هل كان أبو سفيان بخيلاً؟
هل كان أبو سفيان ـ صخر بن حرب ـ رجلاً بخيلاً؟
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبو سفيان هو (صخر بن حرب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، مات وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنة، وُلد قبل عام الفيل بعشر سنين، وتُوفِّي سنة اثنتين وثلاثين بالمدينة، ودُفن بالبقيع، وقيل: سنة إحدى وثلاثين. وكان رجلًا رَبْعَةً دَحْدَاحًا عظيم الهامة، أعمى، أُصيب بإحدى عينيه يوم الطائف) [الآحاد والمثاني ج1 ص363]، وكان (دَميمًا قصيرًا) [ربيع الأبرار ج4 ص276]، كما كان من (زَنَادِقَةِ قريش) [المحبَّر ص161].
ثمَّ لا بأس أنْ يُعلم أنَّ الإنسان تارةً يكون بخيلًا وأُخرى يكون شحيحًا. والفرق بين البخل والشُّحِّ هو أنَّ الإنسان في حالة البخل يكون بخله على غيره فقط، أمَّا الشُّحُّ فهو أنْ يكون بخيلًا على نفسه وعلى غيره على حدٍّ سواء، ولذلك فالشُّحُّ أسوأ حالًا من البخل.
إذا بان هذا التمهيد، فاعلم أنَّ من صفات أبي سفيان الذميمة أيضًا هي كونه رجلًا شحيحًا ـ فضلًا عن البخل ـ، والدليل على ذلك ما يلي:
1ـ ما رُوي بسندٍ صحيح عندهم عن عائشة قالت: (إنَّ هندَ أمَّ معاوية جاءت إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله، إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، وإنه لا يعطيني إلَّا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم. قالت: فهل عليَّ في ذلك شيء؟ قال (صلَّى الله عليه وآله): خذي ما يكفيكِ وبنِيكِ بالمعروف) [يُنظر: كتاب الأم ج5 ص93، مصنَّف عبد الرزاق ج8 ص448، مسند الحميدي ج1 ص279، الأموال لأبي عبيد ص609، الطبقات الكبرى ج10 ص225، مسند أحمد ج42 ص470، صحيح البخاريّ ج2 ص769، صحيح مسلم ج5 ص129]، وغيرها.
2ـ وما رُوي عندهم في مبايعة النساء يوم فتح مكَّة، حيث كانت (هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقّبةً متنكّرةً مع النساء، خوفًا من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنْ يعرفها. فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): أبايعكنَّ على أنْ لا تُشركنَ بالله شيئًا ... ولا تسرقنَ. فقالت هندٌ: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، وإنِّي أصبتُ من ماله هنات، فلا أدري أَيَحِلُّ لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبتِ من شيءٍ فيما مضى وفيما غبر فهو لكِ حلال. فضحك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وعرفها، فقال لها: وإنَّكِ لهند بنت عتبة؟ قالت: نعم) [يُنظر: تفسير البغويّ ج5 ص76، تفسير الكشَّاف ج4 ص520، تفسير القرآن للسخاويّ ج2 ص463، تفسير القرطبيّ ج18 ص72، تفسير النسفيّ ج3 ص472، تخريج أحاديث الكشّاف ج3 ص461]، وغيرها.
فالحديثان صريحان في كونه رجلًا شحيحاً بشهادة أقرب الناس إليه، والشُّحُّ ـ كما تبيَّن ـ هو رتبةٌ أشدُّ من البخل.
رُوي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «الشُّحُّ والإيمان لا يجتمعان في قلب عبدٍ»، ورُوي «أنَّ الله تعالى حلف بعزَّته وعظمته وجلاله لا يدخل الجنَّة شحيحٌ ولا بخيلٌ» [إحياء علوم الدين ج10 ص43].
والنتيجة المتحصَّلة من كلِّ ذلك هي أنَّ أبا سفيان كان رجلًا بخيلًا بل وشحيحاً أيضًا بشهادة أقرب الناس إليه..
والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق