معنى: «يأخذون منه الحلال والحرام قبل قيامه»

السؤال: جاء في كتاب إثبات الوصية (الأوصياء) عن الحميريّ عن محمد بن عيسى عن الحارث بن مغيرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «القائم إمامٌ، ابنُ إمامٍ، يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه. قلت: أصلحك الله، إذا فَقد الناسُ الإمامَ عمّن يأخذون؟ قال: إذا كان ذلك فأحِبَّ من تحب وانتظر الفرج فما أسرع ما يأتيك». فما المقصود من قوله (عليه السلام): «يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه»؟

: الشيخ حسين العابد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى أنَّ من ضروريات مذهب الإمامية ثبوت الغيبة الكبرى للإمام المهديّ (عجل الله فرجه)، وانسداد باب السفارة الخاصّة، وانقطاع التمثيل الرسميّ له.

وأمّـا الوجه في العبارة الواردة في الرواية المذكورة في نصّ السؤال فهو أحد أمورٍ على وجه الترتيب:

الأول: أنّ قول الإمام الصادق (عليه السلام): «القائم إمامٌ، ابنُ إمامٍ، يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه» يتضمّن ثلاث فقراتٍ مترابطةٍ، يتبيّن المقصود من الفقرة الثالثة بفهم الفقرتين الأوليين، فنقول:

أوّلاً: أكّد الإمام (عليه السلام) في قوله: «القائم إمامٌ» على أنّ القائم إمامٌ وحجّةٌ إلهيّةٌ، وليس كسائر الناس والمؤمنين. فهذا دفعٌ لتوهّم كونه ليس إماماً وأنّه شخصٌ يقوم بالسيف فيبسط العدل والقسط في أرجاء المعمورة.

وثانياً: أكّد بقوله: «ابنُ إمامٍ» على اتّصاله بسلسلة الإمامة وعدم انقطاع عمود نسبه عن شجرة الولاية والحجيّة الإلهيّة. وهذا دفعٌ لتوهّم كونه منقطعاً عن سلسلة الحجج الإلهيّين، وأنّه سيولد في آخر الزمان من غير أن يكون والده المباشر وسلسلة نسبه من الأئمّة والحجج الإلهيّين.

وجاءت رواياتٌ وفيرةٌ في تأكيد هذه الحقيقة، أعني أنّ القائم (عج) إمامٌ وأنّه ابنُ إمامٍ، مثل: حديث النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) – وقد ضرب بيده على الحسين (عليه السلام) –: «مهديّ أمّتي - الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً - من ولد هذا، إمامُ بنُ إمامٍ، عالمُ بنُ عالمٍ، وصيُّ بنُ وصيٍّ، أبوه الذي يليه إمامٌ وصيٌّ عالمٌ» [كتاب سليم ص429]، ومثله حديث الإمام الصادق (عليه السلام): «لا يكون القائم إلا إمام بن إمام ووصي بن وصي» [عيون أخبار الرضا ج2 ص139].

وثالثاً: أكّد بقوله: «يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه» على أنّه إمامٌ وحجّةٌ لله تعالى بالفعل من بعد شهادة أبيه (عليه السلام)، لا أنّ إمامته وحجيته تكون بعد خروجه وقيامه. وهذا دفعٌ لتوهّم كون الإمام إماماً بعد قيامه وأنّه قبل قيامه ليس إماماً، فدفع الإمام (عليه السلام) هذا التوهّم بقوله: «يأخذون منه حلالهم..»، فأكّد على إمامته قبل قيامه؛ إذ ذكر لازم الإمامة والحجيّة وهو كونه مصدراً من مصادر التشريع وأخذ الدين.

والذي يرشد لهذا المعنى في الرواية:

ما ورد عن الحسين بن أبي العلاء، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «قلت له: تكون الأرض بغير إمامٍ؟ قال: لا. قلت: أفيكون إمامان في وقتٍ واحدٍ؟ قال: لا، إلّا وأحدهما صامتٌ. قلت: فالإمام يعرف الإمام الذي من بعده؟ قال: نعم. قال: قلت: القائم إمامٌ؟ قال: نعم، إمامٌ ابنُ إمامٍ، قد اؤتُمَّ به قبل ذلك» [الإمامة والتبصرة ص101، كمال الدين ص223، دلائل الإمامة ص437].

فإنّ الملاحظ أنّ الراوي قال: «قلت: القائم إمامٌ؟» يكشف عن نحوٍ من عدم الوضوح - ولو عند بعضهم بسبب آراء المذاهب الأخرى – بخصوص إمامة القائم (عج)، فأجابه الإمام بجواب نظير الكلام الوارد في رواية الحارث بن المغيرة، إذ قال: «نعم، إمامٌ، ابنُ إمامٍ، قد اؤتُمَّ به قبل ذلك»، فقوله: «نعم، إمامٌ، ابنُ إمامٍ»، نظير ما ورد في رواية الحارث: «القائم إمامٌ، ابنُ إمامٍ»، ثم قوله: «قد اؤتُمَّ به قبل ذلك» يعني أنّه إمامٌ قبل قيامه، فـ «قبل ذلك» يعني قبل قيامه، فهو إمامٌ واعتقد المؤمنون بإمامته قبل قيامه، وهذا نظير قوله: «يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه» يعني إمامٌ واعتُقد بإمامته قبل قيامه.

وبهذا يتبيّن أنّ عبارة: «يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه» سيقت لإفادة كونه (عج) إماماً وحجّةً، فيراد بـ «يأخذون..» شأنية حاله لأخذ الدين منه؛ إذ يكفي لإفادة كونه إماماً وحجّةً لله تعالى أنْ يكون من شأنه وصلاحياته أخذ الدين والحلال والحرام منه، ولا يتوقّف هذا المعنى – أي كونه إماماً - على فعليّة الأخذ منه؛ إذ ربّما لا يتيسّر الأخذ منه بسبب بعض العوامل الخارجيّة.

والقرينة على أنّ المراد شأنية أخذ الدين منه قبل قيامه، أنّ المرتكز في ذهن السائل أنّ القائم (عج) يغيب وأنّ الناس يفقدونه، ولذلك لـمّا قال الإمام (عليه السلام): «يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه»، سألَ الإمامَ بقوله: «إذا فَقد الناسُ الإمامَ عمّن يأخذون؟»، فإنّ التعقيب بمثل هذا السؤال يسوّغه أنّ المراد بـ «يأخذون» هو الأخذ الشأنيّ وأن المقصود كونه إماماً، ولهذا يسأل عن الأخذ الفعليّ بأنّه عمّن يأخذون حال غيبة الإمام وفقده؟

الثاني: أنّ قول الإمام (عليه السلام): «القائم إمامٌ، ابنُ إمامٍ، يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه» يراد به الأخذ الفعليّ من القائم (عج) قبل قيامه، وعبارة: «قبل قيامه» تشمل فترتين: الغيبة الصغرى من مولده إلى وفاة السفير الرابع، والغيبة الكبرى من وفاة السفير الرابع إلى يوم خروجه وقيامه.

ولا يُراد بـ «قبل قيامه» زمان الغيبة الكبرى؛ لوضوح منافاة الغيبة التامّة مع الأخذ منه (عج)، وقد كانت الشيعة تسأل الإمام عن مرجعيّتهم في زمن الغيبة الكبرى، ففي روايةٍ عن الحارث بن المغيرة، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إنّا نروي بأنّ صاحب هذا الأمر يُفقد زماناً، فكيف نصنع عند ذلك؟ قال: تمسكوا بالأمر الأوّل الذي أنتم عليه حتى يبيّن لكم»[الغيبة للنعماني ص159]، وفي روايةٍ عن عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق (عليه السلام) في سؤاله عن الموقف العمليّ عند وقوع الغيبة الكبرى، وفقدان الشيعة للقائم، فيجيب (عليه السلام): «تمسكوا بما في أيديكم حتى يتضح لكم الأمر» [الغيبة للنعماني ص159]، ما يعني أن مسألة الغيبة الكبرى وفقدان الإمام (عج)، وانسداد باب السفارة الخاصّة فيها كان من المرتكزات لدى الشيعة.

والقرينة على ذلك: أنّ السائل نفسه سأل عمّن يُؤخَذ في زمن الغيبة الكبرى في نفس الرواية تعقيباً على كلام الإمام (عليه السلام)، بقوله: «قلت: أصلحك الله، إذا فَقد الناس الإمام عمّن يأخذون؟»، وهذا يعني أنّ الإمام لم يكن ناظراً في عبارة: «يأخذونه منه.. قبل قيامه» إلى زمن الغيبة الكبرى.

وإنّما يراد بـ «قبل قيامه» زمن الغيبة الصغرى، فإن الشيعة طيلة تلك الفترة، والتي امتدت قرابة تسعٍ وستين سنةً، لم تنقطع عن الإمام (عج) بالكلية، بل كان لها الاتصال معه، واستفتائه والأخذ منه عبر السفراء الأربعة المعروفين، وبهذا الوجه يكون الإمام (عليه السلام) قد أطلق وأراد المقيد، أي: فترة الغيبة الصغرى.

وربّما أمكن حمل قوله (عليه السلام): «قبل قيامه» على الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى معاً، فلا مناص من القول بأنّ المؤمنين يأخذون منه عبر نوّابه الخاصّين في زمن الغيبة الصغرى، وأمّا في الغيبة الكبرى فيأخذون من نوّابه العامّين، أي الفقهاء الجامعون لشرائط الفتيا والذين أرجع إليهم الأئمة (عليه السلام). وبعبارةٍ أخرى: إن الأخذ من الإمام (عج) أعمُّ من أنْ يكون عبر سفراء خاصّين أو عبر آليةٍ يضعها هو بنفسه، فإنّ تأصيله (عج) لأخذ الحلال والحرام بواسطة الفقهاء الذين يبذلون الجهد في تشخيص الوظيفة الفعلية وفق الأدلة والقواعد المقرّرة لهم من قبل أئمة الهدى (عليه السلام) هو من الأخذ منه (عج) كما لا يخفى. وأما إرجاعه (عج) لنا إلى الفقهاء فمعروفٌ، كما جاء في توقيعه الشريف إلى محمد بن عثمان العمريّ السفير الثاني؛ إذ يقول (عج): «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم» [كمال الدين ص483].

الثالث: أن في عبارة: «يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه» اختلالاً، وأنّ أصل العبارة بالنفي والسلب، لا بالإثبات والإيجاب، يعني أنّ أصل العبارة: أنّ الإمام أراد أن يبيّن أنّ القائم (عج) إمامٌ وابنُ إمامٍ، ولكن لمحنة الغيبة وامتحان الناس فإنّهم لا يقدرون أخذ الدين منهم، يعني: إنّ القائم مع أنّه إمامٌ وحجّةٌ لله وينبغي أخذ الدين منه، ولكن الناس (لا يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه) لعدم تمكنهم لأنّه سيكون غائباً عن الناس، وبهذا يكون سؤال الراوي بعد هذا الكلام وجيهاً؛ فإنّه سأل: «قلت: أصلحك الله، إذا فقد الناس الإمام عمّن يأخذون؟» فأجابه الإمام.

وهذا الوجه يستلزم تقدير سقطٍ في أصل الكلام، بأحد نحوين:

1ـ أنّ عبارة: «يأخذون.. قبل قيامه» من كلام الإمام، وأنّ كلمة (لا) سقطت من العبارة، فالأصل فيها: «(لا) يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه». فعلى هذا الاحتمال سقطت كلمة (لا).

2ـ أنّ عبارة: «يأخذون.. قبل قيامه» من كلام الراوي، يعني أنّه يسأل الإمام: «يأخذون.. قبل قيامه» بتقدير همزة الاستفهام، أي: (أيأخذون..)، فأجابه الإمام بـ: (لا)، فالأصل في الرواية هكذا: «القائم إمامٌ ابنُ إمامٍ، [قلتُ:] يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه؟ [قال: لا]، قلت: أصلحك الله، إذا فقد الناس الإمام عمّن يأخذون». وعلى هذا الاحتمال سقطت عدّة كلماتٍ.

والنحو الأوّل أرجحُ؛ لاستلزامه سقوط كلمةٍ واحدةٍ، بخلاف النحو الثاني؛ لاستلزامه سقوط أكثر من كلمةٍ.