لماذا خرج الإمام السجَّاد مع أبيه وهو مريض؟
السؤال: المعروف أنَّ محمَّد بن الحنفية (عليه السلام) لم يخرج إلى كربلاء بسبب المرض، فلماذا خرج الإمام السجَّاد مع أبيه وهو مريض؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لا بأس أنْ يُعلم بأنَّ الإمام السجَّاد (عليه السلام) كان يعاني من المرض في يوم عاشوراء، الأمر الذي حال بينه وبين المشاركة في القتال مع أبيه الحسين (عليه السلام) وسائر أهل بيته وأصحابه.
قال أبو مخنف: (قال هشام: حدَّثني أبي، عن النوار بنت مالك قالت: أقبل خولّي برأس الحسين، فوضعه تحت إجانةٍ في الدار، ثمَّ دخل البيت فأوى إلى فراشه، فقلت له: ما الخبر ما عندك؟ قال: جئتك بغنى الدهر، هذا رأس الحسين معك في الدار ... إلى قوله: وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد، ثمَّ أمر حُميد بن بكير الأحمريّ، فأذَّن في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان وعلي بن الحسين مريض) [مقتل الحسين ص203، تاريخ الطبري ج5 ص455، الكامل في التاريخ ج3 ص185، نهاية الأرب ج20 ص464]، وغيرها.
وروى الشيخ المفيد عن حُميد بن مُسلم، وفيه: (ثمَّ انتهينا إلى عليِّ بن الحسين (عليه السلام) وهو منبسطٌ على فراش وهو شديد المرض، ومع شمر جماعةٌ من الرجالة، فقالوا له: ألا نقتل هذا العليل؟ فقلت: سبحان الله، أيقتل الصبيان؟ إنّما هو صبيٌّ، وإنه لما به، فلم أزل حتَّى رددتهم عنه) [الإرشاد ج2 ص112].
إذا بان هذا ـ عزيزي السائل ـ فاعلم بأنَّ الثابت في المصادر أنَّ الإمام السجَّاد (عليه السلام) حين خروجه إلى كربلاء لم يكن مريضاً وإنما طرأ عليه المرض في أيام كربلاء، مما أفقده القدرة على الجهاد مع أبيه (عليه السلام)، فإنَّ كلَّ من نصَّ على خروجه لم يذكر شيئاً عن مرضه (عليه السلام) وإلَّا لبان واشتهر في كلمات أهل التاريخ والسِّير.
من ذلك:
1ـ ما قاله أبو مخنف: (وأمَّا الحسين، فإنه خرج ببنيه وإخوته وبني أخيه وجلّ أهل بيته إلَّا محمَّد بن الحنفية، فإنه قال له: يا أخي، أنت أحبُّ الناس إليَّ وأعزَُهم عليَّ ولستُ أدَّخر النصيحة لأحدٍ من الخلق أحق بها منك، تنحَّ بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ... قال له الحسين: فإنّي ذاهبٌ يا أخي) [مقتل الحسين ص8، أنساب الأشراف ج5 ص303، تاريخ الطبري ج4 ص253]، وغيرها.
2ـ وما قاله ابن قتيبة الدينوريّ: (ولما أصبح الوليد بلغه خبره، فوجَّه في أثره حبيب بن كوين في ثلاثين فارساً، فلم يقعوا له على أثر، وشغلوا يومهم ذلك كله بطلب ابن الزبير. فلمَّا أمسوا، وأظلم الليل مضى الحسين (رضي الله عنه) أيضاً نحو مكَّة، ومعه أختاه، أم كلثوم، وزينب، وولد أخيه، وإخوته أبو بكر، وجعفر، والعبَّاس، وعامَّة من كان بالمدينة من أهل بيته إلَّا أخاه محمَّد بن الحنفية، فإنَّه أقام) [الأخبار الطوال ص228].
3ـ وما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن أبي عبد الله الصادق عن أبيه، عن جدِّه (عليهم السلام)، وفيه: (فانتبه الحسين (عليه السلام) من نومه باكياً، فأتى أهل بيته، فأخبرهم بالرؤيا وودَّعهم، وحمل أخواته على المحامل، وابنته وابن أخيه القاسم ابن الحسن بن علي (عليهم السلام) ثمَّ سار في أحد وعشرين رجلاً من أصحابه وأهل بيته، منهم: أبو بكر بن علي، ومحمَّد بن علي، وعثمان بن علي، والعبَّاس بن علي، وعبد الله بن مُسلم بن عقيل، وعلي بن الحسين الأكبر، وعلي بن الحسين الأصغر) [الأمالي ص217].
هذا، ويُفهم من بعض النصوص التصريح بكون مرضه (عليه السلام) بدأ في كربلاء وليس قبله، وهو ما ذكره العلَّامة ابن شهر آشوب، فقال: (قال أحمد بن حنبل: كان سبب مرض زين العابدين (عليه السلام) في كربلاء أنه كان أُلبس درعاً ففضل عنه، فأخذ الفضلة بيده ومزَّقه) [مناقب آل أبي طالب ج3 ص284]. وكأنَّه يوحي إلى عينٍ أصابته، نظير ما روي في حق محمَّد بن الحنفية [يُنظر: اللهوف ص164].
وأمَّا عن طبيعة المرض الذي أُصيب به (عليه السلام) فهناك جوابٌ مفصَّل لمركزنا تحت عنوان (مرض الإمام زين العابدين)، فراجع واغتنم.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ الإمام السجَّاد (عليه السلام) لم يكن مريضاً حينما خرج مع الركب الحسينيّ، وإنما مرض في أيام كربلاء؛ ولذلك فلا يصح السؤال المذكور، لكونه مبنياً على فرضية وقوع المرض قبل كربلاء.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق