هل تصح نسبة حديث: «المرأة كالنعل» إلى أمير المؤمنين (ع)؟

السؤال: ينسب البعض إلى أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: «المرأة كالنعل، يلبسها الرجل إذا شاء هو، لا إذا شاءت»، فهل يصح هذا الحديث؟

: سيد حسن العلوي

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه المقولة نُسِبَت إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وقائلها الحقيقيُّ هو عمر بن الخطاب!!

تعال معي - عزيزي القارئ - لنغوص في بطون الكتب حتى نرى كيف مرّت هذه المقولة بمراحل إلى أنْ نسبها بعضُ المعاصرين إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).

نَسَبَ بعض الفيسبوكيين هذه المقولة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، من خلال قائمة حِكَمٍ جمعها ابن أبي الحديد المعتزليّ السنّيّ مذهباً في آخر شرحه على «نهج البلاغة» تحت عنوان: الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): (336- المرأة كالنعل يلبسها الرجل إذا شاء، لا إذا شاءت).

دقّق معي - عزيزي القارئ - «الحِكم المنسوبة»، يعني حتى ابن أبي الحديد السنّيّ مذهباً غير متأكّدٍ من صحة النسبة! هذا أوّلاً.

وثانياً: ما هي قصة الحِكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، والملحقة بآخر شرح نهج البلاغة، والتي جمعها ابن أبي الحديد المعتزليّ السنّيّ مذهباً، وعددها ما يقرب الألف حكمة؟ فهل جميعها منسوبةٌ إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، أم أنّ بعضها ليست له؟

باختصار: صرّح ابن ابي الحديد أنّ بعض تلك الحكم من كلام الحكماء، وليست من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ذكرها ضمن تلك القائمة ونسبَ جميعها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، من باب أنّها كالنظير لكلامه (عليه السلام) والمضارع لحكمته.

وإليك نصّ عبارته، فإنّه قال - بعد أن انتهى من شرح نهج البلاغة بأقسامه الثلاث الخطب والرسائل والحكم -:

(هذا آخر ما دوّنه الرضيّ أبو الحسن (رحمه الله) من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في «نهج البلاغة»، قد أتينا على شرحه بمعونة الله تعالى، ونحن الآن ذاكرون ما لم يذكره الرضيّ ممّا نسبه قومٌ إليه، فبعضه مشهورٌ عنه، وبعضه ليس بذلك المشهور، لكنّه قد رويَ عنه، وعُزِيَ إليه، وبعضه من كلام غيره من الحكماء، ولكنّه كالنظير لكلامه، والمضارع لحكمته؛ ولمّا كان ذلك متضمنا فنوناً من الحكمة نافعة، رأينا ألّا نخلي هذا الكتاب عنه؛ لأنَّه كالتكملة والتتمَّة لكتاب «نهج البلاغة». وربّما وقع في بعضه تكرارٌ يسيرٌ شذّ عن أذهاننا التنبّه له؛ لطول الكتاب وتباعد أطرافه، وقد عددنا ذلك كلمةً كلمةً؛ فوجدناه ألف كلمة.

فإنْ اعترضنا معترِضٌ وقال: فإذا كنتُم قد أقررتُم بأنّ بعضها ليس بكلامٍ له، فلماذا ذكرتموه؟ وهل ذلك إلّا نوعٌ من التطويل؟

أجبناه وقلنا: لو كان هذا الاعتراض لازماً لوجب ألّا نذكر شيئاً من الأشباه والنظائر لكلامه، فالعذر هاهنا هو العذر هناك، وهو أنّ الغرض بالكتاب الأدب والحكمة، فإذا وجدنا ما يناسب كلامه (عليه السلام)، وينصبُّ في قالبه، ويحتذي حذوه، ويتقبّل منهاجه، ذكرناه على قاعدتنا في ذكر النظير عند الخوض في شرح نظيره، وهذا حين الشروع فيها خاليةٌ عن الشرح لجلائها ووضوحها، وإنّ أكثرها قد سبقت نظائره وأمثاله، وبالله التوفيق) [شرح نهج البلاغة ج20 ص251].

وعليه، فليست جميع تلك الحكم منسوبةً له؛ لأنّ بعضها كلامٌ للحكماء أقحمها ابن أبي الحديد ضمن تلك الحكم؛ لأنّها كالنظير لكلامه.

والخلاصة: لو كنّا نحن وشرح النهج الحديدي المعتزليّ السنّيّ، لكنَّا من المتوقفين في النسبة، بمعنى أنّنا لا نعلم أنّها منسوبة ٌأم لا؟ فضلاً عن القول بصحّتها وثبوتها.

ولكن دعنا نرجع قليلاً إلى بعض المصادر المتقدّمة على شرح النهج الحديدي، والتي يمكن أنْ يكون ابن أبي الحديد قد استقى منها تلك الحكم:

المصدر الأول: كتاب [نثر الدر في المحاضرات ج4 ص116]، لأبي سعيد الآبي، المتوفى سنة 422هـ، فإنه ورد فيه:

(قالوا: المرأة كالنعل، يلبسها الرجل إذا شاء هو، لا إذا شاءت).

ولم ينسبها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولعلَّها مقولة للعرب فنسبها بصيغة (قالوا).

المصدر الثاني: كتاب [البصائر والذخائر ج5 ص37]، لأبي حيان التوحيديّ، المتوفى سنة 414 هـ، فإنه ورد فيه:

(112ـ وقال صاحب كليلة: الدّنيا كدودة القزّ التي لا يزداد الإبريسم عليها عقدا إلّا ازدادت من الخروج بعدا.

113ـ وصف رجلٌ ابن حجيّة المغنّي فقال: كأنّه خلق من كلّ قلب، فهو يغنّي كلّ إنسان ما يشتهي.

114ـ وقال بعض الفلاسفة: العقل كالسّيف والنّظر كالمسنّ.

115ـ وقال عليٌّ رضي اللّه عنه: الدّنيا ليّن مسّها، وفي حشاها السّمّ النّاقع.

116ـ رأى مزبّدٌ رجلاً كبير الأنف وفيه شعرٌ كثيرٌ فقال: كأنّما ملئ أنفه شسوعا.

117ـ وقال: المرأة كالنّعل يلبسها الرجل إذا شاء لا إذا شاءت).

أقول: مَن هو قائل هذا الكلام؟ غير معلوم! والظاهر أنّ القائل هو صاحب المقولة السابقة وهو أبو إسحاق مزبد المدنيّ، فهو صاحب نوادر وفكاهاتٍ وحوادث، فإنّ العطف يرجع إلى الأقرب، وهو مزبّد المدني، ولا يمكن أنْ يرجع إلى الأبعد إلا بقرينةٍ وهي مفقودة ٌفي المقام.

ولو كان صاحب المقولة أمير المؤمنين (عليه السلام) لوجب على المؤلف الإشارة إلى ذلك بقوله: (وقال عليّ)، أو قوله: (قال رضي الله عنه)، أو شيءٍ من هذا القبيل ممّا يوضح النسبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا يلتبس الأمر على القرّاء.

وممّا يسهل الأمر أنّ محقق كتاب البصائر والذخائر أحالنا في الهامش إلى:

المصدر الثالث: وهو كتاب [التشبيهات ص69 ب90]، لابن أبي عون، المتوفى سنة 322 هـ، ولـمّا رجعنا إليه وجدناه يقول:

(ويقال: المرأة كالنعل، يلبسها الرجل إذا شاء، لا إذا شاءت هي).

لاحظ - عزيزي القارئ - ذكرها ابن ابي عون بصيغة: (ويُقال)! وفي كتاب البصائر والذخائر سقطت الياء فتحولت إلى (وقال)!

وعليه، فجميع المصادر المتقدمة لم تنسبها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).

ولكن عزيزي القارئ، إليك هذا المصدر الذي ينسبها صريحاً إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وهو:

المصدر الرابع: كتاب [رسائل الثعالبيّ ص58]، لأبي منصور الثعالبي، المتوفى سنة 429 هـ:

(وأما النعل: فمنها قول عمر (رض): المرأة نعل، يلبسها الرجل إذا شاء، لا إذا شاءت هي).

ففي هذه النسبة الصريحة للخليفة الثاني يعدّ المرأة نعلاً، وليست كالنعل.

فالقائل الحقيقي المنسوب إليه هذه المقولة هو عمر بن الخطاب، ولكنها عند ابن ابي عون بصيغة: (يقال)، وعند الآبي: (قالوا)، وعند أبي حيان بعبارة: (وقال)، وعند ابن أبي الحديد نُسِبَت مع جملةٍ من حكم الحكماء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم جاء بعضُ المعاصرين ونسبها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) من دون تحقيق، وكان اعتماده على ابن أبي الحديد، الذي تسبّب بالإيقاع في هذه النسبة الخاطئة.

ولنعم ما قال السيّد محسن باقر الموسويُّ:

(خامساً: بلاغة الإمام وروح كلامه (عليه السّلام).

فهناك الكثير من النصوص الدخيلة على أمير المؤمنين (عليه السلام)، نسبها البعض إليه، وهي لا تنسجم مع بلاغته وطريقته في الكلام، ولا تتفق مع باقي كلماته وأقواله من حيث التذوق البلاغي، وهي كثيرة.

ولا يصعب على المتخصص في كلام الإمام، العارف بطريقة كلامه، والمتبحر في بلاغته وتركيب عباراته أنْ يكتشف السقيم الدخيل على كلامه (عليه السلام)، من ذلك ما نسبه ابن أبي الحديد من كلامٍ لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو لا يتفق مع سياق كلامه وروح أدبه وبلاغته.

مثالٌ على ذلك: «المرأة إذا أحبتك آذتك، وإذا أبغضتك خانتك، وربما قتلتك؛ فحبّها أذى، وبغضها داء بلا دواء».

وهذا الكلام مما نسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) في آخر شرحه على نهج البلاغة، وهو كلامٌ متهافتٌ لا ينسجم مع فكر الإمام وروحه، ومع بلاغته وأدبه، فلو فتشنا في جميع خطبه لا نجد كلاماً شبيهاً بهذا الكلام المنسوب إليه دون دليل.

ومثالٌ آخر: «المرأة كالنعل، يلبسها الرجل إذا شاء، لا إذا شاءت».

وهو أيضاً كلامٌ لا ينسجم مع روح الإمام (عليه السلام)، لا في البلاغة، ولا في الأدب، ولا في الخلق الرفيع، بل إنّ هذا الكلام يتناقض مع فكر الإمام وخُلقه العالي الذي يتعالى على التفوّه بتلك العبارات الهزيلة والأفكار الركيكة.

فهناك الكثير مما نسب للإمام وهو غير قادرٍ على الانسجام وبقية كلماته وأقواله، فمكانها هو الإهمال والابتعاد عنها قدر المستطاع؛ لأنها من المدخولات على كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي تأباه بلاغته وتركيب عباراته وروحه وأخلاقه أنْ نعتبرها جزءاً من كلامه (عليه السلام)) [علوم نهج البلاغة ص172ـ173].

أقول: ولا تنسجم مقولة: «المرأة نعل» أو «كالنعل»، مع ما رويَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «فإنّ المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة» [نهج البلاغة ص405].

والحمد لله ربّ العالمين