هل تصح التهنئة في أول المحرم؟
السؤال: هل التهنئة بقدوم السنة الهجريَّة (أوَّل شهر محرَّم الحرام) أمرٌ صحيح، نرجو بيان ذلك، وجزاكم الله خير الجزاء؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
للجواب عن هذا السؤال يلزمنا الكلام في جهتين:
الجهة الأولى: إنَّ السنة الهجريَّة ـ كما هو الحق ـ تبدأ من شهر ربيع الأوَّل الذي كانت فيه هجرة النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، ولذا سُمِّيت السنة الهجريَّة بالهجريَّة، وعلى هذا فليس من الصحيح التهنئة في بداية المحرَّم؛ لأنه ليس بداية السنة الهجريَّة، بل هو الربيع كما قلنا.
قال السيِّد جعفر العامليُّ (طاب ثراه) - بعد أنْ ذهب إلى أنَّ التاريخ الهجريّ قد وُضع في زمن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، وأنَّه قد أرَّخ به أكثر من مرَّة، وفي أكثر من مناسبة -، ما هذا لفظه: (... وبعد كلِّ ما قدَّمناه، يتَّضح أنَّ ما اشتهر بين الناس من أنَّ واضع التاريخ الهجريّ الاسلاميّ هو عمر بن الخطَّاب مما لا يُمكن القبول به ولا المساعدة عليه، وأنَّ ما حدث في زمن عمر هو فقط جعل مبدأ السنة الهجريَّة شهر محرَّم، بدلاً من ربيع الأوَّل، إمَّا باقتراح من عمر نفسه، أو بإشارة من عثمان، ومحرَّم ـ كما هو معلوم ـ كان مبدأ السنة في الجاهليَّة!!) [الصحيح من سيرة النبيّ ج4 ص205].
الجهة الثانية: لو سلَّمنا وقلنا بأنَّ السنة الهجريَّة تبدأ في أوَّل المحرَّم كما هو متداولٌ الآن، فأيضاً لا تصحُّ التهاني والتبريكات فيه، باعتباره بداية الحزن والأسى على آل مُحمَّد (عليهم السلام)، وعليه فليس من المناسب أنْ نتبادل التهاني والتبريكات في بداية المحرَّم، كما لا يخفى على أهل الإيمان.
روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: «كان أبي (صلوات الله عليه) إذا دخل شهر المحرَّم لا يُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه، حتَّى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين (صلوات الله عليه)» [الأمالي ص190].
وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده عن الريَّان بن شبيب، قال: «دخلتُ على الرضا (عليه السلام) في أوَّل يومٍ من المحرَّم ... إلى قوله (عليه السلام): يا بن شبيب، إنَّ المحرَّم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرِّمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأمَّة حرمة شهرها ولا حرمة نبيّها (صلَّى الله عليه وآله)، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريَّته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبداً.
يا بن شبيب، إن كنت باكياً لشيء، فابكِ للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنَّه ذُبِح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله ...
يا بن شبيب، لقد حدَّثني أبي، عن أبيه، عن جدِّه (عليه السلام): أنَّه لما قتل جدِّي الحسين (صلوات الله عليه)، مطرت السماء دماً وتراباً أحمر.
يا بن شبيب، إنْ بكيت على الحسين (عليه السلام) حتَّى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كلَّ ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً ...الحديث» [الأمالي ص192].
وقال الميرزا جواد الملكيُّ التبريزيُّ (طاب ثراه): (ينبغي لأولياء آل محمَّد (صلوات الله عليهم) بحكم الولاية والوفاء، والإيمان بالله العلي العظيم، والرسول الكريم أنْ يتغيَّر حاله في العشر الأُوَل من المحرَّم فيظهر في قلبه ووجهه وهيئته آثار الحزن والتفجُّع، من هذه المصائب الجليلة، الرزايا الفجيعة، ويترك بعض لذاته لا محالة، في مطعمه ومشربه، بل منامه وكلامه ويكون بمثابة من أصيب في والده أو ولده، ولا يكون حرمة ناموس الله (جلَّ جلاله) وحرمة رسوله العزيز وحرمة إمامه، أهون عنده من حرمة نفسه وأهله، يكون حبه لنفسه وولده وأهله أقل وأدون من حبه لربه ونبيه وإمامه (صلوات الله عليهم)) [المراقبات ص25].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، هي أنَّ التهاني في بداية المحرَّم غير صحيحة؛ لبطلان كونه أوَّل السنة الهجريَّة، ولأنه بداية الأسى والحزن على أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، كما بيَّنا .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق