لمن أوصى الإمام الحسين (عليه السلام)؟
السؤال: هل أوصى الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الإمام السجَّاد (عليه السلام)، أم للسيِّدة زينب (عليها السلام)؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لابدَّ من الالتفات إلى أنَّ من ضروريات ما نعتقد هو أنَّ النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) أوصى بالإمامة والخلافة من بعده إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمَّ انتقلت الوصية إلى الإمام الحسن فالإمام الحسين، ومنه إلى ولده الإمام زين العابدين، ثمَّ إلى الإمام الباقر، ومن بعده الإمام الصادق، ثمَّ الإمام الكاظم، وبعده الإمام الرضا، ومنه إلى الإمام الجواد، ثمَّ الإمام الهادي، وبعده الإمام العسكريّ حتَّى انتهت إلى ولده الإمام الحجَّة المنتظر (عليهم السلام أجمعين)، وهذا من الأصول الثابتة والأساسيَّة عندنا.
وبناءً على هذا، فإنَّ أيَّ نصٍّ يُفهم منه خلاف ذلك لابدَّ أن يُفسَّر في إطار هذا الأصل المذكور وإلَّا كان انحرافاً وضلالاً.
إذا بان هذا فنقول: يُشير الأخ السائل إلى ما روي في بعض الأخبار من أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) أوصى إلى الحوراء زينب (عليها السلام) في الظاهر من أجل الحفاظ على الإمام علي بن الحسين السجَّاد (عليه السلام)؛ ولذلك كان ما يخرج عن الإمام السجَّاد (عليه السلام) من علمًٍ ينسب إلى الحوراء زينب (عليها السلام).
فقد روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بطريقين عن أحمد بن إبراهيم قال: «دخلتُ على حكيمة بنت محمَّد بن علي الرضا أخت أبي الحسن العسكريّ (عليهم السلام) في سنة اثنين وثمانين بالمدينة، فكلَّمتها من وراء الحجاب وسألتُها عن دينها، فسمَّت لي من تأتمَّ به، ثمَّ قالت: فلان بن الحسن (عليه السلام) فسمَّته، فقلتُ لها: جعلني الله فداك، معاينةً أو خبراً؟ فقالت: خبراً عن أبي محمَّد (عليه السلام) كتب به إلى أمّه. فقلت لها: فأين المولود؟ فقالت: مستور. فقلتُ: فإلى من تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدَّة أم أبي محمَّد (عليه السلام). فقلتُ لها: أقتدي بمن وصيته إلى المرأة؟! فقالت: اقتداءً بالحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، إنَّ الحسين بن علي (عليهما السلام) أوصى إلى أخته زينب بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علمٍ يُنسب إلى زينب بنت علي، تستُّراً على عليِّ بن الحسين... الرواية» [كمال الدين وتمام النعمة ص٥٠١ و ص٥٠٧]، وغيره من المصادر الكثيرة.
ولبيان الحال في هذه الرواية نقول: إنَّ الرواية صريحةٌ في أنَّ صاحب العلم حقيقةً هو الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، وأنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) أوصى إلى أخته الحوراء ظاهراً فقط، حفظاً لحياة الإمام السجَّاد (عليه السلام) وإبعاداً للأنظار عنه، ومن الواضح أنَّ ذلك لا يعني إدخالها (عليها السلام) في عِداد الأئمَّة الاثني عشر، فإنَّ ذلك مخالفٌ لضرورة المذهب كما قلنا سابقاً.
والشاهد على ذلك، ما ورد في نفس الرواية من قوله: «وكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علمٍ يُنسب إلى زينب بنت علي»، فإنَّه صريحٌ في أنَّ صاحب العلم الحقيقي هو الإمام السجَّاد (عليه السلام) غير أنه كان يخرج للناس على لسان السيِّدة زينب (عليها السلام).
ومن هنا يتَّضح عِظم دور الحوراء زينب (عليها السلام) بعد شهادة الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث كانت سبباً طبيعيّاً في حفظ الإمام المعصوم (عليه السلام) من القتل، كما كانت الناقلة لتلك العلوم الإلهيَّة إلى الناس، هذا فضلاً عن أدوارها الأُخرى التي أنيطت بها (عليها السلام)؛ ولذلك كان لها من الشأن والرفعة ما يجعلها تالي تلو المعصومين (عليهم السلام) كما لا يخفى.
قال العلَّامة المامقانيُّ في حقِّها: (هي عقيلة بني هاشم، وقد حازت من الصفات الحميدة ما لم يحزها بعد أمِّها أحد حتَّى حقَّ أنْ يقال هي الصدِّيقة الصغرى، هي في الحجاب والعفاف مزيدة، لم ير شخصها أحدٌ من الرجال في زمان أبيها وأخويها إلى يوم الطف، وهي في الصبر والثبات وقوَّة الإيمان والتقوى وحيدة، وهي في الفصاحة والبلاغة كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) كما لا يخفى على من أنعم النظر في خطبتها، ولو قلنا بعصمتها لم يكن لأحدٍ أنْ ينكر إنْ كان عارفاً بأحوالها في الطف وما بعده. كيف؟ ولولا ذلك لما حمَّلها الحسين (عليه السلام) مقداراً من ثقل الإمامة أيام مرض السجَّاد (عليه السلام)، وما أوصى إليها بجملةٍ من وصاياه، ولما أنابها السجَّاد (عليه السلام) نيابةً خاصَّةً في بيان الأحكام وجملةٍ أُخرى من آثار الولاية) [تنقيح المقال ج٣ ص٧٩].
وقال السيِّد نور الدين الجزائريّ في هذا الخبر المذكور: (إنَّ هذا الخبر صريحٌ في أنَّ السيِّدة زينب (عليها السلام) قد نالت النيابة الخاصَّة عن أخيها الإمام الحسين (عليه السلام)، وفازت بالعلوم التي أودعها عندها أخوها بأمر من الله تعالى، حتَّى تكون هي (عليها السلام) مصدر نقلها وروايتها، فيسلم بذلك ابن أخيها الإمام زين العابدين (عليه السلام) من كيد الأعداء وشرِّهم، ولئلَّا تخلو الأرض من الحجَّة، ولا منافاة بين كون الإمام زين العابدين (عليه السلام) عالماً بكل العلوم وحاوياً عليها ـ وهو كذلك ـ مع نقله عن عمَّته السيِّدة زينب (عليها السلام) تقيةً إذا كان حفظ حياته متوقِّفاً على ذلك) [الخصائص الزينبيَّة ص٢٤٣].
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ وصية الإمام الحسين ـ حقيقيَّة ـ كانت للإمام السجَّاد (عليه السلام) وليست إلى الحوراء زينب (عليها السلام) كما صار واضحاً .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق