هل مُعاوية خال المؤمنين؟

هل ثبت أنَّ مُعاويةَ خالُ المؤمنين؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم ـ عزيزي السائل ـ بأنَّ سيِّد الحفَّاظ عند العامَّة، والإمام الأكبر، وشيخ الإمام أحمد والبخاريّ ومسلم وغيرهم إسحاق بن راهويه المروزيّ [ت٢٣٨هـ]، يصرِّح بعدم صحَّة شيءٍ في فضل معاوية بن أبي سفيان. فقد نقل الذهبيُّ عن الأصمّ، عن أبيه، أنه سمع إسحاق بن راهويه يقول: (لا يصحُّ عن النبيِّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) في فضل معاوية شيء) [سير أعلام النبلاء ج3 ص132، فتح الباري ج7 ص104].

إذا عرفت هذا، فاعلم أنّه لم يرد في الكتاب ولا في السنة تسمية مُعاوية بخال المؤمنين، وإنما أطلقه البعض عليه، باعتبار أنَّ أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان كانت زوجةً للنبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، ولما كانت من أمَّهات المؤمنين صار معاوية خالهم من باب المقايسة وحسب!!

ولعلَّ الأصل في ذلك: ما رواه ابن مسكويه الرازيُّ حيث قال: (وكان أسر معاوية ـ في أسارى كثيرين ـ رجلاً من أود يقال له: عمرو بن أوس، قاتل مع عليٍّ، فهمَّ بقتل الجميع. فقال له عمرو بن أوس: إنَّك خالي، فلا تقتلني! وقامت بنو أود، فقالوا: هَبْ لنا أخانا. فقال: دعوه، لعمري لئن كان صادقاً، ليستَغنِيَنَّ عن شفاعتكم، ولئن كان كاذباً لتأتينَّ شفاعتكم من ورائه. فقال له: من أين صرتُ خالك، وما كان بيننا وبين أود مصاهرة؟ قال: فإنْ أخبرتك، فهو أماني عندك؟ قال: نعم. قال: ألستَ تعلم أنَّ أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) أمُّ المؤمنين؟ قال: بلى. قال: فإنِّي ابنها، وأنت أخوها، فأنت خالي! قال معاوية: ماله لله أبوه، أما كان في هؤلء، من يفطن لها غيره؟ ثمَّ قال للأوديين: استغنى عن شفاعتكم، فخلُّوا سبيله. وتمَّت لمعاوية، وخوطب: خال المؤمنين) [تجارب الأمم ج1 ص546].

وروى أبو بكر الخلَّال: أنَّ أبا طالب حدَّثهم بأنه سأل أحمد بن حنبل هل (يقال لمعاوية خال المؤمنين، وابن عمر خال المؤمنين؟

قال: نعم، معاوية أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان، زوج النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) ... وابن عمر أخو حفصة زوج النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) ... قلتُ: أقول: ‌معاوية ‌خال ‌المؤمنين؟ قال: نعم) [السنة ج2 ص433 وص434].

ولنا على هذا المذكور بعض الملاحظات نذكرها ضمن أمرين:

الأمر الأوَّل: لقد عرفت آنفاً بأنَّ وصف (خال المؤمنين) لم يرد في الكتاب والسنة، ولذلك فلا قيمة له أصلاً، وقد صرَّح بهذا أبو الفتح الكراجكيُّ في كتابه [التعجُّب ص104]، والمحقِّق حسن بن علي السقَّاف في تحقيقه لكتاب [دفع شُبه التشبيه ص241] لابن الجوزيّ، وغيرهما.

الأمر الآخر: إنَّ المقايسة المذكورة باطلةٌ وغير صحيحة، باعتبار أنَّ أمومة المؤمنين لنساء النبي (صلَّى الله عليه وآله) من جهة التزويج فقط؛ ولذلك فهي مختصَّة بالرجال دون النساء، وبهذا تكون الحرمة مختصةً بهنَّ فقط، وإلَّا لكان للمؤمنين أعمام وعمَّات وأخوال وخالات وأجداد وجدَّات، وهلمَّ جراً.

قال أبو عثمان الجاحظ: (وأمَّا قولهم: ‌خال ‌المؤمنين، فأنَّه إنما يكون خالاً لو كانت أم حبيبة أمَّاً للمؤمنين من طريق النسب لا من طريق تحريم النكاح والتعظيم لحقوق الرسول محمَّد (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، ولو كان قولهم قياساً مقبولاً وتأويلاً معقولاً لكان أبو بكر وعمر وأبو سفيان أجداداً للمسلمين، ولكان جميع ولد أبي بكر وعمر أخوالاً للمسلمين، ولكان سالم بن عبد الله ابن خال المسلمين، وهذا حمل باطلٌ، والاحتجاج به سَفَهٌ، والقائل به إمَّا ساقط العقل، وإمَّا ظاهر العبث. وإنْ كان معاوية قد كان سكن إلى هذا القول ـ وكان هذا القول قد قيل في تلك الأيَّام ـ فما كان ذلك منه إلَّا من خوفٍ شديدٍ وحاجةٍ مفرطة، ولو كان للمسلمات خالاً لما جاز له أنْ يَنكِحَهُنَّ، وهذا رأيٌّ ساقطٌ ومذهبٌ فاضح) [ينظر: الرسائل السياسيَّة ص345].

وقال المحقّق حسن بن علي السقَّاف: (فأمَّا قول: خال المؤمنين، فليس بصحيحٍ البتة؛ وذلك لأنه لم يرد ذلك في سنةٍ صحيحةٍ أو أثر، وعلى قولك هذا في الخؤولة يكون حييُّ بن أخطب اليهوديُّ جدَّ المؤمنين؛ لأنه والد السيِّدة صفية زوجة النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، وليس كذلك) [يُنظر: دفع شُبه التشبيه ص241].

والنتيجة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ لقب (خال المؤمنين) لم يثبت عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وإنما جاء نتيجة مقايسةٍ باطلةٍ وغير صحيحة.. والحمد لله ربِّ العالمين.