هل شرب معاوية الخمر؟
هل ثبت أنَّ معاوية كان يشرب الخمر؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم ـ عزيزي السائل ـ أنَّ لبعضٍ من الصحابة تاريخاً حافلاً مع الخمر والنبيذ، إذْ ثبت في جملةٍ من الكتب والمصادر: أنَّ البعض تاجر ببيعها فضلاً عن شربها، فقد ورد: أنَّ سمرة بن جندب قد باع الخمر [يُنظر: صحيح البخاريّ ج2 ص774، صحيح مسلم ج5 ص41].
كما روي: أنَّ أبا جندل بن سهيل بن عمرو، وضرار بن الخطَّاب المحاربيَّ، وأبا الأزور - وهم من أصحاب النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) - قد شربوا الخمر [يُنظر: مصنَّف عبد الرزاق ج8 ص540، الإصابة في تمييز الصحابة ج7 ص9].
كما ورد: أنَّ بعضهم جُلِد في الخمر زمن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) [يُنظر: صحيح البخاريّ ج6 ص2489]. كما ورد: أنَّ الثاني عند موته شرب النبيذ [يُنظر: صحيح البخاريّ ج3 ص1354]، والتاريخ حافل بمثل ذلك، كما لا يخفى على المطالِع.
وممَّن مضى على سيرة هؤلاء معاوية بن أبي سفيان؛ إذْ ثبت في المصادر أنَّه شرب الخمر بعد تحريمها، بل وتاجر ببيعها أيضاً، وإليك التفصيل في أمرين:
الأمر الأوَّل: شرب معاوية الخمر:
روى أحمد بن حنبل ـ واللفظ له ـ وابن أبي شيبة وابن عساكر، بإسناد معتبر عن عبد الله بن بريدة، قال: «دخلتُ أنا وأبي على معاوية، فأجلسنا على الفرش، ثمَّ أُتِينا بالطعام، فأكلنا، ثمَّ أُتِينا بالشراب، فشرب معاوية، ثمَّ ناول أبي، ثمَّ قال: ما شربتُه منذ حرَّمه رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم).
ثمَّ قال معاوية: كنتُ أجمل شباب قريش، وأجوده ثغراً، وما شيء كنتُ أجد له لذة كما كنت أجده ـ وأنا شاب ـ غير اللبن، أو إنسان حسن الحديث يحدِّثني) [مسند أحمد ج5 ص347، مصنف ابن أبي شيبة ج17 ص109، تاريخ دمشق ج27 ص127].
وحكم جمعٌ من العلماء والمحقِّقين على إسناد هذا الحديث بالقوَّة والحُسن، قال الهيثميُّ: (رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح...) [مجمع الزوائد ج5 ص42]، وقال مقبل الوادعيُّ: (هذا حديث حسن) [الصحيح المسند ج1 ص145]، وقال شعيب الأرنؤوط وغيره: (إسناده قويٌّ) [مسند أحمد ج38 ص25]، وقال سعد الشثريُّ: (حسن) [المصنف ج17 ص109].
ودلالته واضحة على أنَّ معاوية شرب الخمر، فإنَّ قول معاوية ـ بعد شربه الشراب ـ: «ما شربتُه منذ حرَّمه رسول الله» قرينةٌ واضحةٌ على أنَّه شربَ الخمر، وأنَّه كان عالماً بتحريم النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وهذا ما فهمه علماء أهل السنَّة، ولهذا اضطربوا في توجيهه، فذكر أحمد البنا الساعاتيّ: أنَّه (يحتمل أنَّ هذا الشراب كان من النبيذ المأخوذ من غير العنب، وأنَّ معاوية شرب منه قَدْراً لا يُسكر) [الفتح الربانيُّ ج17 ص115]، وهذا ـ كما ترى ـ توجيهٌ سخيفٌ؛ إذ صرَّح معاوية نفسه بأنَّ ما شربه هو مـمَّا حرَّمه النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله). واضطرَّ بعضُهم لحذف هذه العبارة الدالَّة على شرب المسكر فاستراح بذلك عن تكلُّف التوجيهات البعيدة، كما صنع الهيثميُّ ـ تبعاً لابن أبي شيبة ـ، وقد صرَّح بذلك قائلاً: (رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، وفي كلام معاوية شيءٌ تركتُه) [مجمع الزوائد ج5 ص42].
الأمر الثاني: تجارة معاوية بالخمر:
وأمَّا تجارة الخمر فقد روى أبو سعيد الشاشيّ بسنده عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه: «أنَّ عبادة بن الصامت مرَّت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر، فقال: ما هذه؟ أَزَيْتٌ؟ قيل: لا، بل خمر تُبَاع لفلان، فأخذ شفرة من السوق فقام إليها ولم يذر منها راوية إلَّا بقرها، وأبو هريرة إذْ ذاك بالشام، فأرسل فلانٌ إلى أبي هريرة فقال: ألا تمسك عنَّا أخاك عبادة بن الصامت، أمَّا بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمَّة متاجرهم، وأمَّا بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلَّا شتم أعراضنا وعيبنا، فأمسِكْ عنَّا أخاك، فأقبل أبو هريرة يمشي حتَّى دخل على عبادة فقال: يا عبادة، ما لك ولمعاوية؟ ذَرْهُ وما حمل، فإنَّ الله يقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 134]، قال: يا أبا هريرة، لم تكن معنا إذْ بايعنا رسول الله (صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم)؟ بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل... فكتب فلانٌ إلى عثمان بالمدينة: أنَّ عبادة بن الصامت قد أفسد عليَّ الشام وأهله، فإمَّا أنْ يكفَّ عنَّا عبادة بن الصامت، وإمَّا أنْ أخلِّي بينه وبين الشام..» [مسند الشاشيّ ج3 ص172، تاريخ دمشق ج26 ص197].
أقول: وهذا الخبر معروفٌ مشهورٌ، تلاعب محدِّثو المخالفين به كثيراً، فكنُّوا عن (معاوية) بـ(فلان) ـ كما تقدَّم ـ، وقطَّعوا الخبر قطعاً متناثرةً في مواضع مختلفة لئلَّا تُعلَـم مجرياته، ولا يسع المجال لبسط الكلام، ونكتفي بذكر شاهد واحد، وهو ما نقله البيهقيُّ بإسناده عن إسماعيل عن أبيه: «قدمت روايا خمر، فأتاها عبادة بن الصامت، فخرقها، وقال: إنَّا بايعنا رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) على السمع والطاعة في النشاط والكسل..» [دلائل النبوَّة ج2 ص451]، فيلاحظ أنَّه لَـم يبيِّن مكان قدوم روايا الخمر، ولا صاحبها، ولا أنَّ معاوية أرسل له أبا هريرة ليكلِّمه، ولا المخاطَب بقول عبادة: «وقال: إنَّا بايعنا رسول الله..»، ولا غير ذلك، ونقله ابن كثير وعقَّب عليه بقوله: (وهذا إسناد جيِّد قوي، ولم يخرجوه) [البداية والنهاية ج4 ص409].
وذكر ابن حجر العسقلانيُّ: قال ابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن السكن: روى عنه محمَّد بن كعب، وأخرج الحسن بن سفيان في مسندة، وابن قانع، وابن مندة، من طريق ابن إسحاق، عن بريدة بن سفيان، عن محمَّد بن كعب القرظي، قال: «غزا عبد الرحمن بن سهل الأنصاريُّ في زمن عثمان، ومعاوية أميرٌ على الشام، فمرَّت به روايا خـمر، فقام إليها برمحه فنقر كلَّ راوية منها، فناوشه الغلمان حتَّى بلغ شأنه معاوية، فقال: دعوه، فإنه شيخٌ قد ذهب عقله، فبلغه، فقال: كلَّا والله، ما ذهب عقلي، ولكنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) نهانا أنْ نُدخل بطوننا وأسقيتنا خمراً...» [الإصابة ج4 ص264].
وقال ابن أبي الحديد في معاوية: (إنَّه كان كثير الهزل والخلاعة، صاحب جلساء وسمار، ومعاوية لم يتوقَّر، ولم يلزم قانون الرياسة إلَّا منذ خرج على أمير المؤمنين، واحتاج إلى الناموس والسكينة وإلَّا فقد كان في أيام عثمان شديد التهتك، موسوماً بكلِّ قبيح، وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلاً خوفاً منه، إلَّا أنَّه كان يلبس الحرير والديباج، ويشرب في آنية الذهب والفضَّة، ويركب البغلات ذوات السروج المحلَّاة بها، وعليها جلال الديباج والوشي، وكان حينئذٍ شاباً، وعنده نزق الصبا، وأثر الشبيبة وسكر السلطان والإمرة، ونقل الناس عنه في كتب السيرة: أنَّه كان يشرب الخمر في أيام عثمان في الشام، وأمَّا بعد وفاة أمير المؤمنين واستقرار الأمر له فقد اختلف فيه، فقيل: أنه شرب الخمر في ستر، وقيل: إنه لم يشربه، ولا خلاف في أنَّه سمع الغناء وطرب عليه، وأعطى ووصل عليه أيضاً) [شرح نهج البلاغة ج16 ص ١٦١].
والنتيجة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ معاوية بن أبي سفيان قد شرب الخمر بعد تحريمه، كما أنَّه تاجر ببيعه.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق