هل النبوَّة ظاهرةٌ دينيَّةٌ حقيقيَّةٌ أم مجرّد اضطرابٍ نفسيٍّ؟
السؤال: عقدة المسيح أو ضلالة الاصطفاء أو هذيان المختار - أو ما أنشأنا له مصطلحاً خاصاً بنا: "ذهانُ النبوَّة".. اضطرابٌ قليل الحدوث ولكنَّه ليس مجهولاً للعلم أو الطب. وعلى مرّ التاريخ، ظهر أفرادٌ يدّعون الاختيار الإلهيَّ أو القدر الاستثنائيّ، معتقدين أنّهم مختارون بشكلٍ فريدٍ للقيام بمهمةٍ مقدَّسةٍ أو لتحويل المجتمع. وجدت هذه الظاهرة النفسيَّة التي تُعرف غالباً بـ "وهم المختار" أو "عقدة المسيح"، عبر الثقافات والعصور، وتتضمن الخصائص النموذجيَّة وهي: إيمانٌ راسخٌ بأهمية المدّعي الإلهيّ أو الكونيّ ـ ادعاءاتٌ بامتلاك قوىً خاصةٍ أو معرفٍة حصريَّةٍ ـ سلوكٌ مدفوعٌ بمهمة "إنقاذ" الآخرين ـ رفض الأدلَّة المتعارضة ـ تجميع أتباعٍ مخلصين. تشمل الأمثلة التاريخيَّة شخصياتٍ دينيَّةً وقادةً سياسيين، غالباً ما تنبع الاسباب النفسيَّة وراء هذا الوهم من: سماتٍ شخصيَّةٍ نرجسيَّةٍ ـ صدمات الطفولة أو الإهمال ـ التأثيرات الثقافيَّة والدينيَّة ـ حالات الصحة النفسيَّة غير المعالجة ـ المواقع المؤثرة المصحوبة بالعزلة. في دينامكيات الجماعة، يمكن أنْ تكون عقدة المختار خطيرةً بشكلٍ خاصٍّ عندما يعزّز الأتباع هذه المعتقدات، ممَّا يخلق أنظمةً مغلقةً مقاومةً للمنظور الخارجيّ. ويمكن أنْ يبرر التفويض الإلهيُّ الذي يُنظر به إلى القائد الأفعال الضارة والخطيرة.. يميل محترفو الصحة النفسيَّة الحديثون إلى رؤية هذه الأوهام كأعراضٍ تتطلب العلاج بدلاً من تجارب روحية حقيقيَّة.
الجواب:
مع أنّ الكلام لا يحمل تشكيكاً صريحاً في النبوَّة إلّا أنّه لا يخلو من ذلك، ولكي نردّ على هذا النوع من التشكيك لابدّ أنْ يكون شاملاً ومبنيّاً على التفريق بين مفهوم النبوَّة بوصفها ظاهرةً دينيَّةً حقيقيَّةً لها دلائلها وشواهدها، وبين الحالات النفسيّة أو الادّعاءات الزائفة التي قد تتشابه ظاهريّاً معها، وسأتناول الردّ في المحاور التالية:
أولاً: النبوَّة في الأديان السماويّة ظاهرةٌ متجاوزةٌ للطبيعة الإنسانيّة العاديّة، تقوم على الاختيار الإلهيّ والتكليف برسالةٍ ساميةٍ تهدف إلى هداية البشر، فالنبوَّة وفق المفهوم الدينيّ ليست حالةً ذاتيّةً أو رغبةً فرديّةً في القيادة أو السيطرة، بل هي اختيارٌ إلهيٌّ مباشر يحمل في طيّاته رسالةً ساميَّةً يبقى تأثيرها متأصّلاً عبر التاريخ، ومن أبرز خصائص النبوَّة:
1ـ وجود دلائل ماديّةٍ ومعنويّة:
مثل المعجزات التي تؤكّد صدق النبيّ، وهذه الدلائل الحسيّة والعقليّة تجعل النبوَّة ظاهرةً متفرّدةً يصعب مقارنتها بأيّة حالةٍ فرديّةٍ مرضيّةٍ.
2ـ التوازن النفسيّ والأخلاقيّ:
النبيّ الحقيقيّ يتميّز بسلامة العقل واتّزان السلوك، إضافةً إلى أخلاقٍ رفيعةٍ تجعل دعوته متّسقةً مع المبادئ العقليّة والقيم الإنسانيّة العليا، بعكس ذلك، الحالات التي تصفها الأدبيّات النفسيّة بـ(ذهان النبوَّة) أو (وهم المختار)، فإنّها تتّسم غالباً بسماتٍ مرضيّةٍ مثل الأوهام، وجنون العظمة، وعدم القدرة على ربط الأفكار بصورةٍ منطقيّة.
3ـ التأثير الإيجابيّ المستدام:
رسائل الأنبياء أدّت إلى تغييراتٍ اجتماعيّةٍ وروحيّةٍ عميقةٍ ومستمرّةٍ، فالأنبياء يغيّرون المجتمعات بصورةٍ إيجابيّةٍ مستدامةٍ، بينما المصابون بالاضطرابات النفسيّة يقتصر تأثيرهم غالباً على نطاقٍ محدودٍ، وغالباً ما يؤدّي إلى نتائج مضطّربة. وعليه، النبوَّة ليست مجرّد ادّعاءٍ أو أوهامٍ فرديّةٍ، بل ظاهرةٌ مدعومةٌ بأدلّةٍ وبراهين يصعب إنكارها حتّى من أعداء الأنبياء.
وثانياً: التفسير الذي يعتمد على أنّ النبوَّة هي مجرّد (نتاج ثقافيّ) أو (حالة نفسيّة)، يُغفل عن كون الأنبياء لم يكونوا يسعون إلى تحقيق مكاسب ماديّةٍ أو سلطويّةٍ، ففي معظم الأحيان تعرّض الأنبياء لمعارضةٍ شديدةٍ واضطهادٍ، ممّا يدلّ على صدقهم في تحمّل رسالتهم رغم كلّ الصعوبات، ولو كانت النبوَّة مجرّد ظاهرةٍ نفسيّةٍ أو ثقافيّةٍ، لَمَا استمرّت رسالات الأنبياء، ولا أثّرت في ملايين البشر على مرّ العصور.
فعلى مر التاريخ ظهرت بالفعل حالات ادّعاءٍ كاذب للنبوّة، لكن وجود المزيّف لا ينفي وجود الحقيقيّ، تماماً كما أنّ وجود العملات المزوّرة لا ينفي وجود العملات الأصليّة، بل إنّ هذه الادّعاءات الكاذبة تؤكّد أهميّة النبوَّة الحقيقيَّة، حيث يظهر الفرق واضحاً في المحتوى والأسلوب والأثر، فالأنبياء الحقيقيّون تحمّلوا مشقّةً كبيرةً ومعارضةً شديدةً من أقوامهم، دون أيّ مكاسب ماديّةٍ أو شخصيّةٍ. ولو كانت النبوَّة مجرّد حالةٍ مرضيّةٍ أو ظاهرةٍ ثقافيّةٍ، لَمَا صمدت رسائلهم أمام هذه الظروف، ولَمَا أثّرت تأثيراً عميقاً ومستداماً في البشريّة.
وقد أشار القرآن الكريم إلى تأييد الله للنبيّ وخطورة الافتراء عليه في قوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44-46]، ممّا يشير إلى أنّ ادّعاء النبوَّة زوراً أمرٌ مرفوضٌ ومصيره الخسران.
كما أنّ الله تعالى تحدّى المشكّكين في صدق الرسالة في قوله تعالى: {فَإِن كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وهذا التحدّي مفتوحٌ لكلّ مَن يشكّ في مصدر النبوَّة، فانسجام الرسالة وغياب التناقض فيها من أهمّ الأدلّة على مصدرها الإلهيّ.
وعليه، فإنّ التفسير النفسيّ ينطبق على حالاتٍ فرديّةٍ معروفة، ولكنّه لا يمكن أن يفسّر ظاهرةً واسعةً ومؤثّرةً مثل النبوَّة الحقيقيَّة، فالأنبياء لم يظهروا سمات المرض النفسيّ أو الذهانيّ، بل أظهروا اتّزاناً وسلامةً نفسيّةً فائقة، ممّا يجعل هذا الادّعاء غير دقيق. فالمنهج العلميّ والموضوعيّ يقتضي النظر إلى النبوَّة من خلال دلائلها وآثارها، وليس من خلال إسقاط حالاتٍ مرضيّةٍ عليها، فدراسة حياة الأنبياء بعمق تظهر تميّزهم في الفكر والسلوك والتأثير.
وفي المحصلة، التشكيك في النبوَّة بسبب تشابهها مع حالات مرضيّة يُغفل السياق الدينيّ والدلائل العقليّة والتاريخيّة للنبوّة. والفارق الجوهريّ هو أنّ النبوَّة تأتي بمعجزاتٍ ورسائل متّسقةٍ تهدف إلى إصلاح البشريّة، بينما الحالات النفسيّة هي اضطّراباتٌ فرديّةٌ محدودة التأثير.
اترك تعليق