هل سجد الملائكة على ظهر الكوفة؟
ذُكر في تفسير العيَّاشيّ عن الإمام عليٍّ (عليه السَّلام) أنَّه قال: «أوَّلُ بقعةٍ عُبد الله عليها ظهر الكوفة (النَّجف)، لمَّا أمر الله الملائكة أنْ يسجدوا لآدم، سجدوا على ظهر الكوفة». ما رأي علمائنا في هذه الرِّواية سندًا ودلالةً؟
الجواب
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
روى شيخنا العيَّاشيّ (طاب ثراه) عن بدر بن خليل الأسديِّ، عن رجلٍ من أهل الشَّام قال: «قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): أوَّلُ بقعةٍ عُبد الله عليها ظهر الكوفة، لمَّا أمر الله الملائكة أنْ يسجدوا لآدم، سجدوا على ظهر الكوفة» [تفسير العيَّاشيّ، ج1، ص34].
وروى أبو عبد الله محمَّد بن عليٍّ العَلَويّ بسندٍ متَّصلٍ عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) قال: «أوَّلُ بقعةٍ عُبد الله عليها ظهر الكوفة، أمر الله الملائكة بالسُّجود لآدم فسجدوا له على ظهر الكوفة، وإنَّه ليُحشر من هذا الظَّهر سبعون ألفًا يدخلون الجنَّة بغير حساب» [فضل الكوفة، ص45].
للجواب عن هذه الرِّواية نذكر أمرين:
الأمر الأوَّل: في سند الرِّواية
لقد روى العيَّاشيّ (طاب ثراه) الرِّواية عن بدر بن خليل الأسديِّ، الذي يُعدُّ من أصحاب الإمامين الصَّادقين (عليهما السَّلام)، عن رجلٍ من أهل الشَّام، ولذلك فهي مرسلةٌ من حيث السَّند، كما أنَّ رواية العَلَويّ مشتملةٌ على عدَّة مجاهيل؛ لذلك فلا يُمكن التَّعويل عليها من هذه النَّاحية.
نعم، ينبغي الالتفات إلى أمرٍ مهمٍّ، وهو عدم وجود ملازمة بين ضعف السَّند وضعف الدَّلالة، فقد يكون السَّند ضعيفًا لكن الدَّلالة مقبولة، والعكس صحيح، وقد يصحَّان معًا، وقد يضعفان معًا.
والحاصل: أنَّه لا ملازمة بين السَّند والمضمون دائمًا [يُنظر: توجيه النَّظر إلى أصول الأثر، ج1، ص190].
الأمر الآخر: في الدَّلالة
أمَّا مضمون الحديث فلا مشكلة فيه، بناءً على بعض الأخبار الدَّالَّة على أنَّ جنَّة آدم (عليه السَّلام) كانت من جنان الأرض.
بيان ذلك:
ورد في بعض الرِّوايات أنَّ الجنَّة التي كان فيها آدم (عليه السَّلام) هي جنَّةٌ من جنان الأرض، إذْ لو كانت جنَّة الخُلد لما خرج منها أبدًا. وعليه، فالسُّجود حاصلٌ في هذه الجنَّة الأرضيَّة.
فقد روى الشَّيخ الكُلينيّ (طاب ثراه) بسندٍ معتبرٍ عن الحسين بن ميسر قال:
"سألتُ أبا عبد الله (عليه السَّلام) عن جنَّة آدم (عليه السَّلام)؟ فقال: جنَّةٌ من جنان الدُّنيا تطلع فيها الشَّمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبدًا" [الكافي، ج3، ص247؛ علل الشَّرائع، ج2، ص600].
النتيجة المترتِّبة على هذا التَّفسير:
بناءً على ذلك، تكون الرِّوايةُ – مورد السُّؤال – كاشفةً عن ذلك المكان الذي سجدت عليه الملائكة، وهو ظهر الكوفة، وأمَّا كون المقصود من ظهر الكوفة هو النَّجف فقد أجاب عنه مركزنا في جوابٍ سابقٍ بعنوان (ظهر الكوفة)، فراجع إنْ شئت ذلك.
الخاتمة:
والنتيجة المتحصِّلة من كلِّ ذلك، أنَّ الخبر المذكور في السُّؤال يُمكن القبول به بناءً على أنَّ جنَّة آدم (عليه السَّلام) من جنان الأرض... والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق