الإيمان مستقرٌّ ومستودع
السؤال: هل ورد عندنا أنَّ الإيمان والاعتقاد، منهما ما هو ثابتٌ، ومنهما ما هو زائلٌ؟ وبناءً على صحة الوارد، فهل هناك عملٌ لثبات الإيمان والاعتقاد؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
الوارد في جملةٍ من الروايات الشريفة أنَّ الإيمان على نوعين: منه ما هو مستقرٌ وثابتٌ، ومنه ما هو مستودعٌ وغير ثابت، نذكر طرفاً من ذلك.
1ـ ما رواه العيَّاشيُّ (طاب ثراه) عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام:98] قال: ما يقول أهل بلدك الذي أنت فيه؟ قال: قلت: يقولون: مستقرٌ في الرحم ومستودعٌ في الصلب، فقال: كذبوا، المستقر ما استقر الإيمان في قلبه فلا ينزع منه أبداً، والمستودع الذي يستودع الإيمان زماناً ثمَّ يسلبه، وقد كان الزبير منهم» [تفسير العيَّاشيّ ج1 ص371].
2ـ وما رواه (طاب ثراه) أيضاً عن محمَّد بن الفُضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام:98] قال: «ما كان من الإيمان المستقر فمستقر إلى يوم القيامة [أو أبداً] وما كان مستودعاً سلبه الله قبل الممات» [تفسير العيَّاشيّ ج1 ص371].
3ـ وما رواه الكُلينيّ (طاب ثراه) بسنده عن محمَّد بن مُسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سمعتُه يقول: إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خلق خلقاً للإيمان لا زوال له، وخلق خلقاً للكفر لا زوال له، وخلق خلقاً بين ذلك، واستودع بعضهم الإيمان، فإنْ يشأ أنْ يتمَّه لهم أتـمَّه، وإنْ يشأ أنْ يسلبهم إياه سلبهم ... الرواية» [الكافي ج2 ص417].
4ـ وما رواه (طاب ثراه) أيضاً بسنده عن يونس، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن (صلوات الله عليه) قال: «إنَّ الله خلق النبيّين على النبوَّة فلا يكونون إلَّا أنبياء، وخلق المؤمنين على الإيمان فلا يكونون إلَّا مؤمنين، وأعار قوماً إيماناً، فإنْ شاء تممه لهم وإنْ شاء سلبهم إياه، قال: وفيهم جرت: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام:98] وقال لي: إنَّ فلاناً كان مستودعاً إيمانه، فلمَّا كذب علينا سلب إيمانه ذلك» [الكافي ج2 ص418]. إلى غيرها من الروايات الواردة في هذه الشأن.
هذا، وقد ورد في الأخبار الشريفة أيضاً بعض الأمور النافعة في تثبيت الإيمان وقراره، نذكر بعضاً منها:
1ـ موافقة العمل مع القول.
روى الشيخ البرقيُّ (طاب ثراه) بسنده عن جابر الجعفيّ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ الحسرة والندامة والويل كلَّه لمن لم ينتفع بما أبصر، ومن لم يدر الأمر الذي هو عليه مقيم أنفعٌ هو له أم ضرر. قال: قلت: فبما يعرف الناجي؟ قال: من كان فعله لقوله موافقاً فأثبت له الشهادة بالنجاة، ومن لم يكن فعله لقوله موافقاً فإنما ذلك مستودع» [المحاسن ج1 ص٢٥٢، الكافي ج2 ص420].
2ـ الإلحاح في الدعاء لطلب الثبات.
روى الشيخ الكُلينيّ (طاب ثراه) بسنده عن إسحاق بن عمَّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ الله جبل النبيّين على نبوتهم، فلا يرتدون أبداً، وجبل الأوصياء على وصاياهم فلا يرتدون أبداً، وجبل بعض المؤمنين على الإيمان فلا يرتدون أبداً، ومنهم من أُعير الإيمان عاريةً فإذا هو دعا وألحَّ في الدعاء مات على الإيمان» [الكافي ج2 ص٤١٩].
3ـ التحلِّي بالورع.
روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن أبان بن سويد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: «ما الذي يثبت الإيمان في العبد؟ قال: الذي يثبته فيه الورع، والذي يخرجه منه الطمع» [الخصال ص9].
4ـ الالتزام بدعاء الغريق.
روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «ستصيبكم شبهة، فتبقون بلا علمٍ يُرى، ولا إمام هدى، ولا ينجو منها إلَّا من دعا بدعاء الغريق، قلتُ: كيف دعاء الغريق؟ قال: يقول: (يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك). فقلتُ: يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك. قال: إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) مقلِّب القلوب والأبصار، ولكنْ قلْ كما أقول لك: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك» [كمال الدين ص351، إعلام الورى ج2 ص238].
5ـ الدعاء بعد الفريضة بهذا الدعاء.
روى الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) بسنده عن محمَّد بن سليمان الديلميّ قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلتُ له: جعلت فداك إنَّ شيعتك تقول: إنَّ الإيمان مستقرٌ ومستودعٌ فعلِّمني شيئاً إذا أنا قلته استكملتُ الإيمان، قال: قل في دبر كلِّ صلاة فريضة: رضيتُ بالله ربَّاً، وبمُحمَّدٍ نبيَّاً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن كتاباً، وبالكعبة قبلة، وبعليٍّ ولياً وإماماً، وبالحسن والحسين والأئمَّة (صلوات الله عليهم)، اللهمَّ إني رضيتُ بهم أئمَّة فارضني لهم، إنك على كلِّ شيء قدير» [التهذيب ج2 ص١٠٩].
نسأل الله العليَّ العظيم أنْ يثبِّتنا جميعاً على دينه، وأنْ لا يزغ قلوبنا طرفة عينٍ أبداً، فإنه أرحم الراحمين .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق