سلب تكة الإمام الحسين (ع)
السؤال: هل يصحُّ خبر الجمَّال الذي أراد سلب وسرقة (تكَّة) الإمام الحسين (عليه السلام) فدعا عليه الرسول وغيَّر لونه إلى الأسود؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير الأخ السائل إلى ما ورد في جملةٍ من المصادر المتقدِّمة والمتأخِّرة:
فقد روى الخصيبيُّ بالإسناد عن سعيد بن المسيب قال: (لما استشهد أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) وحجَّ الناس من قابل دخلتُ على سيِّدي علي بن الحسين (عليهما السلام) فقلت له: يا مولاي، قد قرب الحج فماذا تأمرني؟ قال: امضِ على نيَّتك، فحججتُ فبينما أنا أطوف بالكعبة، فإذا نحن برجلٍ مقطوع اليدين، ووجهه كقطع الليل المظلم متعلِّقاً بأستار الكعبة وهو يقول: اللَّهم ربَّ هذا البيت الحرام، اغفر لي وما أحسبك تغفر لي، ولو شفع لي سكان سماواتك وجميع من خلقت، لعظم جرمي .... إلى قوله: فقال: إنّي كنتُ جمَّالاً لأبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام) لما مرَّ من المدينة إلى العراق، وكنت أراه إذا أراد الوضوء للصلاة، فإذا يضع سراويله فأرى التكَّة تغشي الأبصار بحسن اشراقها وألوانها، وكنت أتمنَّاها إلى أنْ صرنا بكربلاء، فقُتل الحسين بن علي (صلوات الله عليه) وأنا معه، فدفنتُ نفسي في مكانٍ من الأرض ولم أطلب إلَّا مثالي قال: فلما جنَّ علينا الليل خرجتُ من مكاني، فرأيتُ تلك المعركة بها نوراً لا ظلمة ونهاراً لا ليلاً [كذا في المصدر]، والقتلى مطروحين على وجه الأرض فذكرتُ لشقاوتي التكَّة فقلتُ: والله لأطلبنَّ الحسين فأرجو أنْ تكون التكَّة عليه في سراويله فأخذها ولم أزل أنظر في وجوه القتلى حتَّى وجدته جديلاً .... الرواية) [الهداية الكبرى ص207].
ونقل الروايةَ العلّامةُ المجلسيّ عن بعض مؤلّفات أصحابنا في [بحار الأنوار ج45 ص316].
ونقل الخوارزميُّ ما نصُّه: (ورُئِي رجلٌ بلا يدين، ولا رجلين، وهو أعمى، يقول: ربّي نجنّي من النار، فقيل له: لم تبق عليك عقوبة وأنت تسأل النجاة من النار؟ قال: إنّي كنتُ فيمن قاتل الحسين بن علي في كربلاء، فلما قتل رأيت عليه سراويل وتكَّة حسنة، وذلك بعد ما سلبه النَّاس، فأردتُ أنْ أنتزع التكَّة، فرفع يده اليمنى ووضعها على التكَّة، فلم أقدر على دفعها فقطعتُ يمينه، ثمَّ أردت انتزاع التكَّة، فرفع شماله ووضعها على التكَّة، فلم أقدر على دفعها فقطعت شماله، ثمَّ هممت بنزع السراويل، فسمعت زلزلة فخفت وتركته، فألقى الله عليَّ النوم، فنمتُ بين القتلى، فرأيت كأنَّ النبي محمَّداً (صلَّى الله عليه وآله) أقبل ومعه علي وفاطمة والحسن (عليهما السلام)، فأخذوا رأس الحسين، فقبَّلته فاطمة، وقالت: يا بني، قتلوك قتلهم الله، وكأنه يقول: ذبحني شمر، وقطع يدي هذا النائم ـ وأشار إليَّ ـ فقالت فاطمة: قطع الله يديك، ورجليك، وأعمى بصرك، وأدخلك النار. فانتبهتُ وأنا لا أبصر شيئاً، ثمَّ سقطت يداي ورجلاي مني، فلم يبق من دعائها إلَّا النار) [مقتل الحسين ج2 ص102].
ونقل الخبرَ العلّامةُ المجلسيُّ عن بعض كتب المناقب المعتبرة في [بحار الأنوار ج45 ص312].
ونقل ذلك ـ أيضاً ـ السيِّد هاشم البحرانيُّ، فقال: (روي عن يوسف بن يحيى، عن أبيه، عن جدِّه قال: رأيتُ رجلاً بمكَّة شديد السواد، له بدنٌ وخلقٌ غابرٌ ... إلى قوله: اسمعوا حديثي، اعلموا أنّي كنت جمَّال الحسين (عليه السلام)، فلما أنْ صرنا إلى بعض المنازل، برز للحاجة وأنا معه، فرأيتُ تكَّة لباسه، وكان أهداها له ملك فارس ... إلى قوله: فمددتُ يدي إلى التكَّة، وهممتُ أنْ أحلَّ عقدها، فرفع يده وضرب بها يدي، فكادت أوصالي وعروقي تتقطَّع. ثمَّ أخذ التكَّة من يدي فوضعت رجلي على صدره، وجهدت جهدي لأزيل إصبعاً من أصابعه فلم أقدر، فأخرجتُ سكِّيناً كان معي، فقطعت أصابعه ... ثمَّ قال النبي (صلَّى الله عليه وآله): اخس يا عدو الله، غيَّر الله لونك، فقمت فإذا أنا بهذه الحالة، فما بقي أحدٌ ممن حضر إلَّا لعنه ودعا عليه، ألا لعنة الله على القوم الظالمين) [مدينة المعاجز ج4 ص67].
إذا بان هذا، فلنا في هذه الرواية عدَّة وقفات، وهي:
الوقفة الأولى: إنَّ تعدد المصادر الناقلة لهذه الرواية ـ مع اختلاف مشارب أصحابها العقدية والفكرية ـ يكفي في الاعتماد عليها والتعويل عليها.
الوقفة الثانية: إنَّ مضمون الرواية ليس بمستغربٍ على أمثال هؤلاء الأعداء، حيث تصل بهم الدناءة إلى حدِّ سرقة (تكَّة) السروال، كما ليس بمستغربٍ أنْ يحضر أهل البيت (عليهم السلام) عند الإمام الحسين (عليه السلام) من باب المعجزة، على أنَّ (نظير) هذا المضمون متكررٌ في بعض الكتب المعروفة.
فانظر مثلاً: [مقتل الحسين للخوارزميّ ج2 ص٩٣ وما بعدها، مناقب آل أبي طالب ج4 ص٥٣ وما بعدها، بستان الواعظين ص٢٦٢ وما بعدها، مثير الأحزان ص61، تذكرة الخواص ص252، اللهوف ص81]، وغيرها من المصادر.
الوقفة الثالثة: إنَّ الوارد في كتاب السيِّد علي بن طاووس (طاب ثراه) أنَّ اللعين سنان بن أنس النخعيَّ قد اعترف بأنه هو السالب لتكَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولعلَّه كان بصدد دفع التهم الأُخرى عن نفسه، فلاحظ قوله (لعنه الله تعالى): (ما فعلتُ شيئاً، غير إني أخذتُ تكَّة الحسين من سرواله) [اللهوف ص١٧٩].
والنتيجة النهائيَّة مما سبق، أنَّ هذا الخبر المنقول في جملةٍ من المصادر المهمَّة يحكي معجزةً من معاجز أهل البيت (عليهم السلام)، وظلامةً من ظلامات الإمام الحسين (عليه السلام) التي ورد نظيرها في جملةٍ من الكتب والمصادر المهمَّة، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق