هل فكرة المخلص بسبب المظالم التاريخية؟
السؤال: اضطرّ البعض للإيمان بفكرة المُخلّص بسبب المظالم التاريخيّة التي عاشوها، فلو افترضنا أنّ القائلين بها لم يتعرّضوا لأيَّة مظالم أو كانت مقاليد الأمور بأيديهم؛ لما وجدوا أيَّة ضرورةٍ للإيمان بهذه الفكرة، وبالتالي الظرف النفسيّ لبعض المسلمين هو الذي يقف خلف هذه الفكرة ولا علاقة لها بالإسلام؛ والدليل على ذلك أنّ الإسلام يؤكّد على أنّ الدنيا دار امتحان وبلاء، فكلّ ما يصيب الإنسان من مظالم أمرٌ مطلوبٌ لتحقيق فلسفة الابتلاء، وإقامة العدل في الدنيا يتعارض مع ذلك، ومضافاً إلى ذلك أنّ أيّ موضوعٍٍ مُرتبط بما وراء الطبيعة أو الغيب أو ما وراء المشهود لنا - يعني فوق الحِسابات البشريّة - كموضوع المُخلّص العالميّ الموعود، يجب أن يكون مُسنَداً بالقرآن؛ لأنّه موضوعٌ خطيرٌ ومُرتبطٌ بالآخرة، ومع عدم وجود هذا الإسناد القرآنيّ سيكون الموضوع ضعيفاً ولا يُعتدّ به.
الإجابة:
ارتكز السؤال في مقدّمته على أنّ إيمان الإنسان المسلم بوجود مخلّص ناتج عن الظلم الذي وقع به. وهذا مجرّد افتراض لا تسنده البيّنة، فليس هناك أيّ علاقة وارتباط منطقيّ بين الإحساس بالظلم وبين الإيمان بالمخلّص، فقد يصيب الإنسان ظلمٌ ولا يلتفت إلى وجود مَن يخلّصه من هذا الظلم، والدليل على ذلك: أنّ هناك مجتمعات وشعوباً مرّ عليها الكثير من المآسي، ومع ذلك لا تحتفظ بثقافةٍ لها علاقة بقدوم المُخلّص، وبالتالي جعل الظلم مقدّمة منطقيّة للإيمان بالمُخلّص فيه مغالطة مفضوحة، مضافاً إلى أنّ الاستسلام للظلم بوصفه ابتلاءً قد يكون مخالفاً لفطرة الإنسان التي تدعوه لدفع الظلم عن نفسه، وهذا ما يفسّر كفاح الإنسان فرداً أو جماعة ضدّ الظلم.
وقد فات عليه أنّ الجذر الفلسفيّ للإيمان بالمُخلّص هو ذاته الجذر الذي يدعو الإنسان للإيمان بالله تعالى، فنزوع الإنسان نحو الكمال والمقدّس والمطلق يمثّل البنية التحتيّة لأيّ تصوّرٍ عقائديّ. ومن هنا يمكن أن نعتبر التديّن هو تعبيرٌ عن هذا الجذب الداخليّ الذي يدفع الإنسان نحو الكمال، أو هو سعيٌ إنسانيّ نحو ذلك المقدّس، فكلّ أشكال التديّن هي تعبيرٌ عن هذا الإحساس الباطنيّ المشترك بين الجميع، وإنْ كان الإنسان مفطوراً بطبعه على حبّ الكمال والجمال ويعشق القيم والمثال، فإنّ الفطرة الدالّة على ذلك هي ذاتها التي تجعله يتطلّع ليومٍ تكتمل فيه العدالة وتبلغ فيه الحياة كمالها الروحيّ والماديّ.
وعليه، فإنّ الإيمان بالمخلّص هو تعبيرٌ عن فطرة الإنسان التي تعشق الكمال، فكما تطلّع الإنسان إلى السماء لكي تمدّه بالأنبياء والرُسل، فإنّه ما زال يتطلّع إليها لتُقيم له العدل، والإنسان الذي يرى نفسه مستغنياً عن عونِ الله ومدده ليس جاهلاً بالله وحده، وإنّما جاهلاً بطبيعة الإنسان وحقيقته.
وفي الخلاصة، إنّ فطرة الإنسان المتطلّعة نحو الكمال هي التي تجعله في حالةٍ من الأمل الدائم بقدوم اليوم الذي يتحقّق فيه كمال الإنسان فرداً وحضارة، وليس مجرّد إحساسه بالظلم.
ثمّ يقول السؤال:
(إنّ أيّ موضوع مُرتبط بما وراء الطبيعة أو الغيب أو ما وراء المشهود لنا - يعني فوق الحِسابات البشريّة - كموضوع المُخلّص العالميّ الموعود، يجب أن يكون مُسنداً بالقرآن؛ لأنّه موضوعٌ خطيرٌ ومُرتبط ُبالآخرة، ومع عدم وجود هذا الإسناد القرآنيّ سيكون الموضوع ضعيفاً ولا يُعتدّ به).
وهذا اشتباهٌ آخر؛ لأنّ أصول العقائد التي يستمدّها الإنسان من الغيب سابقةٌ لنزول القرآن، وليست متأخّرةً عنه، فإيمانُ الإنسان بوجود إلهٍ سابقٌ لإيمانه بالقرآن، كما أنّ الإيمان بالرسول مقدَّمٌ على الإيمان برسالته، فلو لم يكن في الإنسان استعدادٌ فطريّ لقبول فكرة أنّ لله أنبياء ورُسلاً، لَما تمكّن أبداً من الإيمان بهم.
ومن هنا، فإنّ الآيات القرآنيّة اعتمدت في ما يخصّ أصول الاعتقاد على التذكير والتنبيه، أي إرشاد الإنسان وتنبيهه بواقع الحقائق المغروسة في فطرته، ومن ذلك فكرة انتصار الحقّ وغلبته على الباطل التي ذكرت بها الكثير من الآيات القرآنيّة، مثل قوله تعالى:
{وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 82]،وقوله: {كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17]،وقوله: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]،وغير ذلك من الآيات.
ولو لم يكن الإنسان يؤمن سلفاً بغلبة الحقّ، لَما اندفع أبداً لمواجهة الباطل ومبارزته.
وعليه، فإنّ فكرة المخلّص (الانتصار النهائيّ للحقّ على الباطل) فكرةٌ فطريّة، ذكّر بها القرآن وأرشد إليها، وقد فصّلنا في إجابةٍ سابقةٍ حول المهديّ في القرآن، يمكن مراجعتها.
أمّا ما أفاده السؤال: من أنّ إقامة القسط والعدل يكون يوم القيامة فقط؛ لأنّه يتعارض مع فلسفة الابتلاء، وذلك في قوله:
(أنّ الإسلام يؤكّد على أنّ الدنيا دار امتحان وبلاء، فكلّ ما يصيب الإنسان من مظالم أمرٌ مطلوبٌ لتحقيق فلسفة الابتلاء، وإقامة العدل في الدنيا يتعارض مع ذلك).
نحن نسلّم بفلسفة الابتلاء، ونؤمن بكلّ الآيات التي أكّدت عليها، إلّا أنّنا لا نرى أنّها تعارض ما نعتقد به من ضرورة إقامة العدل في هذه الحياة، بل فلسفة الابتلاء لا تُفهَم من الأساس إلّا ضمن الصراع بين جبهة الحقّ وجبهة الباطل. وعليه، فإنّ فلسفة الابتلاء ليس فقط لا تتعارض مع إقامة دولة الحقّ في الدنيا قبل الآخرة، وإنّما على العكس تماماً، فإنّ دولة الحقّ هي الصورة النهائيّة التي يتحمّل من أجلها هذا الابتلاء.
وقد اختصرنا الإجابة على هذا السؤال؛ لوجود عشرات المقالات في قضيّة الإمام المهديّ في موقع المركز يمكن مراجعتها.
اترك تعليق