هل التشيع عقيدة دينية أم مجرد مشروع سلطة؟

السؤال: الدين الشيعيّ في كلِّ فرقهٍ يدور على “إمامة عليٍّ”، لا على “دين عليّ”. فالمقصد السلطة والثروة والنفوذ، لا العقيدة والشرع؛ لذا صاغوا منظومةً عقديَّةً تنتحل الدين لخدمة هذا الهوى: «اصطفاء سلاليّ، وصية، إمامة، عصمة، كرامات، خمس وطاعة مطلقة»؛ ليكيف الدين لخدمة حزب السلالة، ويجعلها وكيلاً مفوضاً عن الله في الأرض.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ أخطر ما في هذا الطرح أنَّه لا يناقش الأفكار، بل يفترض النوايا، فهو لا يقول: هذه الأدلَّة ضعيفةٌ أو غير مقنعةٍ، بل يقفز مباشرةً إلى القول: بأنَّ هذه الأفكار صِيغَتْ بدافع السلطة والثروة. وهذا ليس نقداً علميَّاً، بل مصادرةٌ على المطلوب؛ لأنَّك حين تفسر الفكرة بدافعها المزعوم، تكون قد ألغيت الحاجة إلى مناقشتها أصلاً.

فمثل هذا الخطاب يعكس نزعةً تبسيطيَّةً تبحث عن تفسيرٍ واحدٍ سهلٍ لكلِّ ظاهرةٍ معقدةٍ، وبدلاً من التعامل مع التشيُّع باعتباره منظومةً دينيَّةً لها مبانيها وأدلتها وسياقها التاريخيّ، يتم اختزالها في «حزب سلالة»، وهذه طريقةٌ قد تبدو مريحةً ذهنيَّاً، لكنَّها في الحقيقة لا تصمد أمام أيّ تحليلٍ جادّ؛ لأنَّها تستبدل الفهم بالتشكيك، والنقاش بالاتّهام، وتختصر القضايا المركَّبة في شعاراتٍ جاهزةٍ لا تفسّر شيئاً بقدر ما تُوهم بأنَّها فسّرت كلّ شيء.

وعليه، فإنَّ أصل الدعوى – أنَّ التشيُّع يدور على «إمامة عليّ» لا «دين عليّ» – يقوم على فصلٍ مصطنعٍ لا وجود له في الفكر الشيعيّ، فالإمامة ليست بديلاً عن الدين، ولا مشروعاً سياسيَّاً منفصلاً عنه، بل تُفهم بوصفها امتداداً لوظيفة النبوة في حفظ الدين وبيانه، فكما أنَّ النبوّة ليست «سلطةً» بل هداية وتشريع، كذلك الإمامة تُطرح في هذا الإطار: موقعٌ لحراسة المعنى الدينيّ من التحريف، لا وسيلة للنفوذ.

ثم إنَّ تصوير مفاهيم مثل: الوصيّة والإمامة والعصمة، على أنَّها أدواتٍ سياسيَّةً، هو تجاهلٌ لطبيعتها العقديَّة، فهذه مفاهيم تُبنى – في الرؤية الشيعيَّة – على أدلَّة نصيَّةٍ وعقليَّةٍ، ويمكن الاتفاق معها أو الاختلاف، لكن لا يصحّ تحويلها إلى «مؤامرة السلطة» دون مناقشة أصلها، فالنقاش العلميّ يبدأ من الدليل، لا من تفسير النوايا.

أما الحديث عن «الاصطفاء السلاليّ»، فهو أيضاً قائمٌ على فهمٍ مغلوطٍ، ففكرة الاصطفاء في أصلها ليست غريبةً عن الخطاب الدينيّ، بل يقرّها القرآن في أكثر من موضعٍ كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 33-34]. فهل يصبح كلُّ اصطفاءٍ مشروعٍ سلالةً؟ أم أنَّ المسألة تتعلّق بمعيارٍ إلهيٍّ في الاختيار، لا بانتماء عرقيّ بالمعنى المتداول؟

وكذلك الأمر في مسألة «الخُمس»، عندما يُصوَّر – بلا تدقيق – على أنَّه أداة للثروة، مع أنَّه جزءٌ من نظامٍ ماليٍّ دينيٍّ منضبط، له مصارف محدّدةٌ، وضوابط واضحةٌ، تماماً كما هو الحال في الزكاة في سائر المذاهب، فإذا كان مجرَّد وجود نظامٍ ماليٍّ دينيٍّ يُفسَّر بأنَّه «مشروع ثروة»، فهل تُتَّهم الزكاة أيضاً بأنَّها أداةٌ للنفوذ؟ أم أنَّ الاتهام هنا انتقائيٌّ يُوجَّه حيث يُراد فقط؟

إنَّ تحويل مسألةٍ فقهيَّةٍ لها أدلّتها وتنظيمها، إلى تهمةٍ جاهزةٍ، لا يكشف خللاً في الفكرة، بل يكشف خللاً في طريقة النظر، حيث يُستبدل التحليل بالاتّهام، والنقاش العلميّ بلغة الشكّ والتشويه.

وفي المحصّلة، هذا الطرح لا يفنّد التشيُّع، بل يتجنّب مناقشته، فهو يستبدل البحث في الأدلّة بتفسير الدوافع، ويحوّل الخلاف العقديّ إلى خطاب تشكيك، ومَن أراد نقاش هذه المنظومة بجديّة، فعليه أنْ يدخل إليها من بابها: باب الدليل والبرهان، لا باب الاتّهام والاختزال؛ لأنَّ الحقيقة لا تُكشف عبر النوايا المفترضة، بل عبر الفهم والتحليل.