هل يتحمّل يزيد مسؤولية قتل الإمام الحسين (ع)؟
السؤال: هل صحيحٌ أنَّ يزيد بن معاوية كان مسؤولاً بشكلٍ مباشرٍ عن قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، أم أنَّ مقتله كان نتيجة قراراتٍ ذاتيةٍ من الكوفيين وأحداثٍ لم يكن ليزيد دورٌ مباشرٌ فيها؟
الإجابة:
عند استعراض تاريخ الصراع بين أهل البيت (عليهم السلام) والسلطة الأمويَّة التي استأثرت بالحكم، يتضح بجلاءٍ أنّ بني أميَّة كانوا يسعون جاهدين للقضاء على أيّ تهديدٍ شرعيٍّ يواجه سلطانهم، مستخدمين في ذلك كلّ الوسائل المتاحة، بما فيها العنف والإرهاب.
الإمام الحسين (عليه السلام) كان يمثل رمزاً للشرعيَّة الإلهيَّة والخلافة الراشدة، وهو حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيد شباب أهل الجنَّة، مما جعله هدفاً مباشراً للسلطة الأموية بقيادة يزيد بن معاوية.
بعد موت معاوية واعتلاء يزيد عرش الخلافة، أصبحت مسألة البيعة للحسين (عليه السلام) أمراً بالغ الأهمية بالنسبة ليزيد، ليس لأنّ البيعة في ذاتها تعني شيئاً ليزيد، بل لأنّها تمثّل إضفاء الشرعيّة على حكمه الجائر.
ومنذ البداية، كان يزيد يدرك أنّ رفض الحسين (عليه السلام) للبيعة يشكّل تهديداً وجوديّاً لحكمه؛ لذا أصدر يزيد أوامر واضحةً إلى والي المدينة آنذاك الوليد بن عتبة، بأنْ يأخذ البيعة من الإمام الحسين (عليه السلام) ولو بالقوّة، بل وهدّده بالقتل إنْ رفض.
وقد وردت في كتب التاريخ رسالة يزيد إلى الوليد قائلاً: (إذا أتاك كتابي فاحضر الحُسين بن عليّ وعبد الله بن الزّبير، فخُذهما بالبيعة، فإنْ امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث إليّ برأسيهما، وخُذ الناس بالبيعة فمَنْ امتنع فانفذ فيه الحكم، وفي الحُسين بن علي وعبد الله بن الزّبير، والسّلام) [تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص215]، هذه الرسالة تكشف بوضوحٍ نيّة يزيد، وتؤكّد أنّ قتل الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن حادثاً عرضيّاً، بل كان جزءاً من مخططٍ سياسيٍّ مرسوم.
عندما رفض الإمام الحسين (عليه السلام) البيعة ليزيد، قرّر مغادرة المدينة حفاظاً على حرمة المكان ومنعاً لسفك دمه فيها. توجّه إلى مكة، لكنّ يزيد لم يتركه وشأنه، بل أرسل مَن يتآمر عليه حتّى في الحرم المكيّ.
يقول عبد اللّه بن عباس في رسالته ليزيد: (وما أنس من الأشياء فلست بناسٍ اطرادك الحسين بن علي من حرم رسول اللّه (ص) إلى حرم اللّه، ودسّك إليه الرجال تغتاله، فأشخصته من حرم اللّه إلى الكوفة، فخرج منها خائفاً يترقّب، وقد كان أعزّ أهل البطحاء بالبطحاء قديماً، وأعزّ أهلها بها حديثاً، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوّأ بها مقاماً واستحلّ بها قتالاً) [تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص221].
وبعد خروجه من مكة وتوجّهه للكوفة جهّز له يزيد جيشاً بقيادة عبيد الله بن زياد لملاحقته وقتاله.
وعبيد الله بن زياد، الذي ولَّاه يزيد على الكوفة والبصرة، كان معروفاً ببطشه، وقد نفّذ أوامر يزيد دون تردّد، ففرّق أنصار الإمام الحسين (عليه السلام) في الكوفة، وقتل مسلم بن عقيل سفير الحسين (عليه السلام) بوحشية، وعندما وصل الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء، كانت جميع تحرّكات الجيش الأمويّ تحت إمرة عبيد الله بن زياد بتوجيهٍ مباشرٍ من يزيد.
وقد أورد المؤرّخون شواهد تؤكّد مسؤوليّة يزيد عن قتل الحسين (عليه السلام)، منها: ما ذكره ابن الأثير عن عبيد الله بن زياد أنَّه قال: (أما قتلي الحسين، فإنّه أشار عليّ يزيد بقتله أو قتلي، فاخترت قتله) [الكامل في التاريخ ج4 ص140].
إضافةً إلى ذلك، أرسل يزيد رسالة شكرٍ لعبيد الله بن زياد بعد أنْ أرسل إليه برأسي مسلم بن عقيل وهاني بن عروة جاء فيها: (أمّا بعد، فإنّك لمْ تعد إذ كنت كما أحبّ، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابض، فقد كفيتَ وصدَّقتَ ظنّي ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك فسألتهما عن الذين ذكرت، فقد وجدتهما في رأيهما وعقلهما وفهمهما وفضلهما ومذهبهما كما ذكرت، وقد أمرت لكلّ واحدٍ منهما بعشرة آلاف درهم وسرّحتهما إليك فاستوص بهما خيراً. وقد بلغني أنّ الحُسين بن علي قد عزم على المسير إلى العراق، فضع المراصد والمناظر واحترس واحبس على الظنّ، واكتب إليّ في كلّ يومٍ بما تجدّد لك مِنْ خيرٍ أو شرٍّ، والسّلام) [الفتوح ج5 ص109].
وقد ذكر العديد من علماء أهل السنة والجماعة مسؤوليّة يزيد عن هذه الجريمة، مثل سبط ابن الجوزيّ، والتفتازانيّ، والجلال السيوطيّ، وغيرهم.
قال السعد التفتازانيّ: (والحقّ أنّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك وإهانته أهل بيت رسول الله (ص) ممّا تواتر معناه وإنْ كان تفصيله آحاداً، فنحن لا نتوقّف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه) [شرح العقائد النسفيَّة ص206].
وتوجد أجوبةٌ عديدةٌ سابقةٌ يمكن مراجعتها، مثل: (هل يزيد أمر بقتل الحسين؟)، (هل فرح يزيد بقتل الحسين؟)، (مَن المسؤول عن قتل الحسين؟)، (هل صحَّ أنَّ يزيد بكى على الحسين؟)، وغيرها.
إذاً، ما حدث في كربلاء لم يكن مجرّد حادثةٍ فرديّةٍ معزولة، بل كان جزءاً من سياسةٍ ممنهجةٍ اعتمدتها السلطة الأمويّة لإخماد أيّ صوتٍ معارض، وعلى رأسها صوت الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي يمثّل صوت الحقّ والعدل.
اترك تعليق