هل يلزم من القول بعصمة أهل البيت (ع) بآية التطهير، القول بعصمة الصحابة أيضاً؟

السؤال: يقول الشيعة: إنَّ أصحاب الكِساء الخمسة معصومون لا يسهون ولا ينسون بحسب آية التطهير، وإذا سلَّمنا جدلاً بأنَّ إذهاب الرجس والتطهير معناه العصمة بشكلٍ مطلقٍ، فالصحابة معصومون أيضاً بحسب تفسير هؤلاء القوم. قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]، فهذه الآية لا يختلف فيها عاقلٌ منصفٌ بأنها نازلةٌ في صحابة رسول الله، ودلالة هذه الآية أقوى من آية التطهير، بدليل أنَّه طهَّرهم وأذهب عنهم الرجز وربط على قلوبهم وثبَّت أقدامهم، فيكون الصحابة معصومين حسب تفسير الشيعة؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى على من طالع تفسير الآيتين يجد فرقاً واضحاً بينهما، فآية التطهير بما لها من مدلولٍ خاصٍّ، كما سيأتي، وكذلك أفرادٌ معلومون ـ وهم أصحاب الكِساء فقط ـ تدلُّ على العصمة المطلقة بشكلٍ واضحٍ وجليٍّ، وهو ما يُساعد عليه الاعتبار أيضاً، إذْ ثبت أنَّ في هذه الأمَّة أناسٌ معصومون فقط. بخلاف الآية الأُخرى، فإنَّ مدلولها وسياقها يُشير إلى التطهير من الحدث والخبث كما سنذكر ذلك، مضافاً إلى القطع بعدم عصمة الصحابة ككلٍّ في ذلك الزمان، وبناءً على وجود الفرق بين الآيتين فلا تصح المقايسة التي اعتمدها السائل، لبطلان موجبها بضرورة المسلمين، كما هو واضحٌ.

إذا بان هذا واتَّضح، فلنذكر بعض كلمات المفسِّرين المصرِّحة فيما قلنا من وجود فرقٍ بين الآيتين، وبالتالي بطلان القياس الذي استند إليه السائل.

1ـ قال الطبريّ: (وأمَّا قوله (عزَّ وجلَّ):﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾، فإنَّ ذلك مطرٌ أنزله الله من السماء يوم بدرٍ ليطهِّر به المؤمنين لصلاتهم، لأنهم كانوا أصبحوا يومئذ مُجْنبِين على غير ماءٍ. فلما أنزل الله عليهم الماء اغتسلوا وتطهَّروا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما حزنهم به من إصباحهم مجنبين على غير ماءٍ، فأذهب الله ذلك من قلوبهم بالمطر. فذلك ربطه على قلوبهم، وتقويته أسبابهم، وتثبيته بذلك المطر أقدامهم، لأنهم كانوا التقوا مع عدوِّهم على رملةٍ ميثاء، فلبَّدها المطر، حتَّى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها، توطئةً من الله (عزَّ وجلَّ) لنبيه (عليه السلام) وأوليائه، أسباب التمكن من عدوِّهم والظفر بهم. وبمثل الذي قلنا تتابعت الأخبار عن [أصحاب] رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) وغيره من أهل العلم) [جامع البيان ج ١٣ص421].

2ـ وقال أبو الليث السمرقنديّ: (...ثمَّ قال:﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾، يعني: بالماء من الأحداث والجنابة،﴿ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ﴾، يعني: وسوسة الشيطان وكيده. وقال القتبيّ: أصل الرجز العذاب، كقوله تعالى:﴿ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ ﴾[البقرة: 59]، ثمَّ سمِّي كيد الشيطان رجزاً، لأنه سببٌ للعذاب. ثم قال:﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾، يعني: يشدد قلوبكم بالنصرة منه عند القتال،﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ﴾، يعني: لتستقر الأرجل على الرمل، حتَّى أمكنهم الوقوف عليه. ويقال: ويثبت به الأقدام في الحرب) [تفسير السمرقنديّ ج2 ص11].

3ـ وقال الثعلبيّ: (﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾، وذلك أنَّ المسلمين نزلوا كثيباً أخضر ببدرٍ يسوخ فيه الأقدم وحوافر الدواب وسبقهم المشركون إلى ماء بدرٍ العظمى وغلبوهم عليه وأصبح المسلمون بعضهم مُحدِثين وبعضهم مُجنِبين وأصابهم الظمأ ووسوس لهم الشيطان فقال: تزعمون أنَّ فيكم نبي الله وأنَّكم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تُصلُّون مُجنِبين ومُحدِثين فكيف ترجون أنْ يظفركم عليهم؟! قال: فأرسل الله (عزَّ وجلَّ) مطراً سال منه الوادي، فشرب منه المؤمنون واغتسلوا وتوضَّأوا وسقوا الركاب وملؤوا الأسقية، وأطفى الغبار ولبَّد الأرض حتَّى ثبَّت عليه الأقدام، وزالت وسوسة الشيطان وطابت أنفسهم، فذلك قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ من الأحداث والجنابة) [تفسير الثعلبيّ ج4 ص333].

وبالجملة: إنَّ الآية المذكورة في المقام ناظرةٌ إلى التطهير من الخبث والحدث من أجل الصلاة، ولا علاقة لها بالعصمة أبداً، وهو ما صرَّح به جمهور المفسِّرين من عامَّة الناس، كما تقدَّم نقل بعضٍ من كلماتهم.

وأمَّا آية التطهير: فهي دالةٌ على عصمة أهل البيت (عليهم السلام)، لما يستفاد من مدلولها والروايات الواردة فيها.

1ـ قال الراغب الأصفهانيّ: (قال تعالى:﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾[الأحزاب: 33]، ومعلومٌ أنه تعالى لم يرد تطهيراً عن نجاسةٍ في ثوبٍ وبدنٍ، وإنما أراد تطهير النفس الذي يستحق به ‌المدح ‌والخلود ‌والبقاء ‌الدائم وأصله لما يطول مكثه، ومنه قيل للأثافي والأحجار (خوالدٌ)، والخُلْدُ: اسمٌ للجزء يبقى من الإنسان على حالته مادام حياً) [تفسير الراغب ج1 ص127].

2ـ وقال ابن عطية في تفسير الآية: (والرجس: اسمٌ يقع على الإثم، وعلى العذاب، وعلى النجاسات والنقائص، فأذهَب الله جميع ذلك عن أهل البيت، ونصب أهل البيت على المدح، أو على النداء المضاف، أو بإضمار أعني) [تفسير ابن عطية ج4 ص384].

3ـ وقال محمَّد بن عبد الرحمن الإيجيّ: (﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ ﴾، خبائث القلب، أو ما ليس لله فيه رضا. ﴿ أَهْلَ البَيْتِ ﴾، نصبٌ على النداء أو على المدح،﴿ وَيُطَهِّرَكُمْ ﴾، عن الذنوب﴿ تَطْهِيراً ﴾. في مسلمٍ: إنَّ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً جاءوا فأدخلهم النبيّ (عليه السلام) في كِساءٍ من شعرٍ أسود كان عليه، ثمَّ قال: (﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ..الآية﴾، وفي مسند الإمام أحمد وغيره برواياتٍ عن أم سلمة: أنه (عليه السلام) كان في بيتها، فجاء عليٌّ وفاطمة وابناهما وجلس عنده على كِساءٍ خيبريٍّ فأنزل الله هذه الآية، فأخذ فضل الكِساء وغطَّاهم به ثمَّ أخرج يده وألوى إلى السماء، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس عنهم، وطهِّرهم تطهيراً، قالت: فأدخلتُ رأسي البيت فقلتُ: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال: إنك إلى خيرٍ، إنك إلى خيرٍ. والأحاديث التي هي أصرح في هذا المعنى كثيرةٌ) [تفسير الإيجيّ ج3 ص351].

وبالجملة: إنَّ المراد من التطهير في آية التطهير غير المراد منه في الآية السابقة، إذِ المراد به هنا التطهير من الرجس المعنويّ وليس المراد الخبث والحدث المانعين من الصلاة، وإنما المراد التطهير المطلق، بقرينة الحصر بالأداة (إنَّما)، والتأكيد بالمصدر (تطهيراً) الدالّ على العصمة المطلقة، ولذلك لم يقبل النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) بإدخال السيِّدة الجليلة أمِّ سَلَمة (رضوان الله عليها) معهم، لكونها ليست من مصاديق الآية المباركة.

ثُمَّ لا بأس ـ بمناسبة الكلام ـ أنْ نذكر بعض الأحاديث التي نقلها القوم في كتبهم، والتي تصرِّح باختصاص آية التطهير بأهل البيت (عليهم السلام)، منها:

1ـ ما رواه ابن أبي شيبة بسندٍ حسنٍ عن شداد أبي عمار قال: «دخلتُ على واثلة وعنده قومٌ فذكروا [علياً] فشتموه، فشتمته معهم، فقال: ألا أخبرك بما سمعتُ من رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)؟ قلتُ: بلى، قال: أتيتُ فاطمة أسألها عن عليٍّ فقالت: توجَّه إلى رسول الله فجلس، فجاء رسول الله ومعه عليٌّ وحسنٌ وحسينٌ كلُّ واحدٍ منهما آخذٌ بيده، حتَّى دخل، فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كلَّ واحدٍ منهما على فخذه، ثمَّ لفَّ عليهم ثوبه ـ أو قال: كِساء ـ ثمَّ تلا هذه الآية:﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ﴾، ثمَّ قال: اللهم ‌هؤلاء ‌أهل ‌بيتي، وأهل بيتي أحقّ» [المصنف ج18 ص68، تحقيق سعد الشثريّ].

2ـ وما رواه أحمد بسندٍ صحيحٍ عن أم سلمة (رضوان الله عليها)، وفيه: «أنَّ النبيّ كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمةٍ، فيها خزيرةٌ، فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي زوجك وابنيك. قالت: فجاء عليٌّ والحسين والحسن، فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامةٍ له على دكانٍ تحته كِساءٌ خيبريٌّ. قالت: وأنا أصلِّي في الحجرة، فأنزل الله (عزَّ وجلَّ) هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾. قالت: فأخذ فضل الكِساء، فغشَّاهم به، ثمَّ أخرج يده، فألوى بها إلى السماء، ثمَّ قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي، فأذِهب عنهم الرجس، وطهِّرهم تطهيراً، اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي، فأذِهب عنهم الرجس، وطهِّرهم تطهيراً. قالت: فأدخلتُ رأسي البيت، فقلتُ: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنك إلى خيرٍ، إنك إلى خيرٍ» [مسند أحمد ج44 ص118، تحقيق شعيب الأرنؤوط].

إلى غيرهما من الروايات الكثيرة.

والنتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدَّم، أنَّ التطهير الوارد في الآيتين مختلفٌ، إذِ التطهير الوارد في الآية الأولى يراد به التطهير من الحدث والخبث الذي أصاب جمعاً من أهل بدرٍ، وأمَّا التطهير الوارد في آية التطهير فهو التطهير من الرجس الماديّ والمعنويّ؛ ولذلك صار خاصّاً بخصوص أهل الكِساء؛ لكونهم من أهل العصمة دون غيرهم من الأصحاب أو الأزواج، كما هو واضحٌ.

والحمد لله ربِّ العالمين.