لماذا البكاء على الحسين وهو في الجنة؟
السؤال: إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) وصل إلى الغاية التي ضحَّى بنفسه وأهل بيته وأصحابه لأجلها، فنال الشهادة وبلغ الفتح وحفظ الدين وفاز بلقاء الله تعالى، وعليه لماذا نحزن عليه ولا نفرح بوصوله إلى غرضه؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البدء لا بأس بالتنبيه إلى مسألةٍ مهمَّةٍ وهي أنَّ سيرة أهل البيت القطعية وكذلك أتباعهم قائمةٌ على الحزن على الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم شهادته، وليس الفرح، وإلَّا فيلزمنا الفرح في يوم شهادة النبيّ الأعظم وأمير المؤمنين والصدِّيقة الزهراء (صلوات الله عليهم) أيضاً؛ لكونهم نالوا الشهادة في سبيل الله تعالى وفازوا بلقائه! بل ثبت أنَّ الفرح في مقتله من صفات النواصب، كآل زياد وآل مروان ومن أشبههم.
إذا بان هذا فاعلم بأنَّ بكاءنا على الإمام الحسين (عليه السلام) لأسبابٍ ساميةٍ نذكر منها:
الأمر الأوَّل: التأسِّي بأهل البيت:
لا ريب أنَّ النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) كانوا على علمٍ بمقام الإمام الحسين (عليه السلام) وأنه سيِّد شباب أهل الجنة، ومع ذلك لم يمتنعوا من البكاء عليه، بل جرت دموعهم تأسُّفاً على مظلوميته ومصابه الجلل. ومن هنا يكون بكاؤنا عليه اقتداءً بهم واتباعاً لنهجهم، وإظهاراً للمودَّة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْموَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: 23].
1ـ فقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن عبد الله بن نجي الحضرميّ، عن أبيه «أنه سافر مع عليٍّ، وكان صاحب مطهرته حتَّى حاذى نينوى وهو منطلقٌ إلى صفِّين فنادى: صبراً أبا عبد الله، صبراً أبا عبد الله، فقلت: ماذا أبا عبد الله؟ قال: دخلت على النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) وعيناه تفيضان، قال: قلت: يا رسول الله، ما لعينيك تفيضان، أغضبك أحد؟ قال: قام من عندي جبريل فأخبرني أنَّ الحسين يقتل بشط الفرات فلم أملك عيني أنْ فاضتا» [المصنف ج21 ص284، مسند أحمد ج2 ص78].
2ـ وروى ابن قولويه القمِّيّ (طاب ثراه) بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «بكى علي بن الحسين على أبيه حسين بن علي (عليهما السلام) عشرين سنة أو أربعين سنة، وما وضع بين يديه طعاماً إلَّا بكى على الحسين، حتَّى قال له مولىً له: جُعلت فداك يا بن رسول الله، إني أخاف عليك أنْ تكون من الهالكين. قال: إنما أشكو بثِّي وحزني إلى الله واعلم من الله ما لا تعلمون، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلَّا خنقتني العبرة لذلك» [كامل الزيارات ص213].
الأمر الثاني: تحصيل الثواب:
لا يخفى أنَّ البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) من المستحبَّات الأكيدة التي نصَّ عليها أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) في الروايات المتواترة؛ ولذلك نبكي للحصول على الأجر والثواب.
1ـ فقد روى علي بن إبراهيم القمِّي (طاب ثراه) بسنده عن محمَّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي (عليهما السلام) دمعةً حتَّى تسيل على خدِّه بوَّأه الله بها في الجنَّة غرفاً يسكنها أحقاباً ...الرواية» [تفسير القمِّي ج2 ص291].
2ـ وروى ابن قولويه القمِّي (طاب ثراه) بسنده عن أبي هارون المكفوف، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيه قوله: «من ذُكر الحسين (عليه السلام) عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذبابٍ كان ثوابه على الله، ولم يرض له بدون الجنَّة» [كامل الزيارات ص208].
الأمر الثالث: إحياء نهضته المباركة:
من المسلَّم أنَّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في مواجهة الباطل أعادت إلى الأمَّة الإسلاميَّة جملةً من المفاهيم التي حاول الطغاة طمسها، ومن هنا كان إحياء المجالس والبكاء عليه وسيلةً أساسيَّة لحفظ تلك النهضة حيَّة عبر العصور، فكثيرٌ من الحركات الحقَّة طواها النسيان، لغياب التفاعل المستمر معها؛ ولهذا نجد الأئمَّة (عليهم السلام) قد أكَّدوا على إقامة المجالس والمآتم الحسينيَّة وحثُّوا عليها، لتظل هذه النهضة المباركة راسخة في وجدان الأمَّة وضميرها الحي.
1ـ فقد روى أبو العبَّاس الحِمْيريُّ (طاب ثراه) عن بكر بن محمَّد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال لفضيل: «تجلسون وتحدِّثون؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: إنَّ تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا. يا فضيل من ذكرنا ـ أو ذكرنا عنده ـ فخرج من عينه مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر» [قرب الإسناد ص36].
2ـ وروى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه قال: قال الرضا (عليه السلام): «من تذكَّر مصابنا وبكى لما اُرتكب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذُكِّر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» [الأمالي ص١٣١].
3ـ وروى الشيخ الطوسي (طاب ثراه) بسنده عن معتب مولى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول لداوود بن سرحان: يا داوود، أبلغ موالي عني السلام، وأنّي أقول: رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكرا أمرنا، فإنَّ ثالثهما ملك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلَّا باهى الله تعالى بهما الملائكة، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر، فإنَّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا، وخير الناس من بعدنا من ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا» [الأمالي ص ٢٢٤].
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ بكاءنا على الحسين (عليه السلام) ليس من أجل شكِّنا بمصيره نعوذ بالله، وإنما للتأسِّي بأهل البيت الذين بكوا عليه، ولنيل الأجر والثواب الوارد في الأخبار الشريفة، ولبقاء نهضته المباركة حيَّةً في وجدان الأمَّة.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق