حديث: ليس لكم أنْ تعزونا، ولنا أنْ نعزِّيكم

السؤال: هل صحَّ الحديث المرويُّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) لشيعته : «ليس لكم أنْ تعزُّونا، ولنا أنْ نعزِّيكم، إنَّما لكم أنْ تهنئونا، لأنَّكم تشاركونا في المصيبة»؟ وما هو المقصود منه؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير الأخ السائل إلى ما رواه الشيخ أبو جعفر الصدوق (طاب ثراه) في باب التعزية عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «ليس لكم أنْ تعزُّونا، ولنا أنْ نعزِّيكم ـ إنّما لكم أنْ تهنِّئونا ـ لأنَّكم تشاركوننا في المصيبة» [من لا يحضره الفقيه ج1 ص187]، ولبيان الحال فيه نتكلَّم في عدَّة جهات:

الجهة الأولى: في نسخ الكتاب.

فقد جاء في بعض النسخ لفظ (عليكم) بدل (لكم)، وفي بعضها (لنا) بدل (لكم)، وبهذا يتبيَّن أنَّ هذه العبارة فيها ثلاثة وجوه، وهي: (ليس لكم أنْ تعزُّونا) و(ليس عليكم أنْ تعزُّونا) و(ليس لنا أنْ تعزُّونا). وسوف يأتي مزيد بيانٍ لهذا الأمر في الجهة الثالثة - إنْ شاء الله تعالى - [يُنظر: الفقيه ج1 ص189 تحقيق: مؤسَّسة شمس الضحى].

الجهة الثانية: في سند الحديث.

الملاحَظ بعد مراجعة المصدر المشار إليه آنفاً أنَّ الحديث مرسلٌ من ناحية السند؛ ولذلك يُعدُّ ضعيفاً من الناحية الرجاليَّة، نعم، بنى بعض الأعلام على حُجيَّة مراسيل الصدوق (طاب ثراه) الواردة بلسان (قال).

توضيح ذلك: إنَّ إرسال الصدوق (طاب ثراه) على قسمين: تارةً يُرسِل بلسان (روي)، وأُخرى يرسل بلسان (قال)، فإنْ كان الإرسال بلسان (روي) فلا يكون حُجَّةً لكونه مشعراً بعدم الجزم بثبوت الرواية عن المعصوم (عليه السلام)، بخلاف ما لو روى بلفظ (قال)، فإنَّه يدلُّ على الجزم بثبوت الرواية عن المعصوم (عليه السلام)، وبما أنَّ رواية البحث واردة بلسان (قال) فتكون حُجَّة من هذه الجهة.

مضافاً إلى شهادة الصدوق بكون رواياته حُجَّةً بينه وبين الله تعالى، وذهب طائفةٌ من علمائنا للعمل بروايات الفقيه واعتبروها صحيحة. مع أنَّ الرواية متعلقةٌ بالآداب وهي مما يُتسامح فيها ولا يُدقَّق في سندها وصدورها.

الجهة الثالثة: في معنى الحديث.

ذكرنا في الجهة الأولى أنَّ النسخ في هذا الحديث متعددةٌ، ولذلك تتعدد الاحتمالات كالتالي:

1ـ (ليس لكم أنْ تعزُّونا).

2ـ (ليس عليكم أنْ تعزُّونا).

3ـ (ليس لنا أنْ تعزُّونا).

فبناءً على الاحتمال الأوَّل يدلُّ نفي الحق للشيعة في تعزية أهل البيت (عليهم السلام)، أي لا يحقُّ لكم أنْ تعزوُّنا في مصابنا، ولنا أنْ نعزِّيكم.

وأمَّا بناءً على الاحتمال الثاني فهو يدلُّ على نفي الوجوب، أي لا يجب عليكم أنْ تعزونا في مصابنا، ولنا أنْ نعزِّيكم.

وأمَّا بناءً على الاحتمال الثالث فهو يدلُّ على نفي الحق للأئمَّة (عليهم السلام)، أي لا يوجد للأئمَّة (عليهم السلام) حق في أعناقنا من جهة التعزية.

ويُمكن أنْ يُقال بترجيح الاحتمال (الثاني) على غيره، بقرينة التعليل الوارد في الحديث، أعني قوله (عليه السلام): «لأنَّكم تشاركوننا في المصيبة»، أي: لا يجب عليكم ولا يلزمكم أنْ تعزُّونا في مصابنا؛ لأنكم تشاركوننا في مصابنا، فالمعزِّي عادةً يكون غير صاحب المصيبة، أمَّا صاحب المصيبة فلا يعزِّي نفسه.

ويُؤيِّد هذا، الارتكاز المتشرعيُّ على جواز تعزية المعصومين (عليهم السلام) من قبل العلماء وغيرهم من دون نكيرٍ منهم.

كما يؤيِّد ـ أيضاً ـ بما ورد في الزيارة الناحية، وفيها: «فانزعج الرسول وبكى قلبه المهول، وعزَّاه بك الملائكة والأنبياء، وفجعت بك أمُّك الزهراء، واختلفت جنود الملائكة المقرَّبين، تعزِّي أباك أمير المؤمنين، وأقيمت لك المأتم في أعلا عليين» [المزار لابن المشهدي ص506].

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ الحديث ـ بناءً على القبول به سنداً، وترجيح الاحتمال الثاني على غيره ـ ناظرٌ إلى عدم وجوب التعزية لأهل البيت (عليهم السلام) من قبل شيعتهم؛ لكونهم مشاركين لهم في المصاب .. والحمد لله ربِّ العالمين.