هل كان الاهتمام الأساس للأئمة المتأخرين (ع) هو جمع المال؟
السؤال: من الواضح البيّن للفاحص الدّقيق: أنّ الأئمّة المتأخّرين لم يكن اهتمامهم الأساس والأصليّ هو كيفيّة التّطوير الثّقافيّ والدّينيّ لشيعتهم، ومحاولة رأب صدعهم وتوحيد كلمتهم بآليّاتٍ فكريّةٍ دينيّةٍ خالصةٍ، بقدر ما كان الاهتمام الأساس عندهم هو كيفيّة جمع المال منهم حتّى لو كان ذلك بطريقةٍ تُخالف فتاوى آبائهم أيضاً؛ ولهذا كان عموم وكلائهم هم وكلاء في جمع المال. وبضرسٍ قاطعٍ نقول: إنّ كلّ المشاكل الحاصلة في داخل البيت الواحد بعد وفاة أحدٍ من الأئمّة المتأخّرين سببها ما تركوه من أموالٍ ضخمةٍ، وإن حاول المتشاكسون المتصارعون - بما في ذلك الإمام الّلاحق نفسه - إظهاره بعناوين عقديّةٍ أو فكريّةٍ؛ ولهذا نلحظ الصّراعات الطّويلة العريضة بين الأخوة والأعمام بعد وفاة كلّ إمامٍ بسبب الأموال الهائلة الّتي خلّفها، والعناوين والامتيازات والنّفوذ الّذي كان قد أسّس له، لا سيّما عبر شبكة الوكلاء الماليّين. وعليه: فكلّ الاغتيالات الحاصلة في تلك الفترة ممّن يقف الأئمّة أنفسهم ورائها، بل وعموم التّفسيقات الّتي تصدر من الإمام مباشرةً، أو ممّا يُسمّى بالنّاحية المقدّسة لا قيمة عمليّةً مؤثّرةً لها بنفسها في منهجنا الاجتهاديّ في إسقاط وثاقة الشّخص المقصود منها أو التّشكيك في نواياه على الإطلاق، بل هي في جوهرها خلافاتٌ ماليّةٌ وصراعاتٌ من أجل النّفوذ.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا النوع من الكلام لا يقوم على معالجةٍ علميّةٍ دقيقةٍ بقدر ما هو تركيبٌ من دعاوى متفرّقةٍ غير مثبتةٍ، بحيث لا يكون من الضروريّ الدخول في تفصيل كلّ جزئيّةٍ منه، بل يكفي الكشف عن الخلل العامّ في بنائه والمغالطات التي يقوم عليها، فالشبهة المذكورة مثالٌ واضحٌ على ذلك؛ إذ تنطلق من افتراضاتٍ غير مبرهنةٍ، ثمّ تبني عليها نتائج قطعيّةً، من دون أن تمرّ بالمسار الاستدلاليّ الصحيح.
يمكن تلخيص هذه الشبهة في مقدّمتين ونتيجةٍ:
الأولى: إنّ الهدف الأساس للأئمّة المتأخّرين كان جمع المال.
الثانية: ثمّ يُبنى على ذلك: أنّ هذا المال كان سبباً في نشوء صراعاتٍ داخل بيت الإمامة.
النتيجة: أنّ الإمام - باعتبار أنّ دافعه هو المال - كان يواجه خصومه بالفسق أو حتّى التصفية، ومن ثمَّ تُفرَّغ كلّ التقييمات والتفسيقات الصادرة عنه من قيمتها، باعتبارها صادرةً بدافعٍ مصلحيٍّ لا موضوعيٍّ.
نقول: إنّ هذا البناء قائمٌ على افتراضاتٍ غير مثبتةٍ، وتعميماتٍ غير مبرّرةٍ، مع خلطٍ بين المقامات وإسقاط تصوّر الإنسان العاديّ على مقام الإمامة؛ ولذلك، فبطلانه يظهر بوضوحٍ عند تفكيك كلّ حلقةٍ من حلقاته على حدةٍ، وبيان الخلل المنهجيّ والمغالطات الكامنة فيها، دون الحاجة إلى إطالةٍ أو تعقيدٍ.
أمّا بالنسبة إلى المقدّمة الأولى:
فإنّ أصل الإمامة في الرؤية الدينيّة ليس ظاهرةً تاريخيّةً عاديّةً تُفسَّر بدوافع ماديّةٍ أو غيرها، بل هي منصبٌ إلهيٌّ امتدادٌ للنبوّة، يهدف إلى حفظ الدين وعدم خلوّ الأرض من حجّةٍ، والإمام فيها معيَّنٌ من قبل الله ومؤيَّدٌ بالعصمة عقلاً ونقلاً، ومن هنا، فإنّ الإشكالات التي تُوجَّه إلى سلوك الأئمّة بهذا الشكل إنّما تمسّ في حقيقتها أصل الإمامة والعصمة، لا مجرّد تصرّفاتٍ تاريخيّةٍ جزئيّةٍ، وهذا الأصل قد ثبت في مرحلةٍ سابقةٍ بأدلّةٍ مستقلّةٍ، فلا يصحّ نقضه بدعاوى تاريخيّةٍ مضطربةٍ.
وعلى هذا الأساس، فإنّ القول بأنّ الاهتمام الأساس للأئمّة المتأخّرين كان جمع الأموال، دعوىً سطحيّةً تفتقر إلى أيّ دليلٍ معتبرٍ، بل يغفل عن مجمل سيرتهم التي تشهد بالتضحيات الكبيرة، وبناء الكوادر العلميّة، وتربية الفقهاء، وتأسيس نظامٍ دينيٍّ واجتماعيٍّ قادرٍ على الاستمرار، خصوصاً في الظروف القاسية من الملاحقة والضغط السياسيّ. وهذه الوقائع لا تنسجم مع تصويرهم كأصحاب مشروعٍ ماليٍّ، بل تكشف عن مشروعٍ دينيٍّ عميقٍ وممتدٍّ.
كما أنّ هذا الطرح يعتمد على مغالطة المصادرة على المطلوب؛ إذ يفترض ابتداءً أنّ غاية الأئمّة هي جمع المال، ثمّ يفسّر كلّ الوقائع على هذا الأساس، من غير أن يثبت هذا الأصل، وهو ما يجعله استدلالاً دائريّاً.
ويضاف إلى ذلك مغالطة رجل القشّ، وادّعاء الوضوح في مسألةٍ هي في غاية التعقيد التاريخيّ والعقديّ، وهو تبسيطٌ مخلٌّ يتجاهل تشابك العوامل والظروف، فضلاً عن انتقاء جانبٍ واحدٍ من حياة الأئمّة وتضخيمه، مع إهمال بقيّة الأبعاد الأساسيّة في دورهم.
وأمّا بالنسبة إلى المقدّمة الثانية:
فهي بدورها دعوىً تعاني من خللٍ واضحٍ في التصوير والاستدلال؛ إذ تقوم على تعميمٍ متسرّعٍ لا يستند إلى استقراءٍ حقيقيٍّ، حيث يُحكم على كلّ الحالات بأنّها من هذا القبيل، مع أنّ الوقائع التاريخيّة لا تدعم هذا الإطلاق، بل إنّ تصوير هذه النزاعات على أنّها «صراعاتٌ طويلةٌ وعريضةٌ» يوحي بكثرةٍ واسعةٍ، في حين أنّ الموارد المذكورة من الصراعات في بيت الإمامة في التاريخ محدودةٌ جدّاً ولا تتجاوز حالاتٍ معدودةً.
وفوق ذلك، فإنّ هذا التحليل يتجاهل عوامل أخرى لا تقلّ تأثيراً، كالعوامل العقديّة والفكريّة، بل وحتّى النفسيّة، من قبيل الحسد أو التنافس على المكانة، وهي أمورٌ معروفةٌ في طبيعة المجتمعات البشريّة، ولا يمكن إلغاؤها في تفسير مثل هذه الاختلافات، فاختزال جميع هذه التعقيدات في عاملٍ واحدٍ، هو المال، تبسيطٌ مخلٌّ لا ينسجم مع واقع الظاهرة.
ثمّ إنّه حتّى لو سُلّم - جدلاً - بأنّ بعض موارد الاختلاف كان لها ارتباطٌ بالمال أو المنصب، فإنّ ذلك لا ينعكس سلباً على مقام الإمام نفسه؛ لأنّ غاية ما يثبته هو تفسير دافع الطرف الآخر في النزاع، لا أنّ الإمام داخلٌ في صراعٍ مصلحيٍّ، فهناك فرقٌ جوهريٌّ بين من يطلب المال أو المنصب بدافعٍ شخصيٍّ، وبين من يكون صاحب حقٍّ ثابتٍ بحكم منصبه الإلهيّ. وعليه، فإنّ نسبة الصراع إلى الإمام على هذا الأساس خلطٌ بين موقعين مختلفين تماماً.
وأمّا النتيجة التي بُنيت على تلك المقدّمات:
فهي أوضح بطلاناً من مقدّماتها؛ لأنّ فساد الأساس يستلزم فساد ما يُبنى عليه، فقد تبيّن أنّ تلك المقدّمات قائمةٌ على تعميماتٍ متسرّعةٍ وفهمٍ مختزلٍ للتاريخ، فإذا سقطت، سقطت النتيجة بالضرورة.
وفوق ذلك، فإنّ هذا الكلام يكشف عن خللٍ أعمق في فهم حقيقة الإمامة؛ إذ يُصوِّر الإمام وكأنّه فردٌ عاديٌّ تحكمه الدوافع الشخصيّة من طمعٍ أو هوىً أو تنافسٍ دنيويٍّ، بينما الإمام في التصوّر العقديّ هو معصومٌ، وأفعاله قائمةٌ على الهداية والاقتداء، لا على المصالح الشخصيّة. ومن هنا، فإنّ تفسير مواقفه - سواء في التقييم أو الموقف من الأشخاص - بأنّها صراعاتٌ ماليّةٌ، هو في الحقيقة إنكارٌ ضمنيٌّ لمبدأ العصمة، لا مجرّد تحليلٍ تاريخيٍّ.
كما أنّ نسبة مثل هذه الأفعال - كالسعي إلى المال أو التورّط في سفك الدماء لأجله - إلى الإمام، تناقض أصل موقعه الدينيّ ووظيفته القياديّة؛ إذ كيف يُعقل أن يكون من هو قدوةٌ في السلوك والتشريع واقعاً في مثل هذه الدوافع؟ إنّ هذا التصوير لا ينسجم لا مع الأسس العقديّة، ولا مع مجمل السيرة المنقولة، بل يقوم على إسقاط نموذج الإنسان العاديّ على مقامٍ مختلفٍ تماماً في طبيعته ووظيفته.
وبالنتيجة، يتّضح أنّ أصل الإشكال يرجع إلى خللٍ في فهم حقيقة الإمامة والعصمة؛ إذ إنّ الإمام - بما هو معصومٌ - لا يُفسَّر سلوكه بدوافع ماديّةٍ أو طموحاتٍ دنيويّةٍ، ولا يُتعامل معه بوصفه فرداً عاديّاً تحكمه المصالح الشخصيّة، وعليه فلا يصحّ تفسير مواقفه ضمن إطار الصراع على المال، ولا تعميم هذا التفسير على جميع ما وقع في محيطه من أحداثٍ.
ومن جهةٍ أخرى، فإنّ هذا الطرح يفتقر أيضاً إلى الحدّ الأدنى من البناء المنطقيّ في التحليل التاريخيّ؛ إذ يقوم على انتقاء جزئيٍّ لبعض الوقائع، مع إغفال مساحةٍ واسعةٍ من التاريخ وسيرة الأئمّة، ثمّ تعميم هذا الجزء المحدود على الصورة الكلّية، وهذا الأسلوب يؤدّي إلى نتائج مشوّهةٍ؛ لأنّه لا يعتمد على استقراءٍ شاملٍ ولا على تحليلٍ متوازنٍ للمعطيات.
وعليه، فإنّ هذا الكلام - فضلاً عن تعارضه مع الأسس العقديّة - هو أيضاً ضعيفٌ من الناحية المنهجيّة والتاريخيّة؛ إذ هو مشحونٌ بمغالطاتٍ في التعميم، وفي بناء النتائج، وفي تفسير الوقائع، بحيث لا يمكن الاعتماد عليه لا منطقيّاً، ولا تاريخيّاً، ولا عقديّاً.
اترك تعليق