هل يجيز الإسلام تبادل الزوجات كما يزعم الملاحدة؟

السؤال: في تفسير الطبريّ: (قال ابن زيدٍ في قوله: {وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} قال: كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم، يعطي هذا امرأته هذا ويأخذ امرأته! فقال: {لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} لا بأس أنْ تبادل بجاريتك ما شئت أنْ تبادل، فأمّا الحرائر فلا. قال: وكان ذلك من أعمالهم في الجاهلية). هل تعلم أنَّ تبادل الزوجات في الغرب أصله عربيٌّ إسلاميُّ، وكان يقوم به النبيّ الكريم محمد حتى نهاه الله عن ذلك، وسمح له بتبادل الجواري فقط؟!! كيف نردّ افتراء الملاحدة هذا لعنهم الله؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أوّلاً: النص الذي بنى عليه الملحد كلامه ليس تفسيراً للطبري، وإنما هو قولٌ شاذٌّ منسوبٌ لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، يتحدّث فيه عن عادةٍ جاهليَّةٍ منحرفةٍ قبل الإسلام. فكيف يُحوِّلها الملحد إلى "أصلٍ عربيٍّ إسلاميٍّ" و"كان يقوم به النبي"؟!

هذا تحريفٌ صريحٌ للمعنى، وتزويرٌ للنص، دافعه الحقد على النبيّ والإسلام لا البحث العلميّ.

ثم إنّ الكلام المنسوب لابن زيٍد ليس حديثاً نبويّاً، ولا خبراً تاريخيّاً، ولا تفسيراً معتمداً، بل هو اجتهادٌ شخصيٌّ من رجلٍ معروفٍ بالضعف الشديد عند أئمة الجرح والتعديل.

ذكر ابن حجر العسقلاني في ترجمته:

(قال أبو طالب، عن أحمد بن حنبل: ضعيف.

وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ضعيفاً جداً.

وقال خالد بن خداش: قال لي الدراورديُّ ومعنُ وعامّة أهل المدينة: لا نريد عبد الرحمن، إنّه كان لا يدري ما يقول.

وقال الدوريُّ عن ابن معين: ليس حديثه بشيء.

وقال الطحاويُّ: حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف) [تهذيب التهذيب ج2 ص507].

والاعتماد على هذا القول المردود، ومن رجلٍ ضعيفٍ متروك الحديث، ومن دون أيّ سندٍ صحيحٍ، أو شاهدٍ تاريخيٍّ متينٍ، يكشف عن انتقائيةٍ مقصودةٍ، لا عن بحثٍ علميٍّ.

ثانياً: نقل الطبريّ الآراء الصحيحة في تفسير هذه الآية وبشكلٍ مفصلٍ، فلماذا اهملها الملحد وركّز على رأي بن زيد الذي فنّده الطبريُّ نفسه وقال عنه: قولٌ لا معنى له؛ لأن صيغة الفعل في الآية (تَبدَّل) بفتح التاء، تفيد الاستبدال لا المبادلة، فلو كان المقصود تبادل الزوجات لكان اللفظ "تُبدِّل" أو "تبادل". حيث قال: (وأمّا الذي قاله ابن زيد في ذلك أيضاً فقولٌ لا معنى له؛ لأنّه لو كان بمعنى المبادلة لكانت القراءة والتنـزيل: ولا أنْ تبادل بهنَّ من أزواج، أو ولا أنْ تُبدل بهن بضم التاء، ولكن القراءة المجمع عليها: ولا أنْ تَبدل بهنَّ بفتح التاء، بمعنى: ولا أنْ تستبدل بهنَّ، مع أنّ الذي ذكر ابن زيد من فعل الجاهليّة غير معروف في أمةٍ نعلمها من الأمم: أن يبادل الرجل آخرَ بامرأته الحرة، فيقال: كان ذلك من فعلهم فنهى رسول الله (ص) عن فعل مثله).

فالطبريُّ نفسه ينسف هذا الفهم، ويعتبره شاذّاً لا وجه له، والملحد يتعلّق بما هو مردودٌ عند صاحب الكتاب!

ثالثاً: الرأي الذي رجّحه الطبريّ في تفسير هذه الآية {لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا}، هو ما صرّح به في قوله: (وأولى الأقوال عندي بالصحّة: قولُ مَن قال: معنى ذلكَ: لا يحلّ لك النساء من بعد، بعد اللواتي أحللتهنَّ لك بقولي {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} إلى قوله: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ}).

وفي قوله: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا أنْ تطلق أزواجك فتستبدل بهنَّ غيرهنَّ أزواجًا) أي لا تطلِّق زوجاتك اللواتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة لتستبدل بهن زوجاتٍ أُخَر ولو أعجبك حسنهنَّ.

فالكلام كله عن تقييد زواج النبيّ بعددٍ معينٍ واحترام مكانة أمهات المؤمنين، لا عن أي تبادلٍ ولا عن أي ممارسةٍ شاذةٍ.

رابعاً: حاول الملحد أنْ يربط بين "تبادل الزوجات" وبين قوله: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) ليقول: "منع تبادل الحرائر وأجاز تبادل الجواري"! وهذا تلبيسٌ من جهتين:

الجهة الأولى: الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ راجعٌ إلى أصل التحريم في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، أي: لا يَحِلّ لك أنْ توسّع دائرة النساء بالنكاح بعد هذا الحدّ، إلَّا الإماء اللاتي تملكهنَّ، وهذا حكمٌ معروفٌ في باب النكاح، لا علاقة له من قريبٍ أو بعيدٍ بتبادل الجواري. هو استثناءٌ في باب الأنواع لا باب المبادلة.

الجهة الثانية: ابن زيد –الذي استند إليه صاحب الشبهة– لم يقل إطلاقاً إنَّ الآية تُجيز "تبادل الجواري" بمعنى الفعل الجنسيّ المشترك، أو التبادل الغربيّ المعروف اليوم، بل كلُّ ما قاله يتعلق بباب الملك والبيع والتصرّف في المِلك.

خامساً: تبادل الزوجات يتصادم بشكلٍ مباشرٍ مع محكمات القرآن واصوله القطعية ومع السيرة النبويّة الشريفة، حيث شدَّد الإسلام على تحريم الزنا والدياثة، وأمر بالحجاب والغيرة وصيانة الأعراض، وجعل رمي المحصنات من الكبائر، كما أنَّ سيرة النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في زواجه معروفة بالتواتر: عدد زوجاته، وأسماؤهنَّ، وأسباب زواجه من كلّ واحدة، والآيات التي نزلت في شأنهنّ، وليس في السيرة –لا عند السنة ولا عند الشيعة ولا في أي مصدرٍ موثوقٍ– أثرٌ لشيءٍ اسمه "تبادل الزوجات".

واغفال كلّ ذلك والتمسك بقولٍ شاذٍّ ومردودٍ لا يعبّر إلّا عن حقٍد دفينٍ على قيم الإسلام وفضائله.

فحتى لو افترضنا –جدلاً– أنّ بعض العرب الجاهليين كانوا يفعلون هذا المنكر، فالنص الذي استشهد به الملحد يقول صراحةَ: "وكان ذلك من أعمالهم في الجاهليّة"، فكيف بعد ذلك يصح أنْ يقال: "أصل تبادل الزوجات في الغرب عربيٌّ إسلامي"؟

فهو ادّعاءٌ بلا سندٍ تاريخيٍّ، ولا فقهيِّ، ولا تفسيريٍّ، ولا حتى لغويّ، وإنما هو محض تلبيس.