سبب اهتمام الشيعة بالعقيلة زينب (ع)
السؤال: ماذا قدَّمت زينب بنت عليّ للإسلام والمسلمين حتَّى يُصاب الشيعة بكلِّ هذا الهوس بهذه الشخصيَّة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
بدايةً لابدَّ أنْ يُعلم بأنَّ تعظيم شأن العظماء ليس من قبيل «الهوس» أو الإفراط المذموم، بل هو من السلوكيَّات الممدوحة التي جرى عليها عامَّة العقلاء؛ وذلك لما ينطوي عليه من مقاصد ساميةٍ وغاياتٍ راجحةٍ، فإنَّ العظماء بما حازوا عليه من الكمالات، وما قاموا به من أدوارٍ إصلاحيَّةٍ في مجالاتٍ متعدِّدةٍ، صاروا مصاديق حيَّةً لمفهوم القدوة الصالحة والأُسوة الحسنة، ومن الطبيعيّ حينئذٍ استحضار ذكرهم والاحتفاء بسيرتهم، كما هو واضحٌ عند ذوي الأفهام السليمة.
ومن أبرز مصاديق هؤلاء العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام)، فهي من ذرِّية الزهراء (عليها السلام) التي حرَّم الله عليها النار، وهي العالمة غير المعلَّمة، والفهمة غير المفهَّمة، وهي الخَفِرة التي تُفرغ عن لسان أبيها (عليه السلام)، وهي التي أوصى إليها أخوها الحسين (عليه السلام) في الظاهر حفاظاً على المعصوم، وهي المدافِعة عن إمام زمانها في محضر أعتى الطغاة، وغيرها من مظاهر العظمة والسموِّ لهذه الشخصيَّة التي يُعظِّمها الشيعة (أعزَّهم الله تعالى) وينكره السائل عليهم!
إذا بان هذا فنقول: إنَّ من أهمِّ ما قدَّمته الحوراء زينب (عليها السلام) للإسلام والمسلمين هو دورها في معركة الطفِّ وبعدها، تلك المعركة التي أعادت مسار الإسلام إلى نصابه الصحيح بعد أنْ غيَّر الكثير منه الحزب الأمويّ الغاشم، والمتمثّل بالطاغية الأثيم يزيد بن معاوية الذي كان يجاهر بشرب الخمور، وملاعبة الكلاب والقرود، وغيرها من المآثم التي سوَّدت وجه التاريخ.فقد روى محمَّد بن سعدٍ الزهريّ، وفيه قول عبد الله بن حنظلة الغسيل: «يا قوم، اتقوا الله وحده لا شريك له، فو الله ما خرجنا على يزيد حتَّى خفنا أنْ نُرمى بالحجارة من السماء، إنَّ رجلاً ينكح الأمَّهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحدٌ من الناس لأبليتُ لله فيه بلاءً حسناً» [الطبقات الكبرى ج7 ص69، تاريخ دمشق ج27 ص429]، وغيرهما.ومن خلال هذا يتَّضح حجم الانحراف الذي أصاب الأمَّة الإسلاميَّة في عصر الطاغية يزيد (لعنه الله)، كما تتَّضح أهميَّة الدور الذي قام به أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) في معركة الطفِّ الخالدة، ودور الحوراء زينب (عليه السلام) في إبقاء تلك النهضة حيَّةً في وجدان الأمة الإسلاميَّة، وبعد هذا كلِّه يعترض السائل ويستكثر علينا إحياء ذكر العقيلة وربيبة الوحي الإلهيّ!
ولنذكر بعض المواقف التي قامت بها الحوراء زينب (عليها السلام)، في سبيل إبقاء النهضة الحسينيَّة خالدةً مدى الأزمان والعصور، فمنها:
أوَّلاً: خطبتها (ع) في الكوفة:روى الشيخ المفيد بسنده عن حذلم بن ستيرٍ قال: «رأيتُ زينب بنت عليّ (عليهما السلام) ولم أرَ خفرةً قطّ أنطق منها كأنَّها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين (عليه السلام). قال: وقد أومأت إلى الناس أنْ اسكتوا، فارتدَّت الأنفاس، وسكتت الأصوات. فقالت: الحمد لله، والصلاة على أبي رسول الله، أمَّا بعد يا أهل الكوفة ... إلى قولها: ويلكم أتدرون أيّ كبدٍ لمحمَّدٍ فريتم، وأي دمٍ له سفكتم، وأي كريمةٍ له أصبتم؟ لقد جئتم شيئاً إدّاً، تكاد السماوات يتفطَّرن منه، وتنشقّ الأرض، وتخر الجبال هدّاً، ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء طلاع الأرض والسماء. أفعجبتم أنْ قطرت السماء دماً.. قال: ثمَّ سكتت، فرأيتُ الناس حيارى، قد ردُّوا أيديهم في أفواههم» [الأمالي ص320ـ324].
ثانياً: فضحها (ع) لابن زياد:روى الطبريّ بسنده عن حُميد بن مسلمٍ الأزديّ، وفيه قول ابن زياد للحوراء زينب: «الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأكذب أحدوثتكم. فقالتْ: الحمد لله الذي أكرمنا بمُحمَّدٍ وطهَّرنا تطهيراً، لا كما تقول أنت. إنَّما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر. قال: فكيف رأيتِ صنع الله بأهل بيتك؟ قالتْ: كُتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجُّون إليه، وتخاصمون عنده. قال: فغضب ابن زياد واستشاط. قال: فقال له عمرو بن حريثٍ: أصلح الله الأمير، إنَّما هي امرأةٌ، وهل تؤاخذ المرأة بشيءٍ من منطقها، إنَّها لا تؤاخذ بقولٍ ولا تلام على خطلٍ. فقال لها ابن زياد: قد أشفى الله نفسي من طاغيتكِ، والعصاة المردة من أهل بيتكِ. قال: فبكتْ ثمَّ قالتْ: لعمري لقد قتلتَ كهلي، وأبرتَ أهلي، وقطعتَ فرعي، واجتثثتَ أصلي، فإنْ يشفك هذا فقد اشتفيت» [تاريخ الطبري ج5 ص456].
ثالثاً: خطبتها (ع) في الشام:روى ابن طيفور خطبتها في مجلس الطاغية يزيد، وفيه قولها: «أظننت يا يزيد أنَّه حين أُخذ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء، فأصبحنا نساق كما يساق الأسارى أنَّ بنا هواناً على الله وبك عليه كرامة، وإنَّ هذا لعظيم خطرك، فشمختَ بأنفك ونظرت في عطفيك جذلان فرحاً حين رأيت الدنيا مستوسقةً لك، والأمور متَّسقةً عليك، وقد أُمهلت ونفست وهو قول الله (تبارك وتعالى): ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]. أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك نساؤك وإماؤك وسوقك بنات رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، قد هتكت ستورهن وأصحلت صوتهن .... إلى قولها: مع أني والله يا عدوّ الله وابن عدوِّه استصغر قدرك واستعظم تقريعك، غير أنَّ العيون عبرى والصدور حرى» [بلاغات النساء ص25].
رابعاً: فضحها (ع) ليزيد:روى الطبريّ بسنده عن فاطمة بنت عليّ بن أبي طالبٍ، وفيه قولها: «ثمَّ إنَّ رجلاً من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه ـ يعنيني، وكنت جاريةً وضيئةً ـ فأرعدتُ وفرقت، وظننتُ أنَّ ذلك جائزٌ لهم، وأخذتُ بثياب أختي زينب. قالت: وكانت أختي زينب أكبر منّي وأعقل، وكانت تعلم أنَّ ذلك لا يكون، فقالتْ: كذبتَ والله ولؤمت، ما ذلك لك وله، فغضب يزيد، فقال: كذبتِ والله، إنَّ ذلك لي، ولو شئتُ أنْ أفعله لفعلت، قالتْ: كلَّا والله، ما جعل الله ذلك لك إلَّا أنْ تخرج من ملَّتنا، وتدين بغير ديننا. قالت: فغضب يزيد واستطار، ثمَّ قال: إياي تستقبلين بهذا! إنَّما خرج من الدين أبوك وأخوك، فقالتْ زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدِّي اهتديت أنت وأبوك وجدُّك. قال: كذبتِ يا عدوَّة الله، قالتْ: أنت أميرٌ مُسلَّطٌ، تشتم ظالماً، وتقهر بسلطانك، قالت: فو الله لكأنَّه استحيا، فسكتْ، ثمَّ عاد الشاميّ فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية، قال: اعزب، وهب الله لك حتفاً قاضياً» [تاريخ الطبري ج5 ص461].
خامساً: التذكير بالحسين (ع):1ـ روى أبو مخنفٍ بسنده عن قرَّة بن قيسٍ التميميّ قال: «نظرتُ إلى تلك النسوة لما مررت بحسينٍ وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن ... فما نسيتُ من الأشياء لا أنسى قول زينب ابنة فاطمة حين مرَّت بأخيها الحسين صريعاً وهي تقول: يا محمَّداه، يا محمَّداه، صلَّى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء، مرمَّلٌ بالدماء، مقطَّع الأعضاء، يا محمَّداه وبناتك سبايا، وذرِّيتك مقتلةٌ تسفى عليها الصبا. قال: فأبكتْ والله كلَّ عدوٍّ وصديقٍ» [مقتل الحسين ص203].2ـ وروى السيَّد الجزائريّ، فقال: «كانت (عليها السلام) من المقيمين لمجالس العزاء على أخيها الشهيد سيِّد شباب أهل الجنَّة الإمام الحسين (عليه السلام) ومن الداعين إلى ضيافته، وذلك في كلِّ زمانٍ ومكانٍ: عند ورودها إلى كربلاء، وخاصَّةً بعد شهادة أخيها الإمام الحسين (عليه السلام)، وعند دخولها الكوفة وعلى رؤوس الأشهاد، وخاصَّةً في مجلس ابن زياد، وعلى أبواب دمشق الشام، وخاصَّةً في حفل يزيد، وعلى الأخصّ في خرابة الشام، وعند رجوعها من الأسر إلى كربلاء وإقامة ذكرى الأربعين على أخيها الشهيد الإمام الحسين. ثمَّ على مشارف مدينة جدِّها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وفي حرم جدِّها وروضته، وفي بيتها (عليها السلام). وبكلمةٍ واحدةٍ: في كلِّ عمرها وأيام بقائها بعد أخيها الإمام الحسين، وذلك أينما حلَّت ونزلت، فإنَّها كانت المقيمة لعزائه، والداعية إليه» [الخصائص الزينبيَّة ص113].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ تعظيمنا لشخصيَّة الحوراء زينب (عليها السلام)؛ لكونها من أهل الكمالات أوَّلاً، ومن المساهمين في إبقاء النهضة الحسينيَّة خالدةً في ضمير الأجيال، وليس هوساً كما افتراه السائل.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق