ماذا تعرف عن عبد الله بن معاوية؟

السؤال: ما هي سيرة عبد الله بن معاوية بن جعفر الطيار (الذي قام بثورة نهاية العصر الاموي) فهل كان فعلاً فاسد العقيدة وسيّئ السيرة وقاسي القلب.. ونحو ذلك من الصفات الذميمة؟ وهل يوجد في كتب التاريخ ذكر لموقف أهل البيت (عليهم السلام) من ثورته أو منه؟.

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

بادئ ذي بدءٍ لابدّ من التنويه إلى أنّ مراد السائل هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيّار بن أبي طالب بن عبد المطّلب، فمولانا جعفر الطيّار (عليه السلام) هو الجدّ الثاني له وليس الأوّل كما جاء في السؤال، وأمّا أمّه فهي أم عون أسماء بنت العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب [مقاتل الطالبيّين ص111].

لم تذكر المصادر التاريخيّة وقت ولادته أو محلّها، والغالب وقوعها في المدينة المنوّرة. وذكر المؤرّخون أنّه قَدِم الكوفة زائراً لعبد اللَّه بن عمر بن عبد العزيز وطالباً للعطاء، فتزوّج بالكوفة بنت الشرقيّ بن عبد المؤمن بن شبث بن ربعيّ الرياحيّ [الأغانيّ ج12 ص431].

كان نسّابة، وخطيباً مفوّهاّ، وشاعراً مُجيداً [ينظر: زهر الآداب ج1 ص125]، له الكثير من الأبيات المشهورة التي كانت وما تزال خالدة، وهي بمجموعها تنبئ للوهلة الأولى عن شخصيّةٍ مرهفةٍ كريمة "شابّة وطموحة" [جواهر التاريخ ج5 ص236]، فمن ذلك قوله:

إنّا وإن أحسابُنا كَرُمَتْ * لسنا على الأحساب نَتَّكِلُ

نبني كما كانت أوائلنا * تبني ونفعل مثل ما فعلوا [ربيع الأبرار ج3 ص85]

وقوله أيضاً:

فلست براءٍ عيبَ ذي الودِّ كلَّه * ولا بعضَ ما فيه إذا كنت راضيا

فعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ * ولكنَّ عينَ السُّخْطِ تُبدي المساويا [عيون الأخبار ج3 ص87].

وصفوه بأنّه كان عالماً، ومن رواة الحديث عند العامّة، يروي عن أبيه معاوية عمّن روى عنهم [تاريخ الإسلام ج6 ص483، تهذيب التهذيب ج10 ص191]، ومن جملة رواياته: ما رواه أبو نعيم الأصفهانيّ بإسناده عن عبد الله بن معاوية، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله (ص): «عليٌّ أصلي، وجعفر فرعي» أو «جعفر أصلي، وعليٌّ فرعي» [ذكر أخبار أصبهان ج2 ص43]. ومنها: ما رواه أبو نعيم وأبو الفرج بالإسناد عنه، عن أبيه، عن جدّه، قال: «خرج رسول الله (ص) وهو يقول: الناس من شجر شتى، وأنا وجعفر من شجرةٍ واحدةٍ» [ذكر أخبار أصبهان ج2 ص43، مقاتل الطالبيين ص10].

ولمّا أنشأ الكميت الأسدي قصيدته الهاشميات في مدح بني هاشم، أكرمه عبد الله بن معاوية، فإنّه جعل يدخل دور بني هاشم ويقول: «يا بني هاشم، هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم، وعرّض دمه لبني أمية، فأثيبوه بما قدرتم»، فاجتمع من الدنانير والدراهم ما قيمته مائة ألف درهم فجاء بها إلى الكميت وقال: «يا أبا المستهل، أتيناك بجهد المُقلّ، ونحن في دولة عدوّنا، وقد جمعنا لك هذا المال وفيه حلي النساء كما ترى، فاستعن به على دهرك»، فأبى الكميت ذلك وقال: «بأبي أنت وأمي، قد أكثرتم وأطيبتم، وما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله، ولم أك لآخذ لذلك ثمناً من الدنيا، فأردده إلى أهله، فجهد به عبد الله أن يقبله بكل حيلة ، فأبى) [مروج الذهب ج3 ص230].

وحصلت مفاخرةٌ بينه وبين الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ذكر فيها جملةً من فضائل بني هاشم وبالخصوص هاشم وعبد المطلب وأبي طالب وجعفر الطيار وعبد الله وأبيه معاوية والعباس [ينظر: الموفقيات ص563].

هذا.. ولكنّ أخباره بمجملها تدلّ على فقدانه صفات القيادة، وأنّ الزيدية في الكوفة هم الذين أغرّوه بالخروج على بني أميّة حين انشغالهم بصراعٍ داخليٍّ على السلطة، وكان ذلك ما بين (125–127هـ)، فاستولى مع أتباعه على قصر الإمارة في الكوفة، ثمّ دارت معركة بين أتباعه وجيوش الأمويّين، لكنّه هرب في أوّل المعركة واختبأ في القصر، ثمّ أُعطيَ الأمان على أنْ يخرج من الكوفة، فتوجّه صوب إيران واستولى عليها وبايعه خلقٌ كثيرٌ منهم السفّاح والمنصور العباسيَّين، فلمّا آل الأمر إلى آخر ملوك بني أميّة مروان بن محمّد الملقب بالحمار، أرسل جيشاً من الشام بقيادة عامر بن ضبارة لمساندة عامله على العراق محمّد بن هبيرة، وعامله على إيران نصر بن سيار، في محاربة عبد الله بن معاوية، وإعادة إيران إلى طاعة الخليفة، فعلم بذلك عبد الله بن معاوية وأراد القتال فلم يخرج معه أحدٌ فذهب صوب أبي مسلم الخراسانيّ يطلب نصرته، فحبسه أبو مسلم ومات في حبسه سنة (131هـ)، وقيل قتله بالسمّ. [ينظر: تاريخ الطبريّ ج5 ص559، تاريخ الإسلام ج8 ص17، الأغاني ج12 ص431]. قال ابن عنبة: (وقبره بهراة في المشرق يزار إلى الآن، رأيت قبره سنة ست وسبعون وسبعمائة) [عمدة الطالب ص38]. وكان قد كتب إلى أبي مسلم وهو في سجنه: «من الأسير في يديك، من غير ذنبٍ إليك، ولا خلافٍ عليك، أما بعد، فإنك مستودع ودائع ومولى صنائع، وإن الودائع مرعية، وإن الصنيعة عارية، فاحذر القصاص، واطلب الخلاص، وأنبه للتفكر قلبك، واتق الله ربك، وآثر ما يلقاك غدا على ما لا يلقاك أبدا، فإنك لاق ما استلفت لا ما خلفت، وفقك الله لما ينجيك، وأوزعك شكر ما يوليك» [الوافي بالوفيات ج17 ص338]. هذا فيما يتعلّق بالتعريف بهويّته.

وأمّا سيرته وسلوكه والموقف منه فإنّ المتحصّل من ذلك هو التالي:

أوّلاً: لقد وردت في سيرة هذه الشخصيّة طعونٌ كثيرةٌ عن طريق علماء السنّة تدلّ بمجموعها على انحرافها وقبح سيرتها، وها نحن نقتطف لك بعضاً منها:

1ـ انحرافه العقائديّ:

قال العضد الإيجيّ: (قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين: "الأرواح تتناسخ، وكان روح الله في آدم، ثمّ في شيت ثمّ الأنبياء والأئمّة، حتّى انتهت إلى عليّ وأولاده الثلاثة، ثمّ إلى عبد الله هذا) [المواقف ج3 ص672]، وعن السمعانيّ قال: (الحلوليّة، وهم أصنافٌ، وقيل لهم الحلوليّة؛ لأنّهم يعتقدون أنّ روح الإله يحلُّ في آدم ...، ومنهم من زعم أنّ تلك الروح انتهت إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، وعَبَدَهُ أتباعُه وزعموا أنّه إله وكفروا بالجنّة والنار والقيامة واستحلوا جميع المحرمات من الميتة والخمر وذوات المحارم...) [أنساب الأشراف ج4 ص219]

2ـ ميله إلى بعض خلفاء بني أميّة:

فقد ذكر ابن عساكر أنّه كان صديق الوليد بن يزيد ونديمه، يؤانسه ويلعب معه الشطرنج!) [تاريخ دمشق ج33 ص211].

3ـ اشتهاره بقسوة القلب:

قال الخطيب التبريزيّ وابن حمدون وغيرهما: (وكان عبد الله هذا أقسى خلق الله قلباً، يغضب على الرجل فيأمر أنْ يضرب بالسياط وهو يتحدّث ويتغافل عنه حتّى يموت تحت السياط) [شرح ديوان الحمسة ج2 ص40، التذكرة الحمدونيّة ج2 ص207].

4ـ انحرافه الأخلاقيّ وتقريبه للمنحرفين والمجرمين:

فقد قال أبو الفرج الأصفهانيّ: (وكان عبد الله بن معاوية جواداً فارساً شاعراً، ولكنّه كان سيء السيرة رديء المذهب قتّالاً مستظهرا ببطانة السوء ومن يرمى بالزندقة، ولولا أنْ يظنَّ أنَّ خبره لم يقع علينا لما ذكرناه مع من ذكرناه...، كان عمارة بن حمزة يرمى بالزندقة فاستكتبه عبد الله بن معاوية [أي جعله كاتباً له]، وكان له نديمٌ يعرف بمطيع بن إياس، وكان زنديقاً مأبوناً، وكان له نديمٌ آخر يعرف بالبقليّ، وإنّما سُمّي بذلك لأنَّه كان يقول الإنسان كالبقلة فإذا مات لم يرجع!قتله المنصور بعد ان أفضت إليه الخلافة، وكان هؤلاء الثلاثة خاصّته، وكان له صاحب شرطةٍ يقال له قيس وكان دهريّاً لا يؤمن بالله معروفاً بذلك فكان يعسُّ بالليل فلا يلقاه أحد إلّا قتله!) [مقاتل الطالبيّين ص112].

ثانياً: بالنسبة لمصادر مذهبنا فلم نعثر له على روايةٍ عن الأئمة (عليهم السلام)، كما أنّ مصنّفات أعلام الطائفة تخلو عن ذكر شيءٍ من سيرته، عدا أشياء متناثرة نذكرها:

1ـ أرسل الإمام الصادق (ع) إليه كتاباً:

فقد روى البرقيّ بسنده عن عبد الحميد الطائي، عن أبي عبد الله (ع) قال: «كتب معي إلى عبد الله بن معاوية وهو بفارس: مَن اتّقى الله وقاه، ومَن شكره زاده، ومَن أقرضه جزاه» [المحاسن ج1 ص3].

2ـ روى أحد كرامات الإمام الباقر (ع):

فقد نقل ابن حمزة الطوسيُّ عن محمد بن عمر النخعيّ، قال: أخبرني رجلٌ من أصحابنا من بني أسد - وكان من أصحاب أبي جعفر (ع)- قال: «كنت مع عبد الله بن معاوية بفارس، فبينما نحن نتحدث فتحدثوا وأنا ساكت، فقال عبد الله بن معاوية: مالك ساكتٌ لا تتكلم؟ فوالله، إنّي لعارفٌ برأيك، وإنّك لعلى الحق المبين. ثم قال: سأحدثك بما رأت عيناي وسمعت أذناي من أبي جعفر (ع). ثم قال: إنّه كان بالمدينة رجلٌ من آل مروان وإنّه أرسل إليَّ ذات يوم، فأتيته وما عنده أحدٌ من الناس، فقال: يا ابن معاوية، ما دعوتك إلا لثقتي بك، وإني قد علمت أنَّه لا يبلغ عني أحدٌ غيرك، وقد أحببت أنْ تلقى عميك الأحمقين: محمد بن علي وزيد بن علي، وتقول لهما: يقول لكما الأمير: لتكفا عما يبلغني عنكما أو ليتركاني. فخرجت من عنده متوجها إلى أبي جعفر فلقيته، وهو يريد المسجد فلما دنوت منه تبسم ضاحكا، ثم قال: لقد بعث إليك هذا الطاغي فخلا بك وقال: القِ عمّيك الأحمقين، وقل لهما كذا وكذا. فأخبرني بمقالته كأنَّه كان حاضراً» [الثاقب في المناقب ص386].

ونقل نحوه قطب الدين الراونديّ، وزاد: « قال: فأخبرني أبو جعفر بمقالته كأنَّه كان حاضراً، ثم قال: يا ابن عم، قد كُفِينا أمره بعد غد، فإنّه معزولٌ ومنفيٌّ إلى بلاد مصر. والله، ما أنا بساحرٍ ولا كاهن، ولكنّي أُتيت وحُدِّثت. قال: فوالله، ما أتى عليه اليوم الثاني حتّى ورد عليه عزله ونفيه إلى مصر، وولي المدينة غيره» [الخرائج والجرائح ج2 ص599].

3ـ ذكر بعض الفقهاء أنّه وضع جدولاً في كيفية تحديد وقت الهلال عن طريق الحساب، ونسبه إلى الإمام الصادق (ع) ولم يثبت ذلك. قال السيّد بن طاووس: (ورأيت روايتين أحدهما عن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو يتضمن شرحاً طويلاً نحو كراسين، فلا نطيل بذكره، رواه عن الصادق (ع) في معرفة أول الشهور بالحساب) [إقبال الأعمال ج1 ص61].

لكن، وبالعود إلى كلمات بعض المتقدّمين من الفقهاء نجدها صريحةً في الطعن في شخصيّته وسيرته وفي الجدول المذكور، حيث قال السيد ابن زُهرة الحلبيّ: (وهذا عبد الله بن معاوية مقدوحٌ في عدالته بما هو مشهورٌ من سوء طريقته، مطعونٌ في جدوله بما تضمّنه من قبيح مناقضته) [غُنية النزوع ص132]، بناءً على ذلك يكون أمر هذه الشخصيّة غير خفي على أحدٍ آنذاك، وأنّه مشهورٌ بسوء السيرة، وفقدان العدالة.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.