هل فعل البكاء واللطم وغيرهما من أجل ذنوبنا التي ارتكبناها؟

السؤال: إنَّ ما يفعله الشيعة من ممارساتٍ ـ كالبُكاء واللطم والضرب بالسلاسل والتطبير وغير ذلك ـ هو أسلوبٌ من إقامة العقوبة على النفس وتعذيبٌ للجسم، ليكون كفَّارةً للذنب والخطيئة، فهم يتخيَّلون أنَّهم يبكون ويلطمون على الحسين، ولكَّنهم في الواقع يعذِّبون أجسامهم، لأجل الذنوب التي ارتكبوها؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

في البدء يجدر بالمسلم الذي يؤمن بعدالة الله تعالى وبالحساب يوم القيامة، ويعتقد بحسن الإنصاف وقبح التقوُّل والافتراء أنْ لا ينسب إلى غيره ما لم يتيقَّن من التزامهم به، وإلَّا فليُعِدَّ جواباً يقف به غداً بين يدي الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. وهذا مما يشتهر به خصوم الشيعة بشكل واضح.

إذا بان هذا فلنعقد الجواب في ذكر أمرين:

الأمر الأوَّل: استحباب الشعائر الحسينيَّة.

إنَّ المطالِع لكلمات الفقهاء (أعزَّهم الله تعالى) يجدها تنصُّ على أنَّ الشعائر الحسينيَّة من أهمِّ المستحبَّات وأفضل القربات عندهم؛ ولذلك يلتزمون بفعلها كأمرٍ مستحبٍ وراجحٍِ وليس من أجل إقامة العقوبة على النفس وتعذيب الجسم كما يزعم السائل! ومنه يتَّضح حجم البهتان والكذب تجاه أتباع أهل البيت (عليهم السلام).

1ـ قال المرجع الدينيُّ الشيخ محمَّد حسين النائينيُّ (طاب ثراه):

(لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدَّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوى جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإنْ تأدَّى كلٌّ من اللطم والضرب إلى خروج دمٍ يسيرٍ على الأقوى، وأمَّا إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً، وكان من مجرَّد إخراج الدم من الناصية بلا صدمةٍ على عظمها، ولا يتعقَّب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدرِّبون العارفون بكيفية الضرب.

ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضرُّ خروجه لم يكن ذلك موجباً لحرمته، ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثمَّ تبيَّن ضرره منه، لكن الأولى بل الأحوط أنْ لا يقتحمه غير العارفين المتدرِّبين، ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم؛ لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبَّة الحسينيَّة) [فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينيَّة ص9].

2ـ وقال المرجع الدينيُّ السيِّد محسن الحكيم (طاب ثراه) في تعليقته على فتوى المحقِّق النائينيّ ما نصُّه:

(إنَّ ما أفاده أستاذنا الأعظم (الشيخ النائينيّ) في نهاية الإتقان وفي غاية الوضوح، بل إنّها أوضح من أنْ تتطلَّب إظهار موافقة سائر الفقهاء، والمظنون أنَّ بعض المناقشات التي تحصل إنما هي ناشئةٌ من إجراء بعض الأمور والأعمال الجارية التي قد تكون منافيةً مع مقام العزاء والحزن على سيِّد الشهداء، من هنا فإنَّ الأمل ـ بل الواجب ـ هو الاهتمام بإبقائها طاهرةً لكي تكون ممتدَّةً على البكاء والحزن من جميع هذه الشعائر المقدَّسة) [فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينيَّة ص11].

3ـ وقال المرجع الديني السيِّد أبو القاسم الخوئيّ (طاب ثراه) في تعليقته على فتوى المحقِّق النائينيّ ما نصُّه:

(إنَّ ما قاله أستاذنا في جوابه لهذا السؤال صحيح، ولا إشكال في العمل بناءً عليه، أسأل الله التوفيق لإخواننا المؤمنين لتعظيم شعائر الدين والابتعاد عن المحرَّمات) [فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينيَّة ص12].

4ـ وقال المرجع الدينيُّ السيِّد محمَّد سعيد الحكيم (طاب ثراه) في تعليقته على فتوى المحقِّق النائينيّ ما نصُّه:

(ما ذكره شيخ مشايخنا (قدِّس سرُّهم) بتفاصيله في غاية الجودة والمتانة، وهو في نظرنا الحق الحقيق بالقبول وعليه فتوانا، وبه صرَّح كثيرٌ من علماء الطائفة من مشايخنا وغيرهم، رفع الله شأنهم وجزاهم عن هذه الطائفة خير جزاء المحسنين، بل لا ريب في رجحان هذه الأمور؛ لما لها من الأثر الفعَّال في التذكير بمصائب أهل البيت (صلوات الله عليهم) وتفجُّع الناس لها، وتفاعلهم معها، وما يترتب على ذلك من انشدادهم لأهل البيت (صلوات الله عليهم) وازديادهم في حبهم ومودتهم وثباتهم على ولايتهم والإذعان بإمامتهم، وتنفِّرهم من أعدائهم وظالميهم ومجانبتهم لهم وبغضهم إياهم. وهو من أهم المقاصد الدينيَّة، فإنَّ أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، كما تظافرت بذلك أحاديث الفريقين) [فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينيَّة ص22]. وغيرهم الكثير من فقهاء الطائفة المحقَّة.

الأمر الثاني: طلب التوبة أمرٌ راجحٌ.

لا يخفى أنَّ طلب العفو من الله تعالى والتوبة إليه من الأمور الراجحة في الشريعة الإسلاميَّة، إذْ إنَّ طبيعة الإنسان ـ باستثناء أهل العصمة ـ معرَّضةٌ للوقوع في المعاصي والذنوب، والشيعة كسائر الناس يخضعون لهذا القانون، فيلجؤون إلى الله تعالى بالاستغفار وطلب العفو كما يفعل غيرهم ممن يبتلى بالخطأ والخطيئة.

ولكن من المهم الالتفات إلى أنَّ التوبة وطلب الغفران لا يرتبطان بممارسة الشعائر الحسينيَّة، فهذه الشعائر ـ كما نصَّ الفقهاء ـ أعمالٌ راجحةٌ ومستحبةٌ في ذاتها، وليست غايتها تكفير الذنوب كما يزعم السائل، إذْ إنَّ التوبة شيءٌ، والشعائر شيءٌ آخر، وإنْ كان من الممكن أنْ تكون هذه الأعمال الحسنة سبباً لمغفرة الذنوب، فتكون مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114].

والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ الشعائر من الأمور الراجحة والمستحبة؛ ولذلك يقوم الشيعة بفعلها والالتزام بها، وليس كما قال السائل من أنَّ إقامتها عقوبةٌ وتعذيبٌ للجسم! كما أنَّ طلب التوبة أمرٌ مطلوبٌ وراجحٌ ولا علاقة له بفعل هذه الأمور، وإنْ أمكن صيرورتها سبباً في الغفران والعفو كرامةً لسبط رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).. والحمد لله ربِّ العالمين.