جرائم معاوية المنافية للإسلام
السؤال: هل يمكنكم أن تذكروا لنا الأعمال التي قام بها معاوية وكانت منافية للإسلام؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أخي السائل الكريم أنّ مخالفات معاوية للشريعة الإسلاميَّة كثيرةٌ جدّاً ولا يمكن إحصاؤها في جوابٍ واحدٍ، كما أنّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ فمنها ما خرج به عن عقيدة الملّة والدين، ومنها ما خالف التشريع الإسلاميّ، ومنها ما جانب فيه قيم السماء ومبادئ الإسلام الإنسانيّة وسلوكياته الأخلاقيّة، وقد ذكرنا بعضاً من ذلك في جوابٍ سابقٍ بعنوان: (مثالب معاوية بن أبي سفيان عند العامّة) فليراجع، وها نحن نذكر لك لُمَعاً أخرى منها مقتصرين على جرائمه وكفريّاته:
1ـ توعّده بدفن ذكر النبي (ص) ومحوه من الوجود:
روى قاضي مكّة وعالمها الزبير بن بكّار، وابن أبي الحديد المعتزليّ، وغيرهم عن المطرف بن المغيرة بن شُعبة: عن أبيه: أنّ معاوية قال له في حديثٍ طويلٍ: « ... وإنّ ابن أبي كبشة [يعني النبيّ (ص)] لَيُصاح به كلّ يومٍ خمس مرات: أشهد أنَّ محمداً رسول الله، فأيُّ عمل يبقى؟ وأيُّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟ لا والله إلّا دفناً دفناً » [الموفّقيات ص219، شرح نهج البلاغة ج5 ص129]. وعن ابن أبي الحديد المعتزليّ أيضاً قال: (.. وروى أحمد بن أبي طاهر في كتاب (أخبار الملوك) أنّ معاوية سمع المؤذّن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فقالها ثلاثاً، فقال [أي المؤذّن]: أشهد أن محمداً رسول الله! فقال [أي معاوية]: لله أبوك يا بن عبد الله! لقد كنت عالي الهمّة، ما رضيت لنفسك إلّا أن يُقرن اسمك باسم ربّ العالمين!) [شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص101] ، فانظر أخي القارئ الكريم إلى شدّة حنق معاوية وانزعاجه حين يسمع ذكر النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في الأذان، فهو لا يُطيق أن يشهد له بالنبوّة أو يصلّي عليه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنّما يشتدّ غيظه لأنّ الله نصره وأتمّ له دينه وقرن ذكره بذكره تعالى!.
2ـ شراكته في دم أمير المؤمنين (ع):
فقد شرك في دم أمير المؤمنين (عليه السلام) عن طريق تدبيره لذلك بالاشتراك مع عمرو بن العاص والأشعث بن قيس، وقد عقدنا لذلك جواباً مستقلّاً ومفصّلاً، أوضحنا فيه رأي المحقّقين فليراجع.
3ـ شراكته في دم الإمام الحسن (ع):
من خلال تدبيره لاغتياله (عليه السلام) بالسم بالاشتراك مع ابنه يزيد ومروان بن الحكم والي المدينة آنذاك وجُعيدة بنت الأشعث، كما صرّح بذلك غير واحدٍ من علماء السنّة [ينظر: مقاتل الطالبيّين ص30، تذكرة الخواص ص191، عيون الأنباء ص173، مسالك الأبصار ج9 ص322، التعريف بالأنساب ج1 ص3، ربيع الأبرار ج1 ص438، وغيرهم]، وقد عقدنا لذلك أيضاً جواباً مستقلّاً ومفصّلاً بعنوان: (معاوية يقتل الإمام الحسن (ع))، فلينظر.
4ـ أمره عمّاله بسبّ أمير المؤمنين عليّاً (ع):
أخرج مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلم) فلن أسبَّه، ...» [صحيح مسلم ج7 ص120].
وقد صرّح كثيرٌ من علماء السنّة: بأنّ معاوية كان يسبّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويأمر الناس بسبّه، وأنّه أمرَ سعداً بذلك، ويمكن مراجعة الجواب المنشور بعنوان: (هل أمر معاوية سعد بن أبي وقاص بسبّ الامام علي).
وروى البلاذريّ والطبريّ وابن الأثير: أنّ معاوية لـمّا استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين، دعاه ليوصيه بوصايا، منها أنّ قال له: «.. ولست تاركاً إيصاءك بخصلة: لا تترك شتم عليٍّ وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب لأصحاب عليٍّ والإقصاء لهم، والإطراء بشيعة عثمان والإدناء لهم..» [أنساب الأشراف ج5 ص243، تاريخ الطبريّ ج4 ص187، الكامل في التاريخ ج3 ص472].
هذا.. مع أنّ علماء السنّة رووا في كتبهم الحديثيّة عن أبي عبد الله الجدليّ، قال: «دخلت على أمّ سلمة، فقالت لي: أَيُسَبُّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) فيكم؟ قلت: معاذ الله، أو سبحان الله، أو كلمة نحوها، قالت: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول: من سبَّ عليّاً، فقد سبَّني » [مسند أحمد ج44 ص329، سنن النسائيّ ج7 ص441، المستدرك ج6 ص36]، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وقال الأرنؤوط: (إسناده صحيح)، وقد أجمع علماء الفريقين قاطبة – شيعةً وسنّة - على كفر مَن يسبُّ رسوله الله (صلّى الله عليه وآله) وأنّ حكمه القتل بلا خلاف في ذلك [ينظر: الصارم المسلول ص4، جواهر الكلام ج41 ص432]، وللمزيد ينظر جواب سابق بعنوان: (هل معاوية مسلمٌ أم كافرٌ أم منافقٌ أم باغٍ؟).
5ـ دعوته الناس إلى البراءة من عليّ (ع) أو قتلهم:
فقد قتل معاوية الكثير من المسلمين صبراً بعدما دعاهم للبراءة من أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) فأبوا عليه؛ فمن ذلك - مثلاً - قتله الصحابيّ الجليل حجر بن عديّ الكنديّ المشهور بالخير والصلاح وأصحابه الستّة، قال ابن خلدون: (وتوضأ حجرٌ وصلّى.. فقتلوه وقتلوا ستّةً معه، وهم: شريك بن شداد، وصيفى بن فضيل، وقبيصة بن حنيفة، ومحرز بن شهاب، وكرام بن حبان، ودفنوهم، وصلّوا عليهم بعبد الرحمن بن حسان العنزيّ، وجيء بكريم بن الخثعميّ إلى معاوية، فطلب منه البراءة من عليّ، فسكت، واستوهبه سمرة بن عبد الله الخثعميّ من معاوية، فوهبه له على أنْ لا يدخل الكوفة، فنزل إلى الموصل، ثمّ سأل [أي معاوية] عبد الرحمن بن حسان، عن عليٍّ فأثنى خيراً، ثمّ عن عثمان، فقال: أوّل من فتح باب الظلم وأغلق باب الحقّ، فردّه إلى زياد ليقتله شرَّ قتلة فدفنه حيّاً وهو سابع القوم) [تاريخ ابن خلدون ج3 ص13، سير أعلام النبلاء ج3 ص462، العواصم من القواصم ص219].
وقد روى العامّة في ذلك بإسنادهم عن ابن لهيعة قال: «لَمّا حجّ معاوية دخل على عائشة فقالت له: يا معاوية قتلت حجراً وأصحابه؟ والله لقد قتلتَ بمرج عذراء سبعة نفرٍ يغضب الله لهم وأهل السماء. فقال: يا أم المؤمنين، لم يحضرني رجلٌ رشيدٌ» [تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص231، مرآة الزمان ج7 ص237]
6ـ إشاعته الإرهاب وسفكه دماء المسلمين صغاراً وكباراً:
فمن المعروف لدى جميع المسلمين - ونصّ عليه الكثير من علماء السنّة - أنّ معاوية قد جعل بسر بن أرطاة قائداً على جيشٍ جرّار، ووجهه نحو الحجاز والمدينة ومكّة واليمن، فأعمل في أهلها السيف وارتكب جرائم لم يشهدها تاريخ المسلمين من قبل، وفي ذلك يقول ابن ابي الحديد: (دعا بسر بن أبي أرطاة - وكان قاسي القلب فظّا سفّاكاً للدماء، لا رأفة عنده ولا رحمه -، فأمره أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكّة حتّى ينتهى إلى اليمن، وقال له: لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليٍّ إلّا بسطت عليهم لسانك، حتى يروا أنّهم لا نجاء لهم، وأنّك محيط بهم ثمّ اكفف عنهم، وادعهم إلى البيعة لي ، فمَن أبى فاقتله، واقتل شيعة عليٍّ حيث كانوا) [شرح نهج البلاغة ج2 ص6، وينظر: تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص197].
وقد أقام بسر شهراً في المدينة فسفك فيها الكثير من دماء الصحابة والتابعين ومن شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) فلا يقال له هذا ممن أعان على عثمان إلّا قتله، وكان يقول: (يا أهل المدينة، لولا عهد أمير المؤمنين ما تركت بها محتلماً إلّا قتلته)، وقتل في اليمن خلقاً كثيراً وأعمل الذبح فذبح سبعين شيخاً، وذبح بعض الأطفال على درج القصّابين أمام أنظار أمهاتهم كما فعل ذلك بولدي عبيد الله بن العباس وأمهم تنظر إليهم حتّى جُنّت وهامت على وجهها [ينظر: تاريخ الإسلام ج5 ص369، والبداية النهاية ج10 ص682، المقفّى الكبير ج2 ص241].
7ـ سبي جيوشه للنساء المسلمات وبيعهن في الأسواق:
فقد فعلت جيوش معاوية ما لم يسبق لجيشٍ إسلاميٍّ فعله على الإطلاق، حيث سُبيت النساء المسلمات اللواتي أسرهنّ بسر بن أرطاة من قبيلة همدان وكذلك نساء من أهل اليمن، ثمّ قام بعرضهنَّ في الأسواق للبيع، وقد روى ذلك غير واحدٍ من علماء السنّة بلا نكير، منهم ابن أبي شيبة وابن عبد البرّ والذهبيّ والصفديّ، وغيرهم [ينظر: المصنّف لابن ابي شيبة ج21 ص385، الاستيعاب ج1 ص161، تاريخ الإسلام ج5 ص369، الوافي بالوفيات ج10 ص82]
8ـ إحراقه بيوت المسلمين وهدم أخرى:
فقد قام قائد جيوش معاوية بسر بن أرطاة بإحراق دور الكثير من المسلمين في المدينة المنوّرة حتّى الصحابة منها دار زرارة بن حرون - أحد بني عمرو بن عوف -، ودار رفاعة بن رافع الزرقيّ، ودار لابن أبي أيوب الأنصاريّ وغيرها، كما قام بهدم دور أكثر منها [ينظر: شرح نهج البلاغة للمعتزليّ ج3 ص10، البداية النهاية ج10 ص682]،
9ـ سلب أموال المسلمين وأمتعة حُجّاج البيت الحرام:
فعن ابن مسعدة - القائد العامّ لجيوش معاوية - قال: (... فعند ذلك دعا معاوية الضحّاك بن قيس الفَهري وقال له: سِر حتّى تمرّ بناحية الكوفة وترتفع عنها ما استطعت، فمن وجدته من الأعراب في طاعة عليٍّ فأغر عليه، وإن وجدت له مَسلحة أو خيلاً فأَغِرْ عليهما، وإذا أصبحت في بلدةٍ فأَمسِ في أخرى، ولا تقيمنَّ لخيلٍ بلغك أنها قد سرّحت إليك لتلقاها فتقاتلها، فسرّحه فيما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف جريدة خيلٍ [الجريدة: هي المجموعة] قال: فأقبل الضحّاك يأخذ الأموال ويقتل من لقي من الأعراب حتّى مر بالثعلبيّة فأغار خيله على الحاجّ فأخذ أمتعتهم، ثمّ أقبل فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الذهليّ وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة وقتل معه ناساً من أصحابه) [الغارات ج2 ص422، شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص116].
10ـ قتله جماعةً من الصحابة ومن التابعين:
فقد قتل معاوية جماعةً كثيرة من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن التابعين لهم من خيار المسلمين؛ إمّا حقداً عليهم أو حرصاً على الملك، منهم: سعد بن أبي وقّاص، ومالك الأشتر، وصعصعة بن صوحان، ومحمّد بن أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر، وقد روى البخاريّ وابن أبي عاصم والطبرانيّ بأسانيد مختلفة عن مروان بن الحكم، وسعيد بن المسيّب، وعن القاسم واللفظ له قال: «قدم معاوية المدينة فاستأذن على عائشة فأذنت له وحده، ولم يدخل معه أحد، فلما دخل قالت عائشة: أكنت تأمن أن أُقعد لك رجلاً فيقتلك كما قتلت أخي محمد بن أبي بكر؟ قال: ما كنتِ تفعلين ذلك. قالت: لِـمَ؟ قال: إنّي في بيتٍ آمن. قالت: أجل» [التاريخ الأوسط ج1 ص95، الآحاد والمثاني ج1 ص474، المعجم الكبير ج9 ص319].
هذا فضلاً عمّن قتلهم في صفّين وحدها حيث بلغ عددهم – كما يُنقل - نحو خمسة وعشرين ألفاً من جيش أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفيهم أكثر من مئةٍ من الصحابة، منهم خمس وعشرون بدريّاً وعلى رأسهم عمّار بن ياسر وأبو الهيثم بن التيّهان، وخزيمة بن ثابت الأنصاريّ (ذو الشهادتين)، وثابت بن عبيد الأنصاريّ، وأبو فضالة الأنصاريّ وغيرهم، ومن التابعين أويس القرنيّ، ومن عجائب معاوية أنّ عمرو بن الحمق الخزاعيّ قد هرب منه فحبس زوجته لسنتين وبعث من يطارده حتّى عثروا عليه ميتاً فقطعوا رأسه وأرسلوه إلى مروان بن الحكم فأرسله إلى معاوية فنصبه للناس ليتفرّجوا عليه، ثمّ بعث به إلى زوجته في الحبس، فكان أوّل رأس حُمل في الإسلام من بلد لآخر!.[ينظر: التاريخ ألأوسط ج1 ص105، أنساب الأشراف ج5 ص282].
هذا غيض من فيض وما خفي كان أعظم، والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق