هل أثنى الإمام علي (ع) على عمر في نهج البلاغة؟

السؤال: جاء في كتاب: [نهج البلاغة ص473، خطبة رقم 225] - وهو من الكتب المعتبرة عند الإماميَّة -، ما يشير إلى أنَّ علياً كان يقدّر عمر بن الخطاب ويقدّر له جهوده، على عكس ما يعتقده الرافضة. حيث قال عنه: «لله بلاء فلان – يعني عمر– قوم الأود وداوى العمد وأحيى السنة... الخ».

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم – أيدك الله – أنَّ كتاب: «نهج البلاغة» قد جمع فيه الشريف الرضيّ ما نُسب إلى أمير المؤمنين (ع) من خطبٍ وحكمٍ ورسائل، وكانت غايته جمع النتف البلاغيَّة، ورغم أنَّه يحظى بتقديرٍ كبيرٍ بين الإماميَّة، إلَّا أنَّه لم يخلُ من بعض الأمور التي عليها مؤاخذاتٌ كما نبّه على ذلك المحقّقون، فليس كلُّ ما فيه يقطع بثبوته؛ نعم فهو على الإجمال يمكن الوثوق بما تضمنه من خطبٍ ورسائل ومواعظ صحَّت من مصادر موثوقةٍ وبطرقٍ معتبرةٍ. 

وأما النصُّ الوارد في نهج البلاغة الذي يحتجُّ به العامَّة على أنَّ علياً (ع) يعظّم فيه عمر ويقّدر جهوده في إدارة الدولة، فيقع الكلام حوله في أمور: 

الأمر الأوّل: 

لم يُصرَّح في متن الخطبة باسم عمر بن الخطّاب، وإنّما ورد بلفظ: «فلان». وقد اختلف شرّاح كتاب (نهج البلاغة) في تعيين المراد، وقد ذكر بعضُهم: أنّ المراد بذلك مالك بن الحارث الأشتر، الذي كان من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين (ع).

والملاحظ أنّ الوارد في عدد من نسخ نهج البلاغة في عنوان الخطبة المتقدّمة: (ومن كلام له (ع) يريد به بعضَ أصحابه) [ينظر: نهج البلاغة ص350 تحقيق صبحي الصالح، وطبعة مؤسسة الأعلمي ص473، وطبعة جماعة المدرسين ص111]. وفي بعض الطبعات جاءت عبارة: (يريد به بعضَ أصحابه) بين معقوفتين، كما في [طبعة العتبة العباسية ص401، وطبعة مؤسسة الرافد ص466، وطبعة العتبة العلوية ص534]. بل جاء التصريح باسم مالك الأشتر في [طبعة دار العلوم ص472] هكذا: (ومن كلام له (ع) في مالك الأشتر (ره) بعد موته). 

قال المحقّق حبيب الله الخوئيّ: (وعليه، فلا يبعد أن يكون مراده (ع) هو مالك بن الحارث الأشتر، فلقد بالغ في مدحه وثنائه في غير واحد من كلماته) [منهاج البراعة ج14 ص374].

وقال السيّد محمّد رضا السيستانيّ: (فإنْ ثبت اشتمال نسخة الأصل من النهج على العنوان المذكور لم يصحّ أن يكون المعنيّ بـ «فلان» أحد الصاحبين، فإنّهما لا يُعدّان من أصحاب الإمام (ع) كما لعلّه واضح. ومن هنا رجّح بعضُ شرّاح النهج أن يكون المقصود بـ «فلان» هو مالك الأشتر (رض)، والأوصاف المذكورة في النصّ المتقدّم تكاد أن تنطبق عليه بحذافيرها) [قبسات من علم الرجال ج2 ص144 الهامش].

الأمر الثاني: 

أنّ احتمال أن يكون المراد هو عمر بن الخطّاب فهو لا يستلزم المدح والثناء عليه على سبيل الجدّ؛ وذلك لِـما عُلِم من الموقف السلبي لأمير المؤمنين (ع) من خلافة الثاني، الثابت بالأخبار المتواترة والأصول المسلّمة [ينظر: منهاج البراعة ج14 ص374]، وقد وصف (ع) في الخطبة الشقشقيّة حالها بقوله: «صيَّرها [أي الخلافة] في حوزةٍ خشناء، يغلظ كلامها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن اشنق لها خرم، وان أسلس لها تقحم، فمني الناس ـ لعمر الله ـ بخبطٍ وشماسٍ، وتلونٍ واعتراضٍ» [نهج البلاغة ص34].

وقد روت صحاح العامّة عن عمر بن الخطّاب: أنّ أمير المؤمنين (ع) كان يراه «كاذباً آثماً غادراً خائناً» [صحيح مسلم ج5 ص151] وفي بعض ألفاظ الحديث: «ظالماً فاجراً» [صحيح ابن حبان ج7 ص784].

وبناءً عليه، يلزم صرف ظاهر هذه العبارات الواردة في الخطبة – لو كان المكنيّ بـ «فلان» هو عمر – عن ظواهرها المفيدة للمدح والثناء، وجعله من باب الايهام والتورية على ما جرت عليها عادة أهل البيت (ع) في كثير من المقامات. 

وقد أوضح المحقّق حبيب الله الخوئيّ وجوه التورية والتأويل في فقرات هذه الخطبة، يمكن مراجعتها في [منهاج البراعة ج14 ص376 وما بعده].

وقد سأل ابن أبي الحديد المعتزليُّ النقيب أبا جعفر يحيى العلويّ عن هذه الخطبة بقوله: (أيثني عليه أمير المؤمنين (ع) هذا الثناء؟ فقال: نعم، أمّا الإماميّة فيقولون: إنّ ذلك من التقيّة واستصلاح أصحابه. وأمّا الصالحيّون من الزيدية فيقولون: إنّه أثنى عليه حقّ الثناء، ولم يضع المدح إلّا في موضعه ونصابه. وأمّا الجارودية من الزيدية فيقولون: إنّه كلام قاله في أمر عثمان، أخرجه مخرج الذم له، والتنقّص لأعماله، كما يمدح الآن الأمير الميت في أيّام الأمير الحيّ بعده، فيكون ذلك تعريضاً به) [شرح نهج البلاغة ج12 ص4]. 

الأمر الثالث: 

لم ترد الخطبة في مصادر الإماميّة بإسناد متّصل، ليُنظَر ورودها بإسناد متّصل بالثقات، وإنّما وردت في نهج البلاغة فقط، ومن غير إسناد، ولا يخفى أنّ مثل هذا ليس قابلاً للاحتجاج به على الإماميّة. 

بل ولو فُرض وروده بإسناد معتبر، فغاية أمره أنّه ظنيّ الصدور والدلالة والجهة، في حين أنّ الموقف السلبيّ لأمير المؤمنين (ع) من الرجل وخلافته معلوم عندنا بالأخبار المتواترة بل فوق التواتر، فلا مجال للمعارضة أصلاً.

الأمر الرابع: 

بعد مراجعة مصادر العامّة، وجدنا أنّ جزءاً من الكلام المنقول يعود في الأصل إلى امرأةٍ ندبت عمر تدعى «عاتكة ابنة أبي خيثمة». وقد قام المغيرة بنقل هذا الكلام إلى أمير المؤمنين (ع)، وسيتضح ذلك أكثر عندما نتناول المصادر بالتفصيل وإليك أهمّها:

1ـ ما رواه ابن شبة بالإسناد إلى غسان بن عبد الحميد قال: بلغنا أنَّ عبد الله بن مالك بن عيينة الأزديّ حليف بني مطلب قال: (لمّا انصرفنا مع عليٍّ (رضي الله عنه) من جنازة عمر دخل فاغتسل، ثمّ خرج إلينا فصمت ساعةً، ثمّ قال: لله بلاء نادبة عمر، لقد صدقت ابنة أبي خثمة حين قالت: وا عمراه، أقام الأود وأبدأ العهد وا عمراه، ذهب نقي الثوب قليل العيب، وا عمراه أقام السنة وخلف الفتنة، ثم قال: والله ما درت هذا، ولكنها قُوِّلَتْه وصدقت، والله لقد أصاب عمر خيرها وخلف شرها..) [تاريخ المدينة ج3 ص942].

2ـ ما رواه ابن قتيبة بالإسناد إلى المغيرة، أنَّ نادبته قالت: (وا عمراه، أقام الأود وشفى العمد. فقال عليٌّ: أما والله ما قالته، ولكنها قُوِّلَتْه) [غريب الحديث ج1 ص291].

3ـ ما رواه البلاذريّ عن المدائنيّ قال: (لمّا مات عمر (رض) ندبته ابنة أبي حثمة فقالت: واعمراه، أقام الأود وأبرأ العمد، وأمات الفتن وأحيا السنن، واعمراه، خرج من الدنيا نقي الثوب، بريئاً من العيب) [أنساب الأشراف ج10 ص430].

4ـ ما رواه الطبريّ بالإسناد إلى المغيرة بن شعبة قال: لمّا مات عمر بكته ابنة أبي حثمة فقالت: (واعمراه، أقام الأود وأبرأ العمد، أمات الفتن وأحيا السنن، خرج نقى الثوب، بريئاً من العيب. قال: وقال المغيرة بن شعبة: لما دفن عمر أتيت علياً وأنا أحبُّ أنْ أسمع منه في عمر شيئاً، فخرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل وهو ملتحفٌ بثوبٍ، لا يشك أنَّ الامر يصير إليه، فقال: يرحم الله ابن الخطاب، لقد صدقت ابنة أبي حثمة، لقد ذهب بخيرها، ونجا من شرها، أما والله ما قالت، ولكن قُوِّلَتْ) [تاريخ الطبريّ ج3 ص285].

5ـ وما رواه ابن الأعرابيّ بالإسناد إلى عن أبي نجيبة قال: (لمّا أصيب عمر قلت: والله لآتين علياً فلأسمعنَّ مقالته، فخرج من المغتسل فأطرق ساعةً فقال: لله نادبة عمر عاتكة، وهو يقول: واعمراه، مات والله نقي الثوب، مات والله قليل العيب، أقام العوج وأبرأ العهد. واعمراه، ذهب والله بحظها، ونجا من شرها. واعمراه، ذهب والله بالسنة وأبقى الفتنة. قال عليٌّ (رضي الله عنه): والله ما قالت، ‌ولكنَّها ‌قُوِّلَتْ) [معجم ابن الأعرابي ج1 ص82].

6ـ ما رواه ابن عساكر بالإسناد عن أوفى بن حكيم قال: (لمّا كان اليوم الذي هلك فيه عمر خرج علينا عليٌّ مغتسلاً، فجلس فأطرق ساعةً، ثمّ رفع رأسه فقال: لله درُّ باكية عمر، قالت: وا عمراه، قوَّم الأود، وأبرأ العمد، وا عمراه، مات نقي الثوب، قليل العيب، وا عمراه، ذهب بالسنة، وأبقى الفتنة).

وبالإسناد إلى ابن بحينة قال: (لمّا أصيب عمر قلتُ: والله لآتينَّ عليّاً فلأسمعنَّ مقالته، فخرج من المغتسل، فأطمَّ ساعةً، فقال: لله نادبة عمر عاتكة وهي تقول: وا عمراه، مات والله قليل العيب، أقام العوج، وأبرأ العمد. وا عمراه، ذهب والله بحظها، ونجا من شرها. وا عمراه، ذهب والله بالسنة، وأبقى الفتنة. فقال عليٌّ: والله ما قالت، ولكنها قُوِّلَتْ) [تاريخ دمشق ج44 ص458].

أقول: جميع هذه المصادر عاميّة، ولا مجال للاحتجاج بها على الإماميّة، ويلاحظ بشأنها:

1ـ اتّفقت المصادر على أنّ أصل الكلام هو لنادبة عمر، وهي عاتكة ابنة أبي خيثمة. 

2ـ أنّ ما ورد في نهج البلاغة: «لله بلاء فلان» لو أُريد به مالك الأشتر فيمكن أن يكون قد أخذ هذا الكلام وأراد به مالكاً، ولو أُريد به عمر بن الخطّاب فالصواب في العبارة: «لله بلاء نادبة عمر» أو «لله درّ باكية عمر»، وهذا يدل على أنّه كان يتحدّث عن نادبة عمر.

3ـ اختلفت المصادر في قول نادبة عمر، هل ارتضى أمير المؤمنين (ع) كلامها وصّدقها فيه أم لا؟ فالمستفاد مما ورد في «تاريخ دمشق» و«تاريخ ابن شبة» أنّه ارتضى كلامها وصدّقها فيما قالته، بينما في «تاريخ الطبريّ» لم يصدّقها إلّا في الفقرة «لقد ذهب بخيرها، ونجا من شرّها». 

فالقدر الذي لا تختلف فيه المصادر أنّ الإمام (ع) قال في حقّ عمر أو صدّق النادبة بخصوص عبارة: «لقد ذهب بخيرها، ونجا من شرّها»، وأمّا الفقرات الأخرى فالمصادر مختلفة بشأنها. 

وهذه العبارة ليست صريحة في المدح؛ إذ تحتمل الذم أيضاً، بل ذكر بعض الأعلام: أنّها إلى الذمّ أقرب منها إلى المدح، والظاهر أنّ الإمام (ع) اختار التوري بها، وكيف يمدح مَن قال عنه بعد سنوات في الخطبة الشقشقيّة: «صيّرها في حوزة حشناء، يغلظ كلمها، ويخشن مسّها... الخ» [ينظر: قبسات من علم الرجال ج2 ص147 الهامش].

4ـ أنَّ أمير المؤمنين (ع) يؤكّد أنَّ ما صدر من نادبة عمر لم يكن من قولها، وإنما قُوِّلَتْه حيث جاء عند ابن عساكر والطبريّ بلفظ: «والله ما قالت، ولكنَّها قُوِّلَتْ»، وعند ابن شبة: «والله ما درت هذا، ولكنَّها قُوِّلَتْه» أي أنّه ألقي على لسانها التكلم به.

فإنّ هذه العبارة وإنْ احتملت إرادة: ما هي قالته، ولكنَّها ألقي على لسانها، كأنَّ الله جل وعز ألقاه عليه [ينظر: غريب الحديث لابن قتيبة ج2 ص6، الفائق في غريب الحديث ج1 ص65]، ولكن يحتمل أيضاً: استعمال هذا التعبير توريةً بأنّ بعض الإنس أو الجنّ أجرى هذه الكلمات على لسان النادبة. وهذا الاحتمال ليس بعيداً.

وقد صرح السيّد الخطيب أنّه لم يكن من إنشائها، بل من إنشاء المغيرة، وقد علّمه إياها لكي تندب به عمر حيث قال: (ولا يخفى ما في هذه الرواية من حذفٍ يدلُّ عليه سياق الكلام، تقديره: أنَّ المغيرة لمَّا أخبر عليَّاً (عليه السلام) بما سمع من ابنة أبي حنتمة اتّهمه عليّ فيما نقل، فحلف أنّها ما قالت، ولكن قُوِّلَتْ، وفي هذ ما يشعر أنَّ هذا الكلام تقوّله المغيرة على بنت أبي حنتمة) [مصادر نهج البلاغة ج3 ص171].

الخلاصة: إنّ الخطبة لم ترد في مصادر الإماميّة إلّا في كتاب (نهج البلاغة)، مرسلاً غير مسندٍ، فلا مجال للاحتجاج بمثله على الإماميّة، مع أنّ الوارد فيه «فلان» من غير تصريح بالاسم، وقد احتُمل إرادة مالك الأشتر الذي تنطبق عليه الأوصاف المذكورة بحذافيرها، كما احتُمل إرادة عمر بن الخطّاب، ولكنّ ذلك مخالف للأخبار المتواترة التي تبيّن الموقف السلبيّ لأمير المؤمنين (ع) منه، فلو صحّت فهي صادرة على سبيل التورية والتعريض بإرادة خلاف ظاهرها. 

ثمّ إنّ القضيّة وردت في مصادر العامّة، والقدر الذي لا تختلف فيه مصادرهم هو تصديق الإمام (ع) للنادبة في عبارة واحدة، وهذه العبارة غير صريحة في المدح، بل هي أقرب للذم، وحمله على الذمّ يتلاءم مع المعلوم باليقين من الموقف السلبي للأمير (ع).

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.