سبب اهتمام الشيعة بأبي الفضل العباس (ع)
السؤال: ماذا قدَّم العبَّاس بن عليّ للإسلام والمسلمين حتَّى يُصاب الشيعة بكلِّ هذا الهوس بهذه الشخصيَّة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لابدَّ أنْ يُعلم بأنَّ تصوير السائل لتعظيم الشيعة (رفع الله شأنهم) لشخصيَّة أبي الفضل العبَّاس بن أمير المؤمنين (عليهما السلام) على أنَّه «هوسٌ» ليس توصيفاً صحيحاً، بل هو ناشئٌ عن جهلٍ في فهم الخلفيَّة الدينيَّة والتاريخيَّة لهذا التعظيم، فنحن نقدِّس العبَّاس (عليه السلام) لما يُمثله من قيمٍ عاليةٍ في الإسلام.فالعبَّاس (عليه السلام) يُمثِّل نموذجاً فريداً في الوفاء والإيثار والثبات على الحقِّ والمبدأ، وقد تجلَّت هذه القيم بأوضح صورها في معاركه التي خاضها مع أبيه أمير المؤمنين، وأخيه الحسين (عليهما السلام).وعليه، فالصحيح أنْ يُقال: إنَّ هذا الاهتمام بشأن أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) هو نوعٌ من الاقتداء العمليّ بالقيم والمبادئ، وليس «هوساً» كما قيل، خصوصاً وأنَّ الإسلام يحثُّ على إحياء سيرة الصالحين والاعتبار بها، كما هو واضحٌ.
إذا بان هذا فنقول: إنَّ ما وصل إلينا ـ وهو أقلّ القليل ـ من تضحيات أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) للإسلام والمسلمين تمثَّل في حضوره ـ بل ومشاركته ـ في بعض حروب أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، تلك الحروب التي كانت تمثِّل خطَّ الفصل بين الحقِّ والباطل، فكان (عليه السلام) فيها ناصراً للحقِّ في مواجهة الباطل. وهذا وحده كافٍ في أنْ يكون سبباً لإحياء ذكره، وتعظيم شأنه، والاحتفاء به في كلِّ عامٍ، إذْ إنَّ في ذلك إظهاراً لمعالم الحقِّ وأهله للأجيال، وكشفاً عن الباطل وأتباعه، كما لا يخفى. وبهذا يتحقَّق ركنا التولِّي والتبرِّي، وهذا بحدِّ ذاته خدمةٌ عظيمةٌ للإسلام وأهله.
كما تمثَّل ـ أيضاً ـ في مشاركته في معركة الطفِّ الأليمة، تلك المعركة التي شكَّلت الحدَّ الفاصل بين الإسلام المحمديّ الأصيل والحكم الأمويّ الجائر القائم على القتل والظلم والاستهتار وانتهاك القيم، بما ينافي تعاليم الدين الحنيف. فكان (عليه السلام) نعم النصير والمعين لنهضة أخيه الإمام الحسين (عليه السلام)، تلك النهضة التي أعادت إحياء الكثير من مفاهيم الإسلام التي طُمِست على يد الشجرة الملعونة في القرآن.
هذا، مضافاً إلى ما أبداه من أروع صور التضحية والفداء في نصرة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وحماية عيال الرسالة، الأمر الذي يدعونا إلى تعظيم شأنه ورفع منزلته، ومن هنا نذكر بعضاً من تلك المواقف المشرِّفة لعلَّ السائل ـ وأمثاله ـ يرعوي عن غيِّه وحقده الدفين لأهل الحقِّ وأصحاب القيم.
1ـ دوره (ع) في معركة صفِّين:فقد جاء في كتاب الكبريت الأحمر في أحداث صفِّين، وفيه: «أنَّه في بعض أيام صفِّين خرج من جيش أمير المؤمنين (عليه السلام) شابٌ على وجهه نقابٌ، تعلوه الهيبة وتظهر عليه الشجاعة، يُقدَّر عمره بالسبع عشرة سنةً، يطلب المبارزة، فهابه الناس، وندب معاوية إليه أبا الشعثاء، فقال: إنَّ أهل الشام يَعدُّونني بألف فارسٍ، ولكن أرسل إليه أحد أولادي، وكانوا سبعةً، وكلما خرج أحدٌ منهم قتله حتَّى أتى عليهم، فساء ذلك أبا الشعثاء وأغضبه، ولما برز إليه ألحقه بهم، فهابه الجمع، ولم يجرؤ أحدٌ على مبارزته، وتعجَّب أصحاب أمير المؤمنين من هذه البسالة التي لا تعدو الهاشميين، ولم يعرفوه لمكان نقابه، ولما رجع إلى مقرِّه دعاه أبوه أمير المؤمنين وأزال النقاب عنه، فإذا هو قمر بني هاشم ولده العبَّاس (عليه السلام)». [كتاب العبَّاس للمقرَّم ص247].ومما يؤكِّد حضوره (عليه السلام) في معركة صفِّين ما رواه الموفَّق الخوارزميّ من أنَّه (كان تامّاً كاملاً من الرجال) [المناقب ص ٢٢٧]. وكذلك المحقّق الفقيه الشيخ فخر الدين الطريحيّ النجفيّ [يُنظر: معالي السبطين ج1 ص431، بطل العلقمي ج2 ص182].
2ـ دوره (ع) في معركة النهروان:فقد جاء في كتاب الخصائص العبَّاسيَّة في أحداث معركة النهروان، وفيه: «إنما عرف أبو الفضل العبَّاس (عليه السلام) بسبع القنطرة، لأنَّه ـ على ما روي ـ قد أبدى من نفسه في حرب النهروان ـ والنهروان بلدٌ من بغداد بأربعة فراسخ ـ جدارةً عاليةً في حراسة القنطرة والجسر الذي كان قد أوكله أبوه أمير المؤمنين (عليه السلام) مع مجموعةٍ من الفرسان بحفظه يوم النهروان من الخوارج، وسجَّل عليه مواقف شجاعةً، وبطولاتٍ هاشميَّةً مشرِّفةً، فإنَّه لم يدع بشجاعته وبسالته جيش الخوارج أنْ يعبروا من عليه، ولا أنْ يجتازوه إلى حيث يريدون، بل صمد أمامهم بسيفه وصارمه، وصدَّهم عما كانوا ينوونه بعزمه وبأسه، ولذلك لما دخل وقت الصلاة، وطلب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ماءً يتوضأ به، أقبل فارسٌ والإمام (عليه السلام) يتوضأ وقال: يا أمير المؤمنين، لقد عبر القوم ـ ويقصد بهم الخوارج ـ وإنَّهم عبروا القنطرة التي أوكل بها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ابنه العبَّاس مع مجموعةٍ من الفرسان، فلم يرفع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إليه رأسه، ولم يلتفت إليه، وذلك وثوقاً منه بشجاعة ولده المقدام أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) الذي أوكله بحفظ القنطرة من سيطرة الأعداء، وأمره بحراستها من عبورهم عليها وتجاوزهم عنها» [الخصائص العبَّاسيَّة ص156].
3ـ دوره (ع) في معركة الطفِّ:وكان لأبي الفضل العبَّاس في معركة الطفِّ الخالدة الدور الأبرز، كما هو واضحٌ، ويكفي في أهميَّة وجوده المبارك أنَّ سيّد الشهداء (عليه السلام) قال حين مقتله: «الآن انكسر ظهري، وقلَّت حيلتي» [مقتل الحسين للخوارزميّ ج2 ص34].ونتيجةً لهذه التضحيات الجسام التي أبداها في واقعة كربلاء، فقد أولاه الإمام المعصوم (عليه السلام) عنايةً خاصَّةً، فقلَّده جملةً من الأوسمة الخالدة، الكاشفة عن علوِّ شأنه ورفعة مقامه، منها:1ـ ما رواه أبو مخنفٍ الأزديّ عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «كان عمُّنا العبَّاس بن عليّ نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبد الله (عليه السلام) وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً» [مقتل الحسين لأبي مخنف ص١٧٦، عمدة الطالب ص٣٥٦].2ـ وما رواه ابن قولويه بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيها: «السلام عليك أيُّها العبد الصالح، المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام)، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه على روحك وبدنك، أَشهد وأُشهد الله أنَّك مضيت على ما مضى عليه البدريّون والمجاهدون في سبيل الله، المناصحون له في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه، الذابُّون عن أحبَّائه، فجزاك الله أفضل الجزاء، وأكثر الجزاء، وأوفر الجزاء، وأوفى جزاء أحدٍ ممن وفى ببيعته، واستجاب له دعوته، وأطاع ولاة أمره. وأشهد أنَّك قد بالغت في النصيحة، وأعطيت غاية المجهود، فبعثك الله في الشهداء، وجعل روحك مع أرواح السعداء، وأعطاك من جنانه أفسحها منزلاً، وأفضلها غرفاً، ورفع ذكرك في علِّيّين، وحشرك مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقاً» [كامل الزيارات ص٤٤١].3ـ وما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن ثابت بن أبي صفيَّة قال: قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): «رحم الله العبَّاس ـ يعني ابن عليّ ـ فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتَّى قُطعت يداه، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنَّة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإنَّ للعباس عند الله (تبارك وتعالى) لمنزلةً يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة» [الخِصال ج1 ص68].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ تقديسنا لشخصيَّة أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) لكونه رمزاً من رموز الوفاء والإيثار، والثبات على الحقِّ والمبدأ، وليس هوساً كما يفتري السائل.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق