هل يؤدي اختلاف الفهم إلى سقوط مرجعية النص الديني؟
السؤال: معاني مفردات الكلمات تملك تعبيراتٍ وشموليَّةً وعمقاً مختلفاً من بيئةٍ اجتماعيَّةٍ (قبليَّةٍ) إلى أخرى، كما أنَّ معاني مفردات الكلمات تتغيَّر على مرِّ الزمان؛ ذلك يجعل التواصل مع مختلف الفئات المعرفيَّة والاجتماعيَّة عبر الزمان والمكان أمرٌ في غاية الصعوبة يصل إلى حدِّ الإعجاز الذي لا تستطيع عليه إلَّا الآلهة، فلماذا يصبح حجَّةً لتبرير الفشل؟ بمعنى آخر: القول إنَّ ذلك يعني رمي الله بالفشل! إحدى الأمثلة على ذلك اقتبسها من إحدى النقاشات بما يخصّ كلمة (بعل) التي وردت في الآية التي تقول: {أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين}، في الواقع إنَّ كلمة (بعل) أجنبيَّةٌ بابليةٌ فينيقيَّةٌ، وتعني السيّد الأعلى، وكلمة (الله) أيضاً أجنبيَّةٌ سومريَّةٌ بابليةٌ، وتعني السيّد الأعلى، فتصبح الآية بعد ترجمتها: (أتدعون السيّد الأعلى وتذرون أحسن الخالقين) - الذي هو السيّد الأعلى أيضاً -، فتصبح الآية بلا معنى، وخطأ الفهم هنا يقع على صاحب النصِّ، وليس الإنسان. الكاتب طريف سردست.
الجواب: النصُّ الذي بين أيدينا هو مقطعٌ من مقالٍ للكاتب طريف سردست، منشورٌ في موقع الحوار المتمدّن، تحت عنوان: «هل يمكن إصلاح الإسلام أو إصلاح الفكر الإسلاميّ؟». وهو نصٌّ يحاول أنْ يبني إشكاله على العلاقة بين النصِّ الدينيِّ واللغة والفهم، لينتهي إلى نتيجةٍ مفادها سقوط مرجعيَّة النصِّ ذاته. ومن هنا تأتي أهميَّة مناقشته؛ لأنَّ الإشكال المطروح فيه لا يتعلَّق بجزئيَّةٍ محدَّدةٍ، بل يمسُّ الأساس الذي تُبنى عليه فكرة الدين والوحي.
أوَّل ما ينبغي الالتفات إليه أنَّ الكاتب ينطلق من فرضيَّةٍ غير مصرَّحٍ بها بشكلٍ مباشرٍ، لكنَّه يبني عليها كلَّ نتائجه، وهي أنَّ النصَّ الكامل يجب أن يكون واضحاً بنفس الدرجة لكلِّ إنسانٍ، في كلِّ زمانٍ، دون حاجةٍ إلى فهمٍ أو اجتهادٍ أو تراكمٍ معرفيٍّ. وهذه الفرضيَّة، وإن بدت في ظاهرها معقولةً، إلا أنَّها في الحقيقة غير واقعيَّةٍ حتَّى في أبسط مجالات الحياة. فهل يوجد أيُّ خطابٍ إنسانيٍّ – علميٍّ أو فلسفيٍّ أو قانونيٍّ – يُفهم بنفس الدرجة من جميع الناس؟ وهل اختلاف الفهم في الفيزياء أو القانون أو الفلسفة يعني أنَّ هذه العلوم فاشلةٌ أو أنَّ واضعيها أخطأوا في التعبير؟ إنَّ هذا التصوُّر يحمّل اللغة ما لا يمكن أن تتحمَّله، ويحوّل الاختلاف الطبيعيّ في الفهم إلى دليلٍ على فشل النصِّ، وهو انتقالٌ غير مبرَّرٍ.
ثمَّ ينتقل الكاتب إلى نقطةٍ ثانيةٍ، وهي أنَّ تغيُّر معاني الكلمات واختلاف البيئات يجعل التواصل عبر الزمان "أمراً إعجازيّاً لا تقدر عليه إلا الآلهة"، ثمَّ يستنتج من ذلك أنَّ القول بإمكانيَّة فهم النصِّ الدينيِّ لاحقاً هو "رميٌ لله بالفشل". وهنا يقع في مفارقةٍ واضحةٍ؛ لأنَّه من جهةٍ يعترف أنَّ تحقيق هذا النوع من التواصل أمرٌ إعجازيٌّ، ثمَّ من جهةٍ أخرى ينفي تحقُّقه في القرآن دون أن يقيم دليلاً سوى وجود الاختلاف في الفهم. مع أنَّ الاختلاف لا ينفي وجود المعنى، بل يدلُّ على غناه واتِّساعه. فاللغة بطبيعتها تملك مستوياتٍ: مستوى مباشرٌ يفهمه عامَّة الناس، ومستوى أعمق يحتاج إلى تأمُّلٍ وخبرةٍ. وهذا ليس عيباً في النصِّ، بل خاصيَّةٌ من خصائصه.
أمَّا المثال الذي طرحه حول كلمة (بعل)، فهو يكشف خللاً أوضح في المنهج؛ إذ يفترض أنَّ الاشتراك في أصلٍ لغويٍّ قديمٍ يؤدِّي إلى تطابق المعنى داخل السياق القرآنيّ، ثمَّ يبني على ذلك أنَّ الآية تصبح بلا معنى. وهذا خطأ من جهتين؛ الأولى: أنَّ اللغة لا تُفهم عبر أصولها التاريخيَّة فقط، بل عبر استعمالها في السياق الذي ورد فيه، فكلمة (بعل) في العربيَّة كانت تُستعمل بمعنى الزوج أو السيّد، لكنَّها استُعملت أيضاً عَلَماً على صنمٍ معروفٍ عند قوم إلياس، وهو المعنى الذي يدلُّ عليه السياق القرآنيّ بوضوحٍ. والثانية: أنَّ افتراض أنَّ (الله) و(بعل) يحملان الدلالة نفسها داخل النصِّ هو تجاهلٌ للسياق العقديِّ الذي يميِّز بين الإله الحقِّ والمعبود الباطل. فالمشكلة هنا ليست في النصِّ، بل في اقتطاع الكلمة من سياقها وإخضاعها لافتراضٍ لغويٍّ خارجيٍّ.
ثمَّ يأتي الإشكال الأعمق في كلامه، وهو قوله: إنَّ اختلاف الفهم يعني سقوط مرجعيَّة النصِّ؛ لأنَّه لا يوجد "تحكيمٌ موضوعيٌّ". وهذا في الحقيقة تعميمٌ غير دقيقٍ؛ لأنَّ وجود اختلافٍ لا يعني غياب المعايير؛ ففي كلِّ العلوم الإنسانيَّة يوجد اختلافٌ في التفسير، ومع ذلك توجد قواعد تضبط هذا الاختلاف: في اللغة هناك قواعد الاستعمال، في الفقه هناك أصول الاستنباط، في التفسير هناك القرائن والسياقات، وفي المدرسة الشيعيَّة – التي تجاهلها الكاتب – توجد مرجعيَّةٌ علميَّةٌ قائمةٌ على الاجتهاد المنضبط، وليست فوضى مفتوحةً كما صوّر، فغياب "الفهم الواحد المطلق" لا يعني غياب الفهم الصحيح، بل يعني أنَّ الوصول إليه يحتاج إلى أدواتٍ ومعايير.
الأهمُّ من ذلك أنَّ الكاتب خلط بين مستويين مختلفين: مستوى وضوح الرسالة، ومستوى عمق الفهم، القرآن جاء برسالةٍ واضحةٍ في أصولها: التوحيد، العدل، المسؤوليَّة، القيم الأخلاقيَّة الكبرى، وهذه يفهمها الإنسان العاديّ دون تعقيدٍ. أمَّا التفاصيل الدقيقة والامتدادات الفكريَّة فهي مجال الاجتهاد، وهذا ليس نقصاً، بل هو ما يجعل النصَّ حيّاً وقابلاً للتفاعل مع العصور المختلفة. فلو كان النصُّ مغلقاً تماماً على معنىً واحدٍ جامدٍ، لتحوَّل إلى نصٍّ تاريخيٍّ منتهي الصلاحيَّة.
وأخيراً، النتيجة التي يصل إليها عبر مقاله كاملاً – وهي أنَّ "سقوط مرجعيَّة النصِّ هو الإصلاح الحقيقيّ" – ليست نتيجةً منطقيَّةً بقدر ما هي قفزةٌ فلسفيَّةٌ؛ لأنَّ عدم اليقين الكامل في الفهم لا يبرّر إلغاء النصِّ، وإلا لكان علينا أنْ نلغي كلَّ المعارف الإنسانيَّة التي لا نملك فيها يقيناً مطلقاً. الإنسان بطبيعته يعيش في مساحةٍ بين اليقين والاحتمال، ويستخدم أدوات الفهم والترجيح، وهذا لا يعني سقوط المعنى، بل يعني أنَّه كائنٌ يبحث عن المعنى.
وفي المحصّلة؛ أنَّ الإشكال المطروح ليس في الدين ولا في النصِّ، بل في تصوُّرٍ مثاليٍّ للغة والفهم، يُطلب فيه من النصِّ أن يلغي طبيعة الإنسان نفسها، فإذا لم يفعل عُدَّ فاشلاً. بينما الرؤية الأعمق ترى أنَّ النصَّ يخاطب الإنسان كما هو: بعقله المحدود، وتاريخه المتغيِّر، وقدرته على الفهم المتدرِّج، ولذلك يفتح له باب المعنى ولا يغلقه عليه. وهذا هو سرُّ بقائه حيّاً، لا سبب سقوطه.
اترك تعليق