هل ذبح الشمر الإمام الحسين من القفا؟
السؤال: هل ثبت أنَّ الشمر (لعنه الله تعالى) ذبح الإمام الحسين (عليه السلام) من القفا، ولماذا لم يذبحه من باطن الرقبة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
بدايةً لا بأس أنْ يُعلم بوجود خلافٍ فيمن تولَّى ذبح الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد قيل بأنه سنان بن أنس (لعنه الله تعالى)، كما قيل بأنَّه رجلٌ من مذحج لم يصرَّح باسمه، كما قيل بأنَّه الشمر وسنان معاً، وقيل غير ذلك.
نعم، المعروف والمشهور أنَّه الشمر بن ذي الجوشن (لعنه الله تعالى)، وعلى أيَِّة حالٍ فقد صرَّح جمعٌ من العلماء بأنَّه (لعنه الله) هو من تولَّى قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو الذي احتزَّ رقبته الشريفة.
فقد قال خليفة بن خيَّاط العصفريّ: (الذي ولي قتل الحسين شمر بن ذي الجوشن، وأمير الجيش عمر بن سعد بن مالك) [تاريخ خليفة بن خيَّاط ص179]. وقال ابن حبَّان: (والذي تولَّى في ذلك اليوم حـزَّ رأس الحسين بن علي بن أبي طالب شمر بن ذي الجوشن) [الثقات ج2 ص٣١١]. وقال الذهبيّ: (شمر بن ذي الجوشن الضبابيّ الذي احتزَّ رأس الحسين على الأشهر) [تاريخ الإسلام ج2 ص644]، وغيرهم.
وروى الشيخ المفيد (طاب ثراه)، فقال: (ونادى شمرُ بن ذي الجوشن الفرسان والرجَّالة فقال: ويحكم ما تنتظرون بالرجل، ثكلتكم أمَّهاتكم؟! فحمل عليه من كلِّ جانبٍ فضربه زرعة بن شريك على كفِّه اليسرى فقطعها، وضربه آخرُ منهم على عاتقه فكبا منها لوجهه، وطعنه سنان بن أنس بالرمح فصرعه، وبدر إليه خولي بن يزيد الأصبحي (لعنه الله) فنزل ليحتزَّ رأسه فأرعد، فقال له شمر: فتَّ الله في عضدك، ما لك ترعد؟ ونزل شمر إليه فذبحه) [الإرشاد ج2 ص112].
وروى الفتَّال النيسابوريُّ (طاب ثراه)، فقال: (قال حُميد بن مسلم: فو الله ما رأيتُ مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً، ولا أمضى جناناً منه، إنْ كانت الرجال لتشدُّ عليه، فيشدُّ عليها بسيفه فيكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شدَّ فيها الذئب، فلما رأى ذلك شمر بن ذي الجوشن استدعى الفرسان، فصاروا في ظهور الرجالة، وأمر الرماة أنْ يرموه فرشقوه بالسهام حتَّى صار كالقنفذ، ونادى شمر الفرسان والرجالة، فقال: ويلكم ما تنتظرون بالرجل، ثكلتكم أمَّهاتكم فحمل عليه من كلِّ جانب، فضربه زرعة بن شريك على كتفه اليسرى فقطعها، وضربة أُخرى منه على عاتقه فكبا منها على وجهه، فطعنه سنان بن أنس بالرمح فصرعه، وبدر إليه خولي بن يزيد الصبحي فنزل ليجتزَّ رأسه فأرعد، فقال له شمر: فتَّ الله في عضدك ما لك ترعد، فنزل إليه فذبحه) [روضة الواعظين ص189].
وروى الموفَّق الخوارزميُّ، فقال: (جاء إليه شمر بن ذي الجوشن وسنان بن أنس والحسين (عليه السلام) بآخر رمقٍ يلوك بلسانه من العطش، فرفسه شمر برجله، وقال: يا بن أبي تراب، ألست تزعم أنَّ أباك على حوض النبيّ يسقي من أحبَّه؟ فاصبر حتَّى تأخذ الماء من يده. ثمَّ قال لسنان بن أنس: احتز رأسه من قفاه، فقال: والله لا أفعل ذلك ... إلى قوله: فغضب شمر منه، وجلس على صدر الحسين (عليه السلام) وقبض على لحيته، وهمَّ بقتله، فضحك الحسين وقال له: أتقتلني، أو لا تعلم من أنا؟ قال: أعرفك حقَّ المعرفة، أمُّك فاطمة الزهراء، وأبوك علي المرتضى، وجدُّك محمَّد المصطفى، وخصمك الله العلي الأعلى، وأقتلك ولا أبالي، وضربه بسيفه اثنتي عشرة ضربة، ثمَّ حـزَّ رأسه) [مقتل الحسين ج2 ص41].
وأمَّا السبب في كون ذبحه (عليه السلام) من القفا، فقد ورد في بعض الكتب ذكراً لبعض العلل والأسباب، منها:
1ـ الانتقام.
قال الشيخ القندوزيُّ: (فقال الحسين (رضي الله عنه): الله أكبر، لقد صدق جدِّي (صلَّى الله عليه وآله) في قوله لأبي: يا عليُّ، إنَّ ولدك الحسين يقتل بأرضٍ يقال له كربلاء، يقتله رجل أبرص أشبه بالكلاب والخنازير. فقال الشمر اللَّعين: تشبّهني بالكلاب والخنازير؟ فو الله لأذبحنَّك من قفاك. ثمَّ إنَّ الملعون قطع الرأس الشريف المبارك) [ينابيع المودَّة ج3 ص84].
2ـ إباء السيف.
قال الشيخ الحائريُّ: (وفي المعدن: جعل يحتزَّ مذبح الحسين بسيفه، فلم يقطع شيئاً، فقال الحسين (عليه السلام): يا ويلك، أتظن أنَّ سيفك يقطع موضعاً طالما قبَّله رسول الله؟ فكبَّه على وجهه، وجعل يقطع أوداجه) [معالي السبطين ج2 ص43].
كما يُحتمل أنْ يكون السبب في ذلك هو من أجل خوفهم ورعبهم من هيبته (عليه السلام)، كما يُفهم من روايتي المفيد والفتَّال المتقدِّمتين، أو من أجل إخفائهم لنور وجهه الشريف الذي أذهل حتَّى الأعداء في ذلك اليوم.
روى السيِّد ابن طاووس (طاب ثراه) عن هلال بن نافع (لعنه الله) قال: (إني كنتُ واقفاً مع أصحاب عمر بن سعد (لعنه الله) ... إلى قوله: فو الله ما رأيت قطُّ قتيلاً مضمَّخاً بدمه أحسن منه ولا أنور وجهاً، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيئته عن الفكرة في قتله) [اللهوف ص ٧٥].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ المشهور في الروايات وكلمات الأعلام أنَّ الشمر (لعنه الله) هو من احتزَّ الرأس المقدَّس من القفا لبعض العلل المذكورة، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق