معنى قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ}

السؤال: يقول الله سبحانه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾، نحن نعلم أنَّ المكر شيءٌ مذموم، فما هو المراد من ذلك؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

في البدء لابأس أنْ يُعلم بأنَّ الآية مورد السؤال واردةٌ في سياق بعض الآيات النازلة في ذمِّ بني إسرائيل، إذْ قال الله تعالى على لسان النبي عيسى (عليه السلام): ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا الله وَأَطِيعُونِ . إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ . فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ الله آمَنَّا بِالله وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ . وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [آل عمران: 50 ـ 54].

إذا بان هذا ـ عزيزنا السائل ـ فاعلم بأنَّ المستفاد من بعض الروايات الشريفة وكلمات الأعلام أنَّ المراد من (مكر الله تعالى) هو مجازاته على المكر، فمن يُريد المكر بأولياء الله تعالى يجازيه الله تعالى على ذلك المكر الذي مكره، وليس المراد من المكر في الآية المعنى السلبيّ كالخديعة وما شابه ذلك، كما لا يخفى.

روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن علي بن فضال، عن أبيه، عن مولانا الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) قال: «سألته عن قول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79]، وعن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15]، وعن قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: 54]، وعن قوله: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]؟ فقال: إنَّ الله (تبارك وتعالى) لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع، ولكنَّه (عزَّ وجلَّ) يجازيهم جزاء السخرية، وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر والخديعة، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوَّاً كبيراً» [التوحيد ص163، معاني الأخبار ص13، الاحتجاج للطبرسيّ ج2 ص194].

وقال (طيَّب الله ثراه) أيضاً: (والأخبار التي يتوهَّمها الجهَّال تشبيها لله تعالى بخلقه فمعانيها محمولة على ما في القرآن من نظائرها، لأنَّ في القرآن: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، ومعنى الوجه: الدين، والدين هو الوجه الذي يُؤتى الله منه ويتوجَّه به إليه ... إلى قوله (طاب ثراه): وفي القرآن: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]، وفي القرآن: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]، وفي القرآن: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15]، وفي القرآن: ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79]، وفي القرآن: ﴿نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:67]، ومعنى ذلك كله: أنه (عزَّ وجلَّ) يجازيهم جزاء المكر وجزاء المخادعة، وجزاء الاستهزاء وجزاء السخرية وجزاء النسيان وهو أنْ ينسيهم أنفسهم كما قال (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر:19]، لأنه (عزَّ وجلَّ) في الحقيقة لا يمكر ولا يخادع ولا يستهزئ ولا يسخر ولا ينسى، تعالى الله (عزَّ وجلَّ) عن ذلك علوَّاً كبيراً) [الاعتقادات ص23].

وقال أمين الإسلام الطبرسيُّ: (وقوله: ﴿وَمَكَرُوا﴾ يعني: كفَّار بني إسرائيل الذين عناهم الله بقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ الآية، ومعناه: دبَّروا لقتل عيسى (عليه السلام). ﴿وَمَكَرَ الله﴾ أي: جازاهم على مكرهم. وسمَّى المجازاة على المكر مكراً، كما قال الله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15]، وجاء في التفسير: إنَّ عيسى بعد اخراج قومه إياه من بين أظهرهم، عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهمُّوا بقتله، وتواطؤوا على الفتك به، فذلك مكرهم به، ومَكْر الله بهم إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى، حتَّى قتل وصلب، ورفع عيسى (عليه السلام) إلى السماء) [مجمع البيان ج2 ص ٣٠٤].

وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازيُّ في ذلك: (في القرآن آياتٌ مشابهةٌ لهذه ينسب فيها المكر إلى الله. كلمة «المكر» بالمصطلح المعاصر تختلف كثيراً عن معناها اللغويّ، فالمكر بالمعنى المعاصر هو وضع الخطط الشيطانيَّة الضارَّة، و لكنْ معناها بلغة العرب هو البحث عن العلاج لأمرٍ ما، وقد يكون حسناً أو سيئاً. في كتاب «المفردات» للراغب نقرأ: المكر: صرف الغير عمَّا يقصد ـ خيراً كان أم شرَّاً ـ وفي القرآن وردت كلمة «المكر» مقرونةً بكلمة «الخير»، إذْ يقول:‌ ﴿وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾‌، كما وردت مع «السيِّئ»: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ‌﴾ [فاطر:43]. وعليه يكون المقصود من الآية هو أنَّ أعداء المسيح وضعوا الخطط الشيطانيَّة للوقوف بوجه هذه الدعوة الإلهيَّة. ولكن الله لكي يحفظ حياة نبيه ويصون الدعوة مكر أيضاً فأحبط كلَّ ما مكروه) [تفسير الأمثل ج2 ص346].

وقال أيضاً: (والمكر ـ كما قلنا في ذيل الآية (94) من سورة آل عمران ـ يعني في اللغة العربيَّة كلَّ حيلة ووسيلة لصرف الشخص عن الهدف الذي يمضي إليه، سواء كان حقاً أو باطلاً، وقد أخذ في مفهوم هذه اللغة نوعٌ من التدرُّج والنفوذ التدريجيّ. وعلى هذا فالمراد من المكر الإلهيّ هو أنَّ الله تعالى يصرفهم بخططه القوية التي لا تقهر عن حياة الرفاه واللذَّة دون اختيارهم ويقطعها عليهم. وهذه إشارة إلى العقوبات الإلهية الفجائيَّة والمهلكة) [الأمثل ج5 ص131].

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ المراد من (المكر) الإلهيِّ هو مجازاة القوم الماكرين بما مكروه من الشر، وليس المراد منه المعنى السلبيّ الذي يتنزَّه الباري سبحانه وتعالى عن مثله، كما تقدَّم.. والحمد لله ربِّ العالمين.