هل خلق الله للملائكة يتعارض مع قدرته تعالى؟
السؤال: لماذا خلق الله الملائكة؟ يجيب المسلمون عن هذا السؤال بعدَّة إجاباتٍ منها: القيام بتنفيذ أوامر الله، فبعضهم مكلَّفٌ بتبليغ الوحي، والبعض مسؤولٌ عن الأرزاق، والبعض منهم خزنة الجنَّة، وآخرون خزنة النار، ومنهم من يحرس بني آدم ويسجّل أعماله، ومنهم من يقبض أرواح الناس، ومنهم من يحاسب البشر في القبر... إلخ. لكن ألا يبدو هذا التفسير لسبب خلق الله للملائكة وكأنه فيه انتقاصٌ من قدرة الله المطلقة؟ مثلاً، رئيس الدولة لا يمكنه إدارة كلّ شؤون الدولة وحده؛ لذا يحتاج إلى وزراء ومساعدين كثيرين، فهل هذا يعني أنَّ الله أيضًا عاجزٌ عن إدارة كلّ الأمور بنفسه؛ لذا وضع لنفسه خدمًا مطيعين لتنفيذ أوامره؟! وإذا كان يستطيع أنْ ينفّذ كلَّ شيءٍ وحده بدون الحاجة للملائكة، فلماذا خلقهم؟! ألا يبدو هذا تصرفٌ عبثيٌّ وغير مدروس؟
الإجابة:
تطرّقنا لجملةٍ من زوايا هذا السؤال في جوابٍ سابقٍ تحت عنوان: (هل اللهُ محتاجٌ إلى الملائكة؟)، وسنركّز الإجابة هنا على تعارض خلق الملائكة مع القدرة الإلهيّة، وللإجابة عن هذا السؤال، لا بّد أوّلاً من تحليل الإشكاليّة التي يتضمّنها؛ إذ يبدو أنّ السؤال ينبع من فهمٍ خاطئٍ لقدرة الله تعالى ولحكمته في خلق الملائكة، فالسائل ربّما يتصور أنّ قدرة الله وهيمنته المطلقة على الكون تعني أنّه في غنىً عن أيّ مخلوقاتٍ مثل الملائكة لتنفيذ أوامره، وبالتالي يرى أنّ هناك تعارضاً بين صفة القدرة الإلهيّة وبين خلق الملائكة! من هنا، يكون الطريق لمعالجة هذه الإشكاليّة هو تصحيح هذا التصور الخاطئ لمفهوم القدرة والهيمنة.
القدرة الإلهية التي نتحدث عنها هنا ليست مجرّد صفةٍ ذاتيّةٍ لله تعالى، وإنّما هي قدرةٌ متجلّيةٌ في خلقه وصنعه، وبمعنى آخر: لا نتحدّث عن قدرة الله مفهوماً مجرّداً، وإنّما نتحدّث عن القدرة في إطار الأفعال والخلق، يقول الله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 120]، فالقدرة هنا تتجلّى في ملك الله لكلّ شيءٍ، وفي صنعه وإيجاده لكلّ ما في السماوات والأرض؛ وعليه فإنّ خلق الملائكة بحدّ ذاته هو دليلٌ على قدرة الله اللامحدودة، وليس انتقاصاً منها.
فالسؤال (لماذا خلق الله الملائكة إذا كان قادراً؟) ينطوي على فهمٍ مغلوطٍ والصحيح أنْ يقال: إنّ الله قادرٌ لأنّه خلق الملائكة، ولا يقال: إنْ كان قادراً لماذا خلق الملائكة؟، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فاطر: 1]، فالملاحظ أنّ الآية جعلت خلق الملائكة دليلاً على قدرته تعالى.
فالمخلوقات جميعها لا تملك من نفسها وبنفسها حولاً ولا قوّة، وما نراه في المخلوق من قدراتٍ هو في الواقع دليلٌ على قدرة الله وسلطانه، وعليه من الخطأ تصوّر أنّ للمخلوق قدرةً في عرض قدرة الله تعالى؛ إذ كيف يمكن تصوّر ذلك والمخلوق بذاته لا حول له ولا قوة؟ وضمن هذا المعنى، إذا نظرنا في شأن الملائكة وما لها من قدراتٍ وجدنا أنّها لا تتعارض مع قدرة الله فحسب، بل هي دليلٌ أيضاً على قدرة الله وهيمنته.
وإذا ثبت ذلك يتّضح عدم التعارض بين اتّصاف الله بالقدرة والهيمنة وبين خلقه للملائكة، بل خلق الملائكة كان دليلاً على أنّه قادرٌ ومهيمنٌ، فلا شيء من الخلق قادرٌ على الخروج عن قدرة الله وسلطانه، وبالتالي لا يصحّ السؤال عن سبب خلق الملائكة بقيد القدرة والهيمنة.
أمّا لماذا أوكل الله تدبير الكون للملائكة ولم يدبّرها بنفسه مع قدرته على ذلك؟ فمن الواضح أنّ هذا السؤال ينطلق من ذات الفهم الخاطئ للقدرة، فالقدرة ضمن هذا التصوّر تعني إلقاء نظام الأسباب والمسبّبات، وهذا نفيٌّ لكلّ الموجودات وليس الملائكة وحدها، فالله خلق الكون وهو محكومٌ بقانون السبب والمسبّب، وكون الله قادراً ومهيمناً يعني أنّ جميع تلك الأسباب والمسبّبات بيده وقبضته، والملائكة بدورها تقع في ضمن خطّ الأسباب والمسبّبات، ومجرّد الحديث عن إلقاء هذا النظام هو حديثٌ عن إعدام الكون وافتراض كونٍ آخر، أي لا يمكن المحافظة على الكون وفي الوقت نفسه إلقاء نظام الأسباب والمسبّبات.
وعليه، فإنّ الخلط في السؤال نابعٌ من التلاعب بطبيعة الشيء الذي تتعلّق به القدرة، فالله سبحانه قادر ولا يتّصف بالعجز، ولكنّ القصور في المقدور، فالقدرة لا تتعلّق بالمستحيلات وإنّما تتعلّق بالممكنات، والمستحيل هنا هو أن تنتفي الأسباب من الكون ويبقى ذات الكون كما هو.
وفي المحصلة، إنّ الله قادرٌ، ودليل قدرته تحكّمه في نظام الأسباب والمسبّبات بما فيها الملائكة، ولا تكون القدرة بمعنى أن تحلّ محلّ الأسباب والمسبّبات؛ لأنّ ذلك ليس إثباتاً للقدرة، وإنّما هو نفيٌ للكون والوجود اللذين هما محلّ قدرة الله تعالى.
اترك تعليق