لماذا لم يدمر الله بذرة الإلحاد؟

السؤال: لماذا لم يدمر الله بذرة الإلحاد منذ أول ما بدأت، ولَمَا كان هؤلاء يفسدون الناس بأفكارهم السوداء؟ وهل ذكر القرآن الكريم جزاءهم؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

الإلحاد وغيره من الانحرافات الفكريّة جزءٌ من الابتلاء الذي خلق الإنسان من أجله في هذه الدنيا، فالله خلق الإنسان عاقلاً قادراً مريداً ليتحمّل مسؤوليّة أعماله، فهو حرٌّ في أن يختار الكفر أو الإيمان، الحقّ أو الباطل، الخير أو الشرّ، وعلى ذلك يكون الثواب والعقاب، فالله لا يجبر الإنسان على فعل، بل يجعله مسؤولاً عن كلّ خيارٍ يختاره هو بنفسه، يقول تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2].

وعليه، وجود الإلحاد بوصفه جزءاً من تنوّع الأفكار والاتّجاهات ليس عبثاً، بل هو جزءٌ من اختبار الإرادة الإنسانيّة، فلو دمّر الله بذرة الإلحاد منذ البداية، لَمَا كان هناك مجالٌ للاختبار الحقيقيّ بين الإيمان والكفر، بين الحقّ والباطل، بين الهداية والضلال، يقول تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]، فالآية تبيّن أنّ الله لو شاء لجعل جميع أهل الأرض مؤمنين بلا استثناء، ولأجبرهم على الإيمان وقهرهم عليه، بحيث لا يكون لديهم حريّة اختيار ولا إرادة، ولكنّه سبحانه خلق الإنسان بتكوينٍ مختلفٍ، يحمل استعداداً للخير والشرّ، وللهدى والضلال، ولو أراد الله لجعل الإنسان كائناً لا يعرف سوى طريق الإيمان- كما هو حال الملائكة- أو لجعل له استعداداً واحداً يقوده إلى الإيمان بلا نزاع، غير أنّ حكمة الله التي قد ندرك بعض جوانبها وقد لا ندرك، هي التي قضت بخلقة الإنسان على هذه الشاكلة، مستعداً للخير والشرّ، قادراً على الاختيار بين طريق الحقّ وطريق الضلال.

فالله تبارك وتعالى منح الإنسان القدرة والإرادة، وجعل في الكون والنفس دلائل واضحةً على طريق الهدى، وأنزل الرسل بالآيات والبراهين لتكون حجّةً على الناس، فمَن أحسن استخدام مواهبه من حواسٍّ ومشاعر ومدارك، وتأمّل في دلائل الله، اهتدى وآمن، وسار على طريق الخلاص، أمّا مَن أعرض عن هذه الدلائل، وأغلق قلبه وعقله أمامها، واستعصى على الهداية، كان مصيره الجحود والتكذيب، واستحقّ بذلك الجزاء المقدّر من الله للمكذّبين، يقول تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29].

وقد أشار القرآن في معظم آياته إلى عاقبة الذين يجحدون بوجوده وينكرون آياته، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [فاطر: 7]، ويقول: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 168-169].

وفي المحصلة، تدمير بذرة الإلحاد منذ البداية كان سيحرم الإنسانيّة من حريّة الاختيار، والإلحاد مثل غيره من الانحرافات الفكريّة، هو ابتلاءٌ وفرصةٌ للإيمان وللتعّمق والارتقاء، أمّا جزاء الملحدين في الآخرة فقد ذُكر بوضوحٍ في القرآن على أنّه العذاب والخلود في نار جهنّم، والله أعلم بما في الصدور.