علّة وصيّة الإمام الصادق (ع) إلى خمسة أشخاص
السؤال: من شروط الإمامة المنصوص عليها عند الشيعة: أنّ الإمام لا يموت حتّى يعلم الإمام الذي بعده فيوصي إليه، وهذا يناقضه نصّ الصادق على ولديه عبد الله وموسى، فإنّ عبد الله ليس من أئمّتهم؟.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يستهدف السائل النقض على عقيدة الشيعة في الإمامة، مدّعياً وجود تناقضٍ وتهافتٍ في روايات تشخيص الأئمّة (عليهم السلام)، وأنّه: لو كان كلّ إمامٍ من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يعرف مَن هو الإمام والوصيّ الذي يليه، لما أوصى الإمام الصادق (عليه السلام) إلى اثنين من ولده: عبد الله الأفطح وموسى الكاظم (عليه السلام).
مع أنّ من الأمور المعلومة بالضرورة أنّ الإمام المعصوم يعلم بالإمام الذي يكون بعده، كما تدلّ عليه الروايات المتواترة، وعلى سبيل المثال: ورد في صحيحة عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يموت الإمام حتّى يعلم من يكون من بعده فيوصي إليه» [الكافي ج1 ص277].
والإجابة عمّا ذكره السائل تتّضح ببيان الأمور التالية:
الأمر الأوّل: رواية وصية الإمام الصادق (ع) إلى عدّة أشخاص:
روى الشيخ الكلينيّ بإسناده إلى أبي أيوب الخوزيّ [النحوي] قال: «بعث إليَّ أبو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيتُه فدخلتُ عليه وهو جالسٌ على كرسيٍّ وبين يديه شمعةٌ وفي يده كتاب، قال: فلمّا سلّمتُ عليه رمى بالكتاب إليَّ وهو يبكي، فقال لي: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أنّ جعفر بن محمد قد مات، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون - ثلاثاً - وأين مثل جعفر؟ ثمّ قال لي: اكتب، قال: فكتبت صدر الكتاب، ثمّ قال: اكتب إن كان أوصى إلى رجلٍ واحدٍ بعينه فقدّمه واضرب عنقه، قال: فرجع إليه الجواب أنّه قد أوصى إلى خمسة، واحدهم أبو جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان، وعبد الله، وموسى، وحميدة» [الكافي ج1 ص310].
وروى الكلينيّ بإسناده إلى النضر بن سويد: «أنّه (عليه السلام) أوصى إلى أبي جعفر المنصور، وعبد الله، وموسى، ومحمد بن جعفر، ومولىً لأبي عبد الله (عليه السلام)، قال: فقال أبو جعفر [أي المنصور]: ليس إلى قتل هؤلاء سبيل» [الكافي ج1 ص310].
ونقله أيضاً الشيخ الطوسيّ في [الغيبة ص198]، وابن شهر آشوب في [المناقب ج3 ص434] – وسيأتي نقل نصّه -.
الأمر الثاني: في دلالة خبر الوصيّة إلى الخمسة:
إنّ غاية ما يدلّ ذلك الخبر هو عمل الإمام الصادق (عليه السلام) بمبدأ التقيّة بعد ملاحظة الظروف الأمنيّة والسياسيّة العصيبة التي عاشها في ظلّ حكومة المنصور الدوانيقيّ الذي كان يتهيأ لقتل وصيّ الإمام (عليه السلام) كما هو صريح الخبر المذكور، فأراد الإمام الستر على وصيّه الخاصّ موسى بن جعفر (عليهما السلام).
وتتّضح هذه الدلالة من وجود القرائن الدالّة على التقيّة في الخبر نفسه، وهي كما يأتي:
1ـ عدم معقوليّة أنّ يوصي الإمام الصادق (عليه السلام) إلى المنصور أو عامله على المدينة محمد بن سليمان؛ لأنّ هؤلاء هم الذين قتلوا الإمام (عليه السلام)، وهم من أشدّ الناس عِداءً لمشروع الإمامة كما لا يخفى.
2ـ دخول السيدة حميدة في الوصيّة دليلٌ على أنّها للتقيّة؛ لوضوح وجوب الذكورة في الإمام، وأنّ إمامة المرأة لا تجوز في معتقد الشيعة الإماميّة.
3ـ إضافة الولد الصغير موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى الولد الكبير عبد الله الأفطح في هذه الوصيّة تدلّ بوضوح على نقص في الكبير؛ إذ لو كان إماماً لما احتيج إلى ضمّ أحدٍ إليه [ينظر: مرآة العقول ج3 ص338]. وعقيدة الشيعة الإماميّة صريحةٌ بوجوب أنّ يكون الإمام خالياً من جميع العيوب النفسانيّة ومتبرّئاً من النقائص والعاهات البدنيّة في خلقته؛ لكي لا ينفر الناس منه [ينظر: قواعد المرام ص180]، وعليه فإنّ عبد الله الأفطح لا يمكن أنْ يكون هو الإمام؛ وذلك لوجود عيبٍ منفّر فيه وهو أنّه أفطح الرأس، أي: عريض الرأس، وكان ذلك بيّناً فيه حتّى صار لقباً له [ينظر مجمع البحرين ج2 ص400].
4ـ الشيعة فهموا – على مرّ العصور – أنّ هذه الوصية خرجت على سبيل التقيّة كما فهمه أبو جعفر المنصور نفسه أيضاً، وقد نقل ابن شهرآشوب عن داود بن كثير الرقيّ قال: «أتى أَعرابيٌّ إلى أبي حمزة الثماليّ، فسأله خبراً فقال: توفّي جعفر الصادق (عليه السلام) فشهق شهقةً وأغمي عليه، فلمّا أفاق قال: هل أوصى إلى أحد؟ قال: نعم أوصى إلى ابنيه عبد الله وموسى وأبي جعفر المنصور، فضحك أبو حمزة، وقال: الحمد لله الذي هدانا إلى المهديّ وبيّن لنا عن الكبير، ودلّنا على الصغير وأخفى عن أمر عظيم!، فسُئل عن قوله فقال: بَيّنَ عيوب الكبير ودلَّ على الصغير؛ لإضافته إيّاه، وكتم الوصيّة للمنصور؛ لأنّه لو سَأل المنصور عن الوصيّ لقيل: أنت» [مناقب آل أبي طالب ج3 ص434].
وقال الشيخ المفيد: (وقد تظاهر الخبر فيما كان عن تدبير أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام، وحراسته ابنه موسى بن جعفر (عليه السلام) بعد وفاته من ضرر يلحقه بوصيته إليه ، وأشاع الخبر عن الشيعة إذ ذاك باعتقاد إمامته من بعده، والاعتماد في حجتهم لذلك عان إفراده بوصيته مع نصَّه عليه بنقل خواصّه، فعدل عن إقراره بالوصية عند وفاته، وجعلها إلى خمسة نفرٍ أولهم المنصور، وقدَّمه على جماعتهم إذ هو سلطان الوقت ومدبر أهله، ثم صاحبه الربيع من بعده، ثم قاضي وقته، ثم جاريته وأم ولده حميدة البربريَّة، وختمهم بذكر ابنه موسى بن جعفر (عليه السلام)، يستر أمره ويحرس بذلك نفسه) [الفصول العشرة ص70-71].
الأمر الثالث: حول الطريق إلى تشخيص الإمام (عليه السلام):
فمع أنّ المرجع والدليل في تحديد هويّة الإمام ومعرفته بشخصه هو النصّوص الواردة عن الشارع المقدّس، إلّا أنّ معرفة إمامة مولانا الكاظم (عليه السلام) لا تنحصر برواية الوصيّة إلى الخمسة كما يحاول صاحب الشبهة أن يُوهم به القرّاء الكرام، فإنّ الأخبار التي يُستفاد منها إمامته (عليه السلام) كثيرةٌ ومتواترةٌ، وهي على طائفتين:
الطائفة الأولى: النصوص العامّة، حيث تواتر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) التصريح بأسماء جميع الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) وألقابهم ونسبهم وذكر بعض خصائصهم واحداً تلو الآخر، وقد عمل الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) على إبراز تلك النصوص لشيعتهم ونقلها إليهم، منها – مثلاً – ما رواه الخزّاز القمّيّ بسندٍ صحيحٍ عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في خبرٍ طويلٍ جاء في بعضه: «ويعلم أنّ الإمام بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليّ بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ عليّ بن الحسين ثمّ محمد بن عليّ ثمّ أنا ثمّ من بعدي موسى ابني ثمّ من بعده وَلَده عليّ وبعد عليّ محمد ابنه وبعد محمد عليّ ابنه وبعد عليّ الحسن ابنه والحجّة من وِلد الحسن» [كفاية الأثر ص260]. وقد سبق لمركزنا استعراض جملةٍ كبيرةٍ من تلك النصوص في أجوبةٍ سابقة. [ينظر جواب: هل هناك نصوصٌ صريحةٌ وصحيحةُ تنصّ على أسماء الأئمّة، وجواب: تواتر النصوص على الأئمّة الاثني عشر].
الطائفة الثانية: النصوص الخاصّة، والمراد بها تلك النصوص التي تذكر إمامة واحدٍ من الأئمّة (عليهما لسلام) أو أكثر دون أنْ تشملهم جميعاً، ومن بينها ما يختصّ بإمامة مولانا موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، فقد روى ثقة الإسلام الكلينيّ لوحده ستّ عشرة رواية بأسانيد معتبرة في ذلك نذكر منها مثلاً: صحيحة صفوان الجمّال عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال له منصور بن حازم: بأبي أنت وأُمّي إنّ الأنفس يُغدا عليها ويُراح، فإذا كان ذلك فَمَن؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كان ذلك فهو صاحبكم وضرب بيده على منكب أبي الحسن (عليه السلام) الأيمن - في ما أعلم - وهو يومئذ خماسيٌّ، وعبد الله بن جعفر جالس معنا » ، والمراد بعبد الله بن جعفر هو عبد الله الأفطح، ومنها أيضاً: صحيحة سليمان بن خالد قال: «دعا أبو عبد الله (عليه السلام) أبا الحسن (عليه السلام) يوماً ونحن عنده فقال لنا: عليكم بهذا، فهو والله صاحبكم بعدي» [الكافي ج1 ص309 -310]، وهي صريحةٌ في إمامته (عليه السلام) كما ترى.
والخلاصة: أنّ خبر الوصيّة إلى خمسة واضح الدلالة على أنها خرجت على سبيل التقيّة، فلا ينافي أو يناقض الروايات المتواترة الدالة على أنّ الإمام لا يخرج من الدنيا حتّى يعرف الإمام الذي يليه فيوصي إليه، كما اتّضح أيضاً أنّ النصوص متواترة في تشخيص الأئمّة (عليهم السلام) الواحد تلو الآخر من غير وجودٍ لفرضيّة التوهّم أو الاشتباه فيهم. ختاماً هذا ما وفّقنا الله تعالى لتحريره في المقام، والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق