هل يلتزم الشيعة بضوابط التأويل اللغوي للقرآن؟
السؤال: من شروط التأويل للقرآن أنْ يكون موافقاً لوضع اللغة، أو عرف الاستعمال، أو عادة صاحب الشرع؟ وكلُّ تأويلٍ يخرج عن هذه الثلاثة فهو باطل؟ هل يلتزم الشيعة بهذه الشروط؟ سؤال طرحه بعض العامَّة علينا في اثناء الحوار؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
لا بدَّ من التنبيه أوّلاً إلى أنَّ الشروط المذكورة في السؤال ليست شروطاً سنّيَّةً بالمعنى المذهبيّ، بل هي قواعد عقلائيَّةٌ عامَّةٌ التزم بها جميع علماء المسلمين، ومنهم علماء الإماميَّة؛ لأنَّها في الحقيقة شروطٌ لفهم أيّ خطابٍ لغويّ، لا خصوص القرآن الكريم. فاللغة لا تُفهم إلَّا ضمن قوانينها، والنصّ لا يُفسَّر إلَّا ضمن سياقه واستعماله.
ولهذا نجد أنَّ كبار علماء الشيعة في علم الأصول يؤكّدون بوضوحٍ أنَّ القرآن يُفهم وفق الظهور العرفيّ للّفظ، وأنَّ حجيَّة الظواهر أصلٌ أساسيٌّ في الاستنباط. بل إنَّ مدرسة الأصول الإماميَّة تعدّ من أكثر المدارس الإسلاميَّة تشديداً على قاعدة: حمل الكلام على ظاهره ما لم تقم قرينةٌ معتبرةٌ على خلافه.
فالشيعة لا يرون التأويل عمليَّةً مفتوحةً أو ذوقيَّةً، فيقبلون التأويل إذا كان بمعنى بيان المصداق أو البطن، وهو ما ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، حيث تُطبَّق الآية على مصاديق أوسع من مورد نزولها. وهذا ليس تغييراً للمعنى اللغويّ، بل توسيعٌ لدائرته التطبيقيَّة؛ فمثلاً حين تُطبَّق آيةٌ على أهل البيت أو على أعدائهم، فذلك لا يعني تغيير مدلول الألفاظ، وإنَّما بيان انطباقها الكامل على مصداقٍ معيّنٍ.
فالشيعة يرون أنَّ فهم القرآن لا يستمدّ فقط من الاستعمال العربيّ العامّ، بل أيضاً من البيان النبويّ وشرح أهل البيت باعتبارهم الامتداد العلميّ للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله). فحين يفسّر الإمام آيةً تفسيراً معيناً، فإنَّ ذلك عند الإماميَّة يُعدّ قرينةً تفسيريَّةً معتبرةً، لا خروجاً عن اللغة.
بعبارةٍ أوضح: الاختلاف ليس في احترام اللغة، بل في مَن يملك صلاحيَّة كشف مراد الشارع عند تعدد الاحتمالات اللغويَّة.
فالمدرسة السنّيَّة تعتمد غالباً على الصحابة والتابعين، بينما تعتمد المدرسة الشيعيَّة على أئمّة أهل البيت (عليهم السلام). وهذا اختلافٌ في المرجعيَّة التفسيريَّة، لا في قواعد الفهم اللغويّ.
وعليه، ينبغي الالتفات إلى أنَّ كثيراً ممّا يُسمّى «تأويلاً شيعيّاً» في الجدل المذهبيّ هو في الحقيقة من باب الجري والانطباق لا من باب تغيير المعنى. فالآية تبقى على معناها العامّ، لكنَّ الرواية تكشف عن أوضح مصاديقها.
وفي مقابل هذا النوع من التأويل لا يقبل الشيعة أيَّ تأويلٍ مخالفٍ للغة أو للسياق أو لظواهر الآية؛ لأنَّه يخرج النصَّ عن دلالته العرفيَّة، ويحوّله إلى خطابٍ رمزيٍّ بلا ضابطٍ.
وفي المحصّلة، الشيعة يلتزمون بهذه الشروط من حيث المبدأ التفسيريّ العامّ؛ لأنَّ الخروج عن اللغة أو العرف أو السياق يُبطل الفهم عند الجميع. غير أنَّ الاختلاف الحقيقيَّ لا يقع في شروط التأويل، بل في مصادر القرائن المفسِّرة للنصّ وفي فهم معنى التأويل نفسه: هل هو صرف اللفظ عن ظاهره، أم كشف طبقاته ومعانيه التطبيقيَّة؟
اترك تعليق