هل اختلاف الناس في معرفة الله ينفي وجوده؟
السؤال: إذا كان الربُّ حقيقيّاً، وإذا كان الناس يدركونه، فلماذا يختلف إدراك الناس له؟ عندما ينظر الناس إلى شجرةٍ مثلاً، نتفق جميعاً على ما نراه: ما حجمها، ما شكلها، هل هي مورقةٌ أم لا، وما لون تلك الأوراق... إلخ. ربما سنختلف في نوع الشجرة لتشابهها مع نوعٍ آخر، أو عن موقعها في جدول التطور، وهل يمكن قطعها وتوفير مساحةٍ لبناء استادٍ رياضيٍّ... إلخ. ولكننا جميعاً لن نختلف على وجود الشجرة والحقائق المتعلّقة بها، إلا إذا كنَّا نهلوس أو كنَّا مضطربين أو غير قادرين على الرؤية! ليس هذا الحال مع فكرة الإله، فحتى الذين يؤمنون به لا يتفقون على ماهيته، وماذا يفعل، وماذا يريد منا، وما الذي يفعله وما لا يفعله في الكون! هل هو هو؟ هل يوجد إلهٌ آخر مثله؟ هل هو كائنٌ خارقٌ أم مادّةٌ خارقةٌ لا تنقسم؟ وإذا كان الربُّ موجوداً، سيكون أكبر بكثيرٍ، وأقوى بكثيرٍ، ومؤثرٌ جداً في الكون مقارنةً بشجرةٍ. لماذا نرى جميعاً الشجرة بنفس الطريقة، ولا نرى الربَّ بنفس الطريقة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيمأوَّل ما ينبغي الانتباه إليه أنَّ السؤال يفترض أنَّ إدراك الله يجب أن يكون من نفس نوع إدراك الشجرة، وهذا افتراضٌ خاطئٌ؛ لأنَّ الشجرة شيءٌ مادّيّ حسيّ يقع تحت أدوات الإدراك المباشر: تُرى بالعين، تُلمس، تُقاس، أمَّا الله تعالى فليس موضوعاً حسيّاً حتَّى يُدرك بنفس الآليَّة؛ فالمقارنة هنا بين شيئين من طبيعتين مختلفتين تماماً: بين (مرئيٍّ محسوسٍ) و(حقيقة غيبيَّةٍ متعاليةٍ). ومن هنا ينهار القياس من أساسه؛ لأنَّك لا تستطيع أنْ تطلب من الغيب أنْ يُدرك بأدوات الحسِّ، كما لا تستطيع أنْ تطلب من العقل أن يرى الصوت أو يلمس المعنى.
ثمَّ إنَّ المثال نفسه – الشجرة – لا يسير كما صوّره صاحب الإشكال. نعم، الناس يتّفقون على وجودها من حيث الجملة، لكنَّهم يختلفون في تفسيرها: عالم الأحياء يراها ضمن منظومةٍ بيئيَّةٍ معقدةٍ، والفلاح يراها مصدراً للثمر، والنجار يراها مادَّةً خاماً، والفنان يراها شكلاً جماليّاً. بل حتَّى في العلم نفسه هناك اختلافاتٌ في تفسير نشأتها وتطورها ووظيفتها، إذن الاتفاق الحسيّ لا يلغي الاختلاف في الفهم، وإنَّما يحدّه فقط. أمَّا في القضايا الغيبيَّة والفلسفيَّة – بطبيعتها – يكون مجال الاختلاف أوسع، لا لأنَّ الحقيقة غير موجودةٍ، بل لأنَّ أدوات إدراكها مختلفةٌ.
النقطة الأعمق أنَّ هذا الإشكال يتجاهل حقيقةً واضحةً في كلِّ مجالات المعرفة: الاختلاف في إدراك الشيء لا يعني عدم وجوده. فالناس يختلفون في فهم العدالة، والحبِّ، والوعي، بل وحتَّى في تفسير قوانين الفيزياء الحديثة، فهل يعني ذلك أنَّ هذه الأشياء غير موجودةٍ؟ أم أنَّ الاختلاف ناتجٌ عن محدوديَّة الإدراك البشريّ وتفاوت مستوياته؟ إذا كان هذا مقبولاً في كلِّ المجالات، فلماذا يصبح فجأةً دليلاً على نفي وجود الله؟
ثمَّ إنَّ السؤال يفترض أنَّ الله – لأنَّه أعظم – يجب أنْ يكون أوضح حسيّاً، وهذا أيضاً خلطٌ بين العظمة وقابليَّة الإدراك. في الواقع، كلما كان الشيء أعظم وأعمق، كان إدراكه أعقد، نحن لا نرى «القوانين» التي تحكم الكون، ولا نرى الجاذبيَّة ولا الزمن ولا الوعي، ومع ذلك نؤمن بها من خلال آثارها. فكيف يُطلب من الخالق – وهو أعظم من كلِّ عظيمٍ – أن يكون موضوعاً للرؤية المباشرة كالشجرة؟ هذا ليس دليلاً على غيابه، بل على اختلاف طبيعته.
الأهمُّ من ذلك أنَّ الإشكال يتجاهل أنَّ معرفة الله في الرؤية الدينيَّة لا تقوم على الإدراك الحسيِّ المباشر، بل على منظومةٍ متكاملةٍ: عقلٌ يستدلُّ، وفطرةٌ تشعر، ووحيٌ يوجّه، هذه المنظومة تفسر لماذا يوجد قدرٌ مشتركٌ بين البشر في الإيمان بوجود قوَّةٍ عليا عبر التاريخ، مع وجود اختلافٍ في التفاصيل والتصوُّرات، فالاختلاف هنا لا ينفي الأصل، بل يكشف عن محاولة الإنسان فهم ما هو أعلى من إدراكه المباشر.
وأخيراً، لو سلّمنا بمنطق هذا الإشكال، للزم منه إنكار كلِّ ما لا يُدرك بنفس الدرجة من الوضوح الحسيِّ، وهذا يقود إلى نوعٍٍ من السطحيَّة المعرفيَّة التي تختزل الحقيقة في ما يُرى فقط. بينما الإنسان – في واقعه – يبني أهمَّ قراراته على أشياء لا تُرى: القيم، المعاني، الغايات، الثقة، الحبُّ، كلها غير مرئيَّةٍ، ومع ذلك هي أكثر حضوراً وتأثيراً في حياته من كثيرٍ من الأشياء المادّيَّة.
وفي المحصّلة؛ أنَّ السؤال لا يكشف عن مشكلةٍ في وجود الله، بل عن خطأٍ في نوع السؤال نفسه، فهو يقيس الغيب على الحسِّ، ويجعل الاختلاف في الفهم دليلاً على غياب الحقيقة، ويغفل أنَّ طبيعة الموضوع هي التي تحدد طريقة إدراكه. ولو أُعيد ضبط السؤال بشكلٍ صحيحٍ، لانتقلنا من: «لماذا لا نرى الله كالشجرة؟» إلى سؤالٍ أعمق وأدقّ: «ما هي الأدوات المناسبة لمعرفة ما هو أعمق من الحسِّ؟»، وهنا يبدأ البحث الحقيقيّ.
اترك تعليق