّد بن علي الرضا... خَلَفٌ لأبيه، ووصي له، قائم بالأمر بعده، هادٍ للأمَّة، مهدي، على المنهاج الأوَّل والسنن الماضية من الأئمَّة الجارية ... إلى قوله: فنحن متمسِّكون بإمامة الحسن بن علي، مقرِّون بوفاته موقنون مؤمنون بأنَّ له خلفاً من صلبه، متديِّنون بذلك، وأنَّه الإمام من بعد أبيه الحسن بن علي، وأنه في هذه الحالة مستتر خائف مغمود مأمور بذلك حتَّى يأذن الله (عزَّ وجلَّ) له فيظهر ويعلن أمره كظهور من مضى قبله من آبائه، إذِ الأمر لله (تبارك وتعالى) يفعل ما يشاء ويأمر بما يريد من ظهور وخفاء ونطق وصموت ... إلى قوله: فهذه سبيل الإمامة وهذا المنهاج الواضح، والغرض الواجب اللازم الذي لم يزل عليه الاجماع من الشيعة الإمامية المهتدية (رحمة الله عليها)، وعلى ذلك كان إجماعنا إلى يوم مضى الحسن بن علي) [المقالات والفرق ص102].
النقطة الثالثة: إنَّ ما ذكره صاحب السؤال ـ من أنه لم يتطرَّق إلى ذكر اسمه (عليه السلام) وتحريمه ذلك ـ يدلُّ على جهلٍ كبيرٍ، وذلك لاختلاف علماء الشيعة في هذه المسألة، فيرى البعض حرمة التصريح باسمه الشريف، للنهي عنه في جملة من الأخبار. كما يرى البعض الآخر جواز ذلك، لاختصاص تلك الأخبار بحال التقية والخوف عليه (عليه السلام). وعليه، فذهاب المصنِّف إلى القول بالحرمة ليس بغريب، بل حاله كحال الكثيرين من علماء الإمامية الذي حكموا بالحرمة.
قال (طاب ثراه): (... فليس يجوز لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ طلب ما ستره الله، ولا البحث عن اسمه وموضعه، ولا السؤال عن أمره ومكانه، حتَّى يؤمروا بذلك، إذْ هو (عليه السلام) غائبٌ خائفٌ مغمورٌ مستورٌ بستر الله ... بل البحث عن أمره وطلب مكانه والسؤال عن حاله وأمره محرَّم لا يحل ولا يسع؛ لأنَّ في طلب ذلك وإظهار ما ستره الله عنا وكشفه وإعلان أمره والتنويه باسمه معصية الله، والعون على سفك دمه (عليه السلام) ودماء شيعته وانتهاك حرمته، أعاذ الله من ذلك كلَّ مؤمن ومؤمنة برحمته ... وقد رويت الأخبار الكثيرة الصحيحة: أنَّ القائم تخفى على الناس ولادته ويخمل ذكره، ولا يعرف اسمه ولا يُعلم مكانه حتَّى يظهر ويؤتم به قبل قيامه) [المقالات والفرق ص102].
جلالة الأشعريّ القميّ:
لا يخفى أنَّ جميع من ترجم لسعد بن عبد الله الأشعريّ قد أثنوا على جلالته ووثاقته وعلوّ مكانته، من غير أنْ يوردوا أدنى إشارةٍ إلى شكِّه أو جهله بأمر الإمامة، وإلَّا لكان المدح والثناء عليه بلا معنى إذا كان يجهل إمام زمانه؛ وعليه فإنَّ ثناء العلماء عليه ورفعهم من شأنه من دون أي طعنٍ أو قدحٍ يُعدُّ دليلاً واضحاً على سلامة عقيدته، ومن جملتها إيمانه بإمامة صاحب الزمان (عليه السلام).
1ـ قال النجاشيُّ في حقِّه: (سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعريّ القميّ أبو القاسم، شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها. كان سمع من حديث العامة شيئا كثيراً، وسافر في طلب الحديث ... ولقي مولانا أبا محمَّد (عليه السلام). ورأيتُ بعض أصحابنا يضعِّفون لقاءه لأبي محمَّد (عليه السلام) ويقولون: هذه حكايةٌ موضوعةٌ عليه، والله أعلم ... توفي سعد (رحمه الله) سنة إحدى وثلاثمائة، وقيل: سنة تسع وتسعين ومائتين) [رجال النجاشي ص177].
2ـ وقال الشيخ الطوسيّ فيه: (سعد بن عبد الله بن أبي خلف القميّ، جليل القدر، صاحب تصانيف، ذكرناها في الفهرست) [الرجال ص٤٢٧].
3ـ وقال العلَّامة الحلِّيّ فيه: (سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعريّ القميّ، يكنى أبا القاسم. جليل القدر، واسع الأخبار، كثير التصانيف، ثقة، شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها) [خلاصة الأقوال ص١٥٦].
4ـ وقال ابن شهر آشوب فيه: (أبو القاسم سعد بن عبد الله بن أبي خلف القميّ، ثقة، من كتبه: كتاب الرحمة ... وكتاب الضياء في الإمامة، مقالات الإمامية) [معالم العلماء ص89].
5ـ وقال الشريف أبو الحسن الفتونيّ فيه: (أبو القاسم سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعريّ الذي هو من أجلَّة شيوخ أصحابنا القميّين وغيرهم، وقد صرَّح بتوثيقه وفقاهته وجلالة حاله وصحة إيمانه كلُّ أهل الرجال) [رسالة تنزيه القميّين ص184]. إلى غيرها من كلمات الأعلام في مدحه والثناء عليه، ورفعة مقامه، وصحة إيمانه.
والنتيجة النهائيّة من كلِّ ذلك، أنَّ نسبة الشك أو الجهالة إلى أبي القاسم سعد بن عبد الله الأشعريّ القميّ (رضوان الله عليه) بإمامة الإمام المهدي (عليه السلام) مخالفةٌ للأدلَّة البينة، كما أوضحنا ذلك.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق