إمامة الإمام الحسن العسكري (ع)

السؤال: ما هو الدليل على إمامة الإمام أبي محمَّدٍ الحسن العسكريّ (عليه السلام)؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرنا في جوابٍ سابقٍ تحت عنوان (تواتر النصوص على الأئمَّة الاثني عشر) أنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين، وقد أشرنا إلى ذكر جملةٍ كبيرةٍ من كتب الأعلام والمحققين الناقلة لتلك الأخبار مما تجعل الباحث المنصِف على درجةٍ عاليةٍ من التصديق والاطمئنان بذلك.

إذا اتَّضح هذا فنقول:

إنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الإمام العسكريّ (عليه السلام) على أقسامٍ عدَّةٍ يتجاوز مجموعها رتبة التواتر المفيد للعلم واليقين، كما سوف يتَّضح، نذكر شطراً منها، حذراً من التطويل.

القسم الأوَّل: النصوص العامَّة:

وهي ما رُوي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حقِّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) جميعاً، ومنهم الإمام العسكريّ (عليه السلام)، وهي كثيرةٌ أيضاً نذكر منها:

ما رواه الشيخ الخزَّاز بسنده إلى عبد الله بن حسن بن حسن، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ (عليه السلام) قال: «خطب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوماً فقال بعدما حمد الله وأثنى عليه: معاشر الناس كأني أُدعى فأجيب، وإني تاركٌ فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إنْ تمسَّكتم بهما لنْ تضلوا، فتعلَّموا منهم ولا تعلِّموهم، فإنهم أعلم منكم. لا تخلو الأرض منهم، ولو خلت إذاً لساخت بأهلها... إلى قوله: قلتُ: يا رسول الله، فقولك: إنَّ الأرض لا تخلو من حجةٍ؟ قال: نعم، عليٌّ هو الإمام والحجة بعدي، وأنت الحجة والإمام بعده، والحسين الإمام والحجة بعدك، ولقد نبأني اللطيف الخبير أنه يخرج من صلب الحسين غلامٌ يقال له عليٌّ سمي جده عليٍّ، فإذا مضى الحسين قام بالأمر بعده عليٌّ ابنه، وهو الحجة والإمام. ويخرج الله من صلب عليٍّ ولداً سمي وأشبه الناس بي علمه علمي وحكمه حكمي هو الإمام والحجة بعد أبيه، ويخرج الله تعالى من صلبه مولوداً يقال له جعفرٌ أصدق الناس قولاً وعملاً، وهو الإمام والحجة بعد أبيه، ويخرج الله تعالى من صلب جعفرٍ مولوداً يقال له موسى سمي موسى بن عمران (عليه السلام) أشد الناس تعبداً، فهو الإمام والحجة بعد أبيه، ويخرج الله تعالى من صلب موسى ولداً يقال له عليٌّ معدن علم الله وموضع حكمه، فهو الإمام والحجة بعد أبيه، ويخرج الله تعالى من صلب عليٍّ مولوداً يقال له محمَّدٌ، فهو الإمام والحجة بعد أبيه، ويخرج الله تعالى من صلب محمَّدٍ مولوداً يقال له عليٌّ، فهو الإمام والحجة بعد أبيه، ويخرج الله تعالى من صلب عليٍّ مولوداً يقال له الحسن، فهو الإمام والحجة بعد أبيه، ويخرج الله تعالى من صلب الحسن الحجة القائم إمام زمانه ومنقذ أوليائه، يغيب حتَّى لا يرى يرجع عن أمره قومٌ ويثبت عليه آخرون...» [كفاية الأثر ص257].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.

القسم الثاني: النصوص الخاصَّة:

وهي ما رُوي من نصِّ آبائه أو أبيه الإمام الهاديّ (عليه السلام) عليه بالخصوص، نذكر جملةً منها:

1ـ روى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى يحيى بن يسارٍ القنبريّ قال: «أوصى أبو الحسن (عليه السلام) إلى ابنه الحسن قبل مضيِّه بأربعة أشهر، وأشهدني على ذلك وجماعةً من الموالي» [الكافي ج1 ص٣١١].

2ـ وروى أيضاً بسنده علي بن عمرٍ النوفليّ قال: «كنت مع أبي الحسن (عليه السلام) في صحن داره، فمر بنا محمَّدٌ ابنه، فقلت له: جعلت فداك، هذا صاحبنا بعدك؟ فقال: لا، صاحبكم بعدي الحسن» [الكافي ج1 ص325].

3ـ وروى أيضاً بسنده إلى عبد الله بن محمَّدٍ الأصفهانيّ قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): «صاحبكم بعدي الذي يصلِّي عليَّ، قال: ولم نعرف أبا محمَّدٍ قبل ذلك، قال: فخرج أبو محمَّدٍ فصلَّى عليه» [الكافي ج1 ص٣٢٦].

4ـ وروى أيضاً بسنده إلى أبي بكرٍ الفهفكيّ قال: «كتب إليَّ أبو الحسن (عليه السلام): أبو محمَّدٍ ابني أنصح آل محمَّدٍ غريزةً، وأوثقهم حجةً، وهو الأكبر من ولدي، وهو الخلف وإليه ينتهي عرى الإمامة وأحكامها، فما كنت سائلي فسله عنه، فعنده ما يحتاج إليه» [الكافي ج1 ص٣٢٧].

5ـ وروى أيضاً بسنده إلى داوود بن القاسم قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن» [الكافي ج1 ص٣٢٨].

6ـ وروى الشيخ الصدوق بسنده إلى عبد السلام بن صالحٍ الهرويّ قال: «سمعتُ دعبل بن عليٍّ الخزاعيّ يقول: لما أنشدتُ مولاي الرضا (عليه السلام) قصيدتي ... فقال: يا دعبل، الإمام بعدي محمَّدٌ ابني، وبعد محمَّدٍ ابنه عليٌّ، وبعد عليٍّ ابنه الحسن» [عيون أخبار الرضا ج2 ص٢٩٧].

7ـ وروى أيضاً بسنده إلى الصقر ابن أبي دلفٍ قال: «سمعتُ أبا جعفرٍ محمَّد بن عليٍّ الرضا (عليهما السلام) يقول: إنَّ الإمام بعدي ابني عليٌّ، أمره أمري وقوله قولي وطاعته طاعتي. والإمام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه وقوله قول أبيه وطاعته طاعة أبيه» [كمال الدين ص٣٧٨].

8 ـ وروى الشيخ الطوسيّ بسنده إلى أحمد بن عيسى العلويّ من ولد علي بن جعفرٍ قال: «دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) بصريا فسلَّمنا عليه، فإذا نحن بأبي جعفرٍ وأبي محمَّدٍ قد دخلا، فقمنا إلى أبي جعفرٍ لنسلِّم عليه، فقال أبو الحسن (عليه السلام): ليس هذا صاحبكم، عليكم بصاحبكم، وأشار إلى أبي محمَّدٍ (عليه السلام)» [الغيبة ص١٩٩].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.

القسم الثالث: المعاجز والكرامات:

وهي النصوص التي تتضمَّن نقل (المعاجز والكرامات) التي صدرت من الإمام العسكريّ (عليه السلام) والتي تكشف عن كونه حُجةً لله تعالى وإماماً للخلق، نذكر بعضاً منها:

1ـ روى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى أبي هاشمٍ الجعفريّ قال: «شكوت إلى أبي محمَّدٍ ضيق الحبس وكتل القيد، فكتب إليَّ: أنت تصلِّي اليوم الظهر في منزلك، فأُخرجتُ في وقت الظهر فصلَّيت في منزلي كما قال (عليه السلام). وكنت مضيقاً فأردتُ أنْ أطلب منه دنانير في الكتاب فاستحييت، فلما صرتُ إلى منزلي وجَّه إليَّ بمائة دينارٍ وكتب إليَّ: إذا كانت لك حاجةٌ فلا تستحي ولا تحتشم واطلبها، فإنك ترى ما تحب إنْ شاء الله» [الكافي ج1 ص٥٠٨].

2ـ وروى أيضاً بسنده إلى أبي حمزة نصيرٍ الخادم قال: «سمعتُ أبا محمَّدٍ غير مرَّةٍ يكلِّم غلمانه بلغاتهم، تركٌ ورومٌ وصقالبةٌ، فتعجَّبت من ذلك وقلت: هذا وُلِدَ بالمدينة ولم يظهر لأحدٍ حتَّى مضى أبو الحسن (عليه السلام) ولا رآه أحدٌ فكيف هذا؟ أحدِّث نفسي بذلك، فأقبل عليَّ فقال: إنَّ الله (تبارك وتعالى) بَيَّنَ حجته من سائر خلقه بكل شيءٍ، ويعطيه اللغات ومعرفة الأنساب والآجال والحوادث، ولولا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرقٌ» [الكافي ج1 ص٥٠٩].

3ـ وروى أيضاً بسنده إلى الأقرع قال: «كتبتُ إلى أبي محمَّدٍ أسأله عن الإمام هل يحتلم، وقلت في نفسي بعد ما فصل الكتاب: الاحتلام شيطنةٌ، وقد أعاذ الله (تبارك وتعالى) أولياءه من ذلك، فورد الجواب: حال الأئمَّة في المنام حالهم في اليقظة، لا يغيِّر النوم منهم شيئاً، وقد أعاذ الله أولياءه من لمة الشيطان كما حدَّثتك نفسك» [الكافي ج1 ص٥٠٩].

4ـ وروى أيضاً بسنده إلى أحمد بن محمَّدٍ قال: «كتبت إلى أبي محمَّدٍ (عليه السلام) حين أخذ المهتدي في قتل الموالي: يا سيدي، الحمد لله الذي شغله عنا، فقد بلغني أنَّه يتهدَّدك ويقول: والله لأجلينهم عن جديد الأرض. فوقَّع أبو محمَّدٍ (عليه السلام) بخطِّه: ذاك أقصر لعمره، عدْ من يومك هذا خمسة أيامٍ ويُقتَل في اليوم السادس بعد هوانٍ واستخفافٍ يمر به، فكان كما قال (عليه السلام)» [الكافي ج1 ص٥١٠].

5ـ وروى ابن حمزة الطوسيّ عن أبي هاشمٍ الجعفريّ قال: «ركب أبو محمَّدٍ (عليه السلام) يوماً إلى الصحراء، فركبت معه، فبينا نسير، وهو قدَّامي وأنا خلفه، إذْ عرض لي فكرٌ في دَينٍ كان عليَّ، فجعلتُ أفكِّر في أي وجهٍ يكون قضاؤه. فالتفت إليَّ وقال: الله يقضيه. ثمَّ انحنى على قربوس سرجه، فخطَّ بسوطه خطَّةً في الأرض، وقال: يا أبا هاشمٍ، انزل فخذ، واكتم. فنزلتُ فإذا بسبيكة ذهبٍ، قال: فوضعتها في خفِّي وسرنا، فعرض لي الفكر، فقلت: إنْ كان فيها تمام الدين وإلَّا فإني أرضي صاحبه بها، ويجب أنْ ننظر الآن في نفقة الشتاء، وما تحتاج إليه من كسوةٍ وغيرها. فالتفت إليَّ ثمَّ انحنى ثانيةً، وخطَّ بسوطه خطَّةً مثل الأولى، ثمَّ قال: انزل فخذ واكتم. فنزلتُ فإذا بسبيكة فضةٍ فجعلتها في خفِّي الآخر، وسرنا يسيراً، ثمَّ انصرف إلى منزله، وانصرفت إلى منزلي وجلست، وحسبت ذلك الدين، وعرفت مبلغه، ثمَّ وزنت سبيكة الذهب، فخرجت بقسط ذلك الدين، ما زادت ولا نقصت» [الثاقب في المناقب ص٢١٧].

6ـ وروى أيضاً عن علي بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن عليٍّ، قال: «صحبتُ أبا محمَّدٍ (عليه السلام) من دار العامة إلى منزله، فلما صار إلى الدار، وأردت الانصراف قال: أمهل، فدخل ثمَّ أذن لي فدخلت، فأعطاني مائة دينارٍ وقال: صيرها في ثمن جاريةٍ، فإنَّ جاريتك فلانة قد ماتت. وكنتُ خرجت من المنزل وعهدي بها أنشط ما كانت، فمضيت فإذا الغلام قال: ماتت جاريتك فلانة الساعة. قلت: ما حالها؟ قال: شربت ماءً فشرقت، فماتت» [الثاقب في المناقب ص٢١٦].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.

فتحصَّل من جميع ذلك، أنَّ الروايات الدالَّة على إمامة الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين.

والنتيجة النهائية من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ هذه النصوص ـ وغيرها ـ من أوضح الدلائل على إمامة الإمام العسكريّ (عليه السلام).. والحمد لله ربِّ العالمين.